ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً إن رافقته أعراض أخرى

القسطرة لدراسة شرايين القلب
القسطرة لدراسة شرايين القلب
TT

ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

القسطرة لدراسة شرايين القلب
القسطرة لدراسة شرايين القلب

• ربما لا توجد شكوى طبية تثير القلق مثل ألم الصدر، إذ يكفي أن يشعر الإنسان بألم أو بضغط مفاجئ في منتصف صدره حتى يخطر في ذهنه احتمال الجلطة القلبية، رغم أن الأمر ليس كذلك. وفي المقابل، قد يمر شخص آخر بألم صدري متكرر لأسابيع، فيعتاد عليه ويؤجّل تقييمه، رغم أن السبب قد يكون مرضاً في الشرايين التاجية.

ولذا فإن طب القلب الحديث لا يتعامل مع ألم الصدر بوصفه مرادفاً لأمراض القلب، كما لا يسمح في الوقت نفسه بافتراض أنه مجرد حموضة أو شد عضلي قبل استبعاد الأسباب القلبية الخطرة.

ألم الصدر

إن علاج ألم الصدر لا يبدأ وينتهي بالقلب. ويجب ألا يؤدي التركيز على القلب إلى تجاهل الأسباب الأخرى. ولكن بالنسبة إلى المريض، تبقى القاعدة العملية الأهم: ألم الصدر الجديد أو الشديد أو المستمر، أو الألم المصحوب بضيق النفس أو التعرق أو الغثيان أو الدوخة أو الإغماء أو امتداده إلى الذراع أو الفك أو الظهر، لا ينبغي تفسيره من المرء ذاتياً أو الانتظار حتى يزول؛ بل يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً.

لقد أصبح التعامل مع هذه الشكوى أكثر دقة. فالإرشادات الحديثة الصادرة عن الجمعية الأوروبية لأمراض القلب (ESC) لا تنظر إلى «ألم الصدر» على أنه مرض واحد، وإنما بوصفه عرضاً قد ينشأ من القلب أو الرئتين أو الجهاز الهضمي أو العضلات والعظام أو الأوعية الدموية أو غيرها.

ولذلك تبدأ رحلة التشخيص بتحديد احتمال وجود حالة خطرة في القلب أو شرايين الرئتين أو الشرايين الكبيرة، ثم تحديد طبيعة المشكلة، ثم اختيار الفحص الذي يستطيع الإجابة عن السؤال الطبي المطروح عن سبب الألم.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الطب القلبي الحديث: ليس كل ألم في الصدر يحتاج إلى قسطرة، وليس كل ألم خفيف أو غير شديد هو أمر آمن.

إن الوقت هو جزء من التشخيص. وإذا كان ألم الصدر جديداً أو شديداً أو مستمراً، وخصوصاً إذا ترافق مع ضيق التنفس، أو التعرق البارد، أو الغثيان، أو الدوخة، أو الإغماء، أو ألم يمتد إلى الذراع أو الكتف أو الفك أو الظهر، فيجب التعامل معه بجدية والحصول على تقييم طبي عاجل.

وتزداد أهمية ذلك عندما يكون الألم على هيئة ضغط أو ثقل أو انقباض في منتصف الصدر، خصوصاً إذا ظهر في أثناء الجهد.

ومع ذلك، لا يُشترط أن يكون الألم «كلاسيكياً» حتى يكون سببه قلبياً. فقد تكون الأعراض أقل وضوحاً لدى بعض مرضى القلب. كما قد تظهر تلك الأعراض أحياناً على شكل ضيق نفس أو تعب أو انزعاج في مناطق أخرى من الجسم.

ولذا في الحالات التي يُشتبه فيها بمتلازمة تاجيّة حادة ACS (ألم حديث ناجم عن تضيقات أو سدد في أحد شرايين القلب التاجية)، لا يكون الهدف الأول تحديد نوع الألم بالكلمات فقط، بل يهدف الطبيب، وبشكل مستعجل، إلى تحديد ما إذا كانت عضلة القلب تتعرض حالياً لنقص تروية أو أذية حادة، وتحديد سبب ذلك.

والخطوة الأولى هي معرفة القصة المرضية. وهنا يبدأ الطبيب بالسؤال عن تفاصيل الألم: متى بدأ؟ كم يستمر؟ هل يأتي في أثناء الراحة أم مع المشي وصعود الدرج؟ هل يتكرر بالطريقة نفسها؟ هل يتغير مع التنفس أو الحركة أو الضغط على جدار الصدر؟ وهل يصاحبه ضيق نفس أو تعرق أو غثيان؟ ثم تُضاف عوامل الخطورة للتقييم، مثل العمر، وضغط الدم، والسكري، واضطراب الكوليسترول، والتدخين، والتاريخ العائلي لأمراض القلب، والأمراض القلبية والوعائية السابقة.

ألم الصدر قد ينجم عن أنسدادات شرايين القلب

إرشادات أوروبية حديثة

ولذا فإن الإرشادات الحديثة لجمعية القلب الأوروبية (ESC) تجاوزت الاعتماد على العمر والجنس وطبيعة الأعراض وحدها. ففي تقييم الاشتباه بالمتلازمات التاجية المزمنة، توصي باستخدام نموذج لـ«الاحتمال الإكلينيكي» الذي يأخذ عوامل الخطورة في الاعتبار إلى جانب الأعراض الأساسية. ويساعد ذلك على تحديد المرضى الذين يكون احتمال وجود مرض انسدادي في الشرايين التاجية لديهم منخفضاً جداً، بحيث قد لا تكون الفحوص التشخيصية الإضافية ضرورية في بعض الحالات. وهذا تغيير مهم؛ لأن الهدف ليس إجراء أكبر عدد ممكن من الفحوص، وإنما إجراء الفحص الذي يضيف معلومة حقيقية إلى القرار الطبي.

وتخطيط القلب هو اختبار بسيط لكنه في واقع الأمر «حاسم»، حيث يظل تخطيط القلب الكهربائي، خصوصاً التخطيط المكون من 12 وصلة، أحد أهم الفحوص الأولية عندما يكون هناك اشتباه في سبب قلبي حاد لألم الصدر. فقد يكشف التخطيط عن تغيرات تشير إلى نقص تروية عضلة القلب أو احتشاء (بدء تلف) عضلة القلب، وهو ما قد يوجه بصورة عاجلة إلى مسار علاجي مختلف، قد يشمل سرعة التوجه نحو إجراء قسطرة قلبية عاجلة أو إرجاء ذلك.

ومع ذلك تجدر ملاحظة أمر «غاية في الأهمية» وهو أن تخطيط القلب إن كانت نتيجته طبيعية، فإن ذلك لا يعني دائماً أن القلب سليم، ولا يستبعد وحده جميع أشكال المتلازمة التاجية الحادة لأمراض شرايين القلب. ولذلك لا يُفسَّر بمعزل عن الأعراض والفحص الإكلينيكي وبقية الاختبارات القلبية.

وهنا يأتي دور أحد أهم التطورات في تشخيص ألم الصدر، وهو تحليل الدم لتحديد نسبة التروبونين القلبي عالي الحساسية.

والتروبونين هو بروتين موجود «داخل خلايا عضلة القلب»، ويمكن أن يظهر بمستويات مرتفعة في الدم عند حدوث أذية في العضلة تؤدى إلى «تمزق» جدار الخلية للعضلة و«تسرّب» هذا البروتين إلى الدم.

ولأن هناك فرقاً مهماً بين أذية عضلة القلب عند نقص تزويدها بالأكسجين، وبين تطور تضرر عضلة القلب إلى احتشاء عضلة القلب، فقد يرتفع التروبونين في حالات عديدة غير انسداد الشريان التاجي بشكل تام. ولذلك لا يصح تشخيص الجلطة القلبية اعتماداً على رقم واحد مرتفع في التحليل وحده. بل يتطلب تشخيص احتشاء عضلة القلب وجود دليل على أذية حادة في عضلة القلب، مع أدلة إكلينيكية أو كهربائية أو تصويرية، تشير إلى نقص تروية حاد، وفق التعريف المعتمد طبياً. وهذا ما يقوم به الطبيب.

وقد صدر في أغسطس (آب) 2026 التعريف العالمي الخامس لاحتشاء عضلة القلب بمشاركة الجمعية الأوروبية لأمراض القلب والكلية الأميركية لأمراض القلب وجمعية القلب الأميركية والاتحاد العالمي للقلب. ويعيد هذا التعريف تنظيم تصنيف الاحتشاء إلى ثلاث فئات إكلينيكية رئيسية: احتشاء أولي، واحتشاء ثانوي، واحتشاء مرتبط بإجراء قلبي، بدلاً من النظام الرقمي السابق. كما يؤكد أهمية الحدود المرجعية الخاصة بنوع الجنس للتروبونين، واستخدام التصوير للمساعدة في تحديد سبب الاحتشاء. وهذا التطور مهم لأن ارتفاع التروبونين أصبح يُفسَّر في سياقه، وليس بوصفه «اختبار جلطة» منفرداً.

مرحلة أخرى من التشخيص في حالات تكرار الألمليس كل ألم صدري يحتاج إلى قسم الطوارئ. فإذا كان المريض يعاني أعراضاً متكررة ومستقرة، من دون دلائل على متلازمة تاجية حادة، فإن التفكير ينتقل إلى احتمال وجود متلازمة تاجية مزمنة. وهنا توصي إرشادات «ESC» لعام 2024 بأن يكون الاختبار التشخيصي الأول، في المرضى الذين يستدعي تقييمهم مزيداً من الفحوص، تصويراً تشريحياً أو وظيفياً غير باضع (أي ليس بالقسطرة).

ومن أبرز الخيارات:

- التصوير المقطعي المحوسب للشرايين التاجية (CCTA): وهو يعطي صورة تشريحية للشرايين، ويمكن أن يساعد على استبعاد مرض الشرايين التاجية الانسدادي والكشف عن المرض غير الانسدادي.

- التصوير الوظيفي: مثل بعض اختبارات الإجهاد القلبية والتصوير بالرنين المغناطيسي القلبي أو التصوير النووي. ويهدف إلى معرفة ما إذا كان تضيق الشريان يؤدي فعلاً إلى نقص في تروية عضلة القلب.

وتوضح إرشادات «ESC» أن اختيار الاختبار يعتمد على الاحتمال الإكلينيكي، وخصائص المريض، وقدرة الفحص على الإجابة عن السؤال المطروح، إضافةً إلى الخبرة والتوافر المحلي.

وتجدر ملاحظة أنه قد تكشف صورة الأشعة عن تضيق في أحد الشرايين، لكن وجود التضيق لا يعني بالضرورة أنه المسؤول عن أعراض المريض أو أنه يحتاج إلى تركيب دعامة. وهنا تظهر أهمية الفرق بين التشريح والوظيفة. وللتوضيح فإن التصوير المقطعي قد يخبر الطبيب بوجود تضيق، بينما يستطيع الاختبار الوظيفي أن يساعد على معرفة ما إذا كان هذا التضيق يؤثر فعلياً في تدفق الدم إلى عضلة القلب. ولهذا قد يحتاج بعض المرضى إلى اختبار وظيفي بعد نتيجة تشريحية غير حاسمة، أو إلى تصوير تشريحي بعد اختبار وظيفي غير حاسم. القسطرة ليست الخطوة الأولى لكل مريضرغم أن قسطرة الشرايين التاجية تظل أداة تشخيصية وعلاجية أساسية، فإن الطب الحديث لا يتعامل معها على أنها الاختبار التلقائي لكل شخص يشكو من ألم الصدر.

وتوصي إرشادات المتلازمات التاجية المزمنة بالنظر في إجراء القسطرة عندما يكون احتمال المرض الانسدادي مرتفعاً جداً، أو عندما تكون الأعراض شديدة وغير مستجيبة للعلاج الطبي الموجّه، أو تظهر الذبحة عند مستوى منخفض من الجهد، أو تشير المعطيات إلى خطر مرتفع لحدوث أحداث قلبية.

وحتى إذا أظهرت القسطرة تضيقاً متوسط الدرجة، فقد يحتاج الطبيب إلى قياس الأهمية الوظيفية للتضيق باستخدام تقنيات مثل FFR أو iFR قبل اتخاذ قرار إعادة فتح الشريان أو توسيعه. وبذلك لا يكون القرار مبنياً على «شكل التضيق» فقط، بل على مدى تأثيره في وظيفة الدورة الدموية.

واحتياطي التدفق الجزئي (FFR - Fractional Flow Reserve) هو إجراء تشخيصي دقيق في طب القلب يُستخدم في أثناء قسطرة الشرايين التاجية لقياس ضغط الدم، وتحديد مدى خطورة ضيق الشريان التاجي وتأثيره الوظيفي على تدفق الدم. أما مؤشر نسبة الخلو من الأمواج اللحظي (iFR - Instantaneous Wave-Free Ratio) فهو أداة تشخيصية متطورة تُستخدم في طب القلب؛ لتحديد ما إذا كان تضيق الشريان التاجي يؤدي إلى إعاقة تدفق الدم ونقص التروية «الإقفار».

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن اكتشاف مرض في الشرايين التاجية يعني بالضرورة تركيب دعامة، بل إن العلاج الحديث أوسع من ذلك بكثير.

إن المريض المصاب بمرض تاجيّ مزمن يحتاج إلى معالجة عوامل الخطورة، وضبط ضغط الدم والسكري والدهون عند وجودها، والتوقف عن التدخين، وممارسة النشاط البدني المناسب، وتحسين النظام الغذائي والوزن عند الحاجة، إلى جانب الأدوية التي يحددها الطبيب وفق طبيعة المرض وخطر الأحداث القلبية.

وفي هذا المضمار، قد تُستخدم أدوية لتخفيف الذبحة أو نقص التروية، بينما تُستخدم أدوية أخرى بهدف الوقاية من الجلطات والمضاعفات المستقبلية. أما قرار إعادة توسيع الشريان التاجي المتضيق بالقسطرة، أو تخطي ضيقه بالجراحة، فيُحدَّد بناءً على التشريح، وشدة الأعراض، والاستجابة للعلاج الطبي، وخطر الأحداث المستقبلية، وطبيعة المرض لدى المريض.


مقالات ذات صلة

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

صحتك اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت أخيراً في مجلة «علم نفس التواصل» (Communications Psychology)، لباحثين من جامعة نوتردام University of Notre Dame في الولايات المتحدة

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك أمراض القلب «الفريدة» الخاصة بالمرأة

أمراض القلب «الفريدة» الخاصة بالمرأة

لا يدرك سوى نحو نصف النساء في الولايات المتحدة أن أمراض القلب تحتل المرتبة الأولى بين أسباب وفاتهن، رغم حملات التوعية الوطنية المتواصلة

جولي كورليس (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
أوروبا البابا ليو يتحدث مع طبيبه الخاص لويجي كاربوني لدى وصوله إلى مستشفى «جيميلي» قبيل خضوعه لجراحة لاستئصال عقيدة بالرئة في العاصمة الإيطالية روما يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)

البابا ليو يستأنف العمل من المستشفى بعد جراحة لاستئصال سرطان

التقى البابا ليو الرابع عشر، الخميس، أحدَ كبار مساعديه، واستأنف العمل من المستشفى، فيما أفاد الأطباء بأن رئته تعافت جيداً بعد خضوعه لجراحة لاستئصال سرطان...

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
TT

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه، مثل جميع الأسباب الأخرى لرائحة النفس الكريهة.

جفاف الفم

إذا كنت تتمتع بنظافة فم جيدة، فمن المرجح أن يكون جفاف الفم هو السبب. فاللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة. وعندما ننام ينخفض إنتاج اللعاب بشكل ملحوظ. ويمكن لبعض الأدوية أن تسبب جفاف الفم، مما يجعل رائحة النفس الصباحية أسوأ، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

عدم الاعتناء بنظافة الفم

يُعد سوء نظافة الفم سبباً شائعاً آخر. فأفواهنا هي بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا. وإذا لم تكن تنظف أسنانك بالفرشاة، أو بالخيط بشكل فعّال، فقد تعلق جزيئات الطعام في الشقوق الموجودة على سطح اللسان، أو بين الأسنان، أو على طول أنسجة اللثة.

وستقوم البكتيريا الموجودة في فمك بتحليل جزيئات الطعام تلك، مما يُطلق رائحة النفس الكريهة في الصباح. وقد تكون رائحة النفس الصباحية عَرَضاً لمرض اللثة، خاصة إذا تُرك سوء نظافة الفم دون علاج.

تؤدي أمراض اللثة لالتهابات في الجيوب تحت الأسنان يمكن أن تسبب رائحة نفس كريهة قوية، ومستمرة. ويحتاج مرض اللثة، الذي يبدأ على شكل التهاب اللثة، إلى علاج من طبيب أسنانك.

تناول أطعمة معينة

يمكن لما تُدخله إلى جسمك أن يؤدي إلى رائحة النفس الصباحية. فتناول الأطعمة ذات الرائحة القوية في المساء -مثل الثوم أو البصل النيئ- يمكن أن يسبب رائحة النفس الصباحية في اليوم التالي، حتى لو نظفت أسنانك جيداً.

التبغ

يرتبط استخدام التبغ، وخاصة التدخين، ارتباطاً مباشراً أيضاً برائحة النفس الصباحية، ورائحة النفس الكريهة بشكل عام. فهو يمكن أن يجفف فمك، ويجعلك أكثر عرضة لأمراض اللثة. وإذا أضفت رائحة الدخان إلى ذلك، فقد تكون وصفة لنفس كريه قوي.

مرض الارتجاع المعدي المريئي

قد يعاني الأشخاص المصابون بالارتجاع المعدي المريئي (GERD)، المعروف أيضاً بالارتجاع الحمضي، من رائحة النفس الكريهة بسبب ارتداد حمض المعدة إلى المريء أثناء نومهم في الليل.

كيف تعالج رائحة النفس الصباحية؟

في كثير من الحالات يمكن علاج رائحة النفس الصباحية في المنزل من خلال مزيج من العناية الفموية الأفضل، وتغييرات نمط الحياة. والحفاظ على نظافة جيدة للفم هو أفضل حل سريع، وحل طويل الأمد في آنٍ واحد لأي نوع من رائحة النفس الكريهة.

نظّف أسنانك بالفرشاة فوراً قبل أن تذهب إلى النوم ليلاً، ولا تأكل أو تشرب أي شيء بعد ذلك. فالقيام بذلك يمكن أن يُدخل جزيئات طعام سيتم تحليلها طوال الليل. نظّف أسنانك بالخيط، واستخدم غسول فم مطهراً بعد استخدام مكشطة اللسان.

وإذا كنت ترتدي مثبت أسنان، أو أي أدوات تقويم أخرى، فنظفها يومياً. ونظف أسنانك بالفرشاة بمجرد أن تستيقظ للتخلص من أي رائحة نفس صباحية متبقية. وإذا كنت تدخن أو تستخدم التبغ، فتوقف فوراً.

وقد تكون العلكة الخالية من السكر مفيدة أيضاً، خاصة إذا كنت في تنقلات، وكنت تعاني من رائحة نفس كريهة متكررة إلى جانب رائحة النفس الصباحية. فالعلكة الخالية من السكر لا تمنح البكتيريا الموجودة في فمك سكراً تتغذى عليه. ويمكنها أيضاً أن تساعد في تحفيز تدفق اللعاب، وإنعاش نفسك في الوقت نفسه.

سيحتاج طبيب أسنانك إلى علاج مرض اللثة بتنظيفات عميقة. حيث يزيل طبيب أسنانك البلاك والجير من الأسنان، واللثة.

وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من رائحة النفس الكريهة نتيجة لمرض الارتجاع المعدي المريئي، يمكن لطبيبك أن يصف دواء مخفضاً للحموضة يمكنك تناوله في الليل قبل النوم. وقد يوصي أيضاً بالنوم في وضع أكثر استقامة لتقليل الحمض في المريء.


كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟
TT

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً... وبعد رحلة بين العيادات والفحوص، تُقرر الأسرة إجراء أحد أكثر الاختبارات الطبية تقدماً: تسلسل الإكسوم، أو الجينوم، بحثاً عن سبب وراثي.

تصل العينة إلى المختبر، وتُقرأ المادة الوراثية، لكن النتيجة قد تكون مفاجئة: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح». أو ربما يجد المختبر تغيراً جينياً، لكنه يصنفه «متغيراً ذا دلالة غير مؤكدة» (VUS)، أي إن الأدلة لا تكفي بعد لمعرفة إن كان هذا المتغير مسؤولاً عن المرض.

هذه المعضلة كانت من أبرز ما طُرح في المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي SSMG 2026-الذي حضره ملحق «صحتك» في جدة- وعُقد تحت شعار: «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم».

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف نستطيع قراءة الجينوم ولا نستطيع دائماً تفسير ما أصاب المريض؟

بين التنبؤ والتشخيص

في إحدى جلسات المؤتمر المخصصة للذكاء الاصطناعي والطب الجينومي، قدمت الدكتورة نوف الغانمي، الأستاذة المشاركة للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبد العزيز ورئيسة وحدة المعلوماتية الحيوية بمعهد علوم طب الجينوم، محاضرة بعنوان: «المعلوماتية الحيوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في الجينوم العصبي».

واللافت أنها لم تبدأ بالخوارزميات، وإنما بالمريض: طفل بأعراض عصبية، وتاريخ عائلي، وفحص جيني، ثم تقرير يقول: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح»، أو «متغير ذو دلالة غير مؤكدة». وكان سؤالها: ماذا حدث بين المريض وتلك الجملة التي ظهرت في التقرير؟

• البحث عن واحد بين الملايين. لفهم المشكلة، يمكن تخيل الجينوم كمدينة ضخمة يسكنها ملايين الأشخاص، بينما نحاول العثور على شخص واحد قد يقودنا إلى تفسير المرض.

يختلف جينوم الإنسان عن الجينوم المرجعي في نحو أربعة إلى خمسة ملايين موضع. ومع التحليل تبدأ عملية تضييق دائرة البحث، حتى تتحول الملايين إلى عشرات من المتغيرات، ثم إلى عدد قليل يستحق الدراسة. لكن كلما ضيقنا دائرة البحث، ظهر خطر استبعاد الإجابة الحقيقية بالخطأ. فكل خطوة يمكن أن تقربنا من السبب، لكنها قد تستبعد أيضاً المتغير المسؤول عن المرض.

وتزداد المهمة صعوبة في الأمراض العصبية؛ فقد تؤدي تغيرات في جينات مختلفة إلى أعراض متشابهة، كالصرع، أو التأخر النمائي، كما قد تتغير الأعراض مع العمر، فضلاً عن وجود تغيرات وراثية لا تلتقطها بعض الاختبارات بسهولة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية، وهي أن قراءة الجينوم لا تعني بالضرورة فهمه.

• بين التنبؤ والتشخيص. أوضحت الدكتورة نوف الغانمي في محاضرتها أن العثور على تغير جيني لا يعني الوصول إلى تشخيص. فإذا وجد المختبر تغيراً في الحمض النووي «دي إن إيه» DNA، فهناك ثلاثة أسئلة ينبغي الإجابة عنها:

- أولاً: هل يؤثر هذا التغير فعلاً في عمل الخلية؟

- ثانياً: حتى لو كان له تأثير، هل يمكن لهذا الجين أن يفسر حالة المريض وأعراضه؟

- وثالثاً: هل أصبحت الأدلة مجتمعة قوية بما يكفي لتصنيف هذا المتغير على أنه مسبب للمرض؟

قد يتنبأ نموذج ذكاء اصطناعي بدرجة عالية بأن تغيراً ما سيؤثر في أحد البروتينات، لكن ذلك وحده لا يعني أنه سبب مرض الطفل.

توظيف الذكاء الاصطناعي

• أدوات ذكية لجوانب مختلفة. بدأ الذكاء الاصطناعي يغير طريقة العمل في مختبرات الجينوم، لكن ليس هناك برنامج واحد يعرف كل شيء. فإذا كشف الفحص تغيراً جينياً غامضاً، يمكن لنموذج أن يسأل: هل سيؤثر في البروتين؟ ويبحث آخر عن تأثيره في تعامل الخلية مع الرسالة الجينية، بينما تقارن أداة أخرى أعراض الطفل بالأمراض المعروفة.

ومن أمثلة هذه الأدوات AlphaMissense، وSpliceAI، وExomiser. وهي لا تتنافس على إعطاء «الإجابة الصحيحة»، بل تنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. ولهذا لا ينبغي التعامل معها كلجنة تصويت؛ إذ إن قول عدة خوارزميات إن المتغير ضار لا يعني أن لدينا عدة أدلة مستقلة. والسؤال الأفضل هو: هل تتفق الأدلة المختلفة على تفسير واحد لما يحدث لهذا المريض؟

ومن أبرز التطورات الحديثة نموذج AlphaGenome الذي يحاول توقع تأثير تغيرات «دي إن إيه» في عمليات متعددة داخل الخلية، بما فيها تشغيل الجينات، ومعالجة الحمض النووي الريبوز «آر إن إيه» RNA، وتنظيم نشاط مناطق من الجينوم.

وبذلك يتوسع السؤال من «هل هذا التغير ضار؟» إلى «ما الذي قد يغيره هذا الاختلاف في طريقة عمل الخلية؟»، لكن AlphaGenome يظل أداة بحثية لتوليد الفرضيات، وليس أداة تصدر تشخيصاً طبياً، أو حكماً نهائياً على المتغير.

• نتائج مربكة في التحليل الجيني. وتوقفت الدكتورة نوف الغانمي عند إحدى أكثر النتائج إرباكاً في التحليل الجيني: المتغير ذو الدلالة غير المؤكدة Variant of Uncertain Significance (VUS).

نعود إلى تقرير الطفل، حيث ظهر متغير جيني، لكن الأدلة لا تكفي بعد لتحديد ما إذا كان مسؤولاً عن المرض. ويمكن تشبيه الأمر -للتبسيط- بوجود مشتبه به لا تكفي الأدلة لإدانته، ولا لتبرئته. فالمتغير يستحق الاهتمام، لكن العلم لا يملك بعد ما يكفي للقول إنه سبب المرض. وهنا قد يكون أحد أهم أدوار الذكاء الاصطناعي ليس أن يقول: «وجدت التشخيص»، وإنما: «هذا هو الدليل الذي ينقصنا».

قد تكون الخطوة التالية فحص الوالدين، أو فحص RNA، أو اختباراً وظيفياً، أو البحث عن علامة سريرية محددة لدى الطفل.

وهكذا يساعد الذكاء الاصطناعي على تحويل عدم اليقين إلى سؤال يمكن اختباره. فالهدف -كما أوضحت الغانمي- ليس القول إن «الذكاء الاصطناعي توصل إلى التشخيص»، بل جعل حالة عدم اليقين قابلة للعمل.

الدكتورة نوف الغانمي

الذكاء الوكيلي

إذا كانت لدينا أداة للبروتين، وأخرى لمعالجة «آر إن إيه» RNA، وثالثة للأعراض، فضلاً عن قواعد البيانات، والدراسات المتجددة، فمن سيجمعها في صورة واحدة؟

هنا طرحت د. نوف الغانمي مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وقدمت تصوراً مقترحاً لتوظيفه في الجينوم العصبي، بحيث يبدأ التحليل من المريض، ثم تُستدعى الأدوات المناسبة لكل سؤال، وتُجمع نتائجها، وتراجع أوجه التعارض أو النقص بينها، قبل أن تعود إلى الخبير البشري في صورة فرضيات مدعومة بالأدلة.

ورغم الاسم التقني، فالفكرة بسيطة: تخيل منسقاً ذكياً يعمل مع مجموعة من الخبراء؛ يعرف أي خبير ينبغي أن يسأل، ومتى، ثم يجمع الإجابات في صورة واحدة. فالابتكار ليس في استبدال الأدوات المتخصصة، وإنما في جعلها تعمل معاً حول المريض.

وهذا الاتجاه بدأ يجد تطبيقات بحثية فعلية. ففي عام 2026 نشرت مجلة «نتشر» Nature دراسة عن نظام يسمى DeepRare يستخدم نهجاً وكيلياً في الأمراض النادرة، ويجمع أكثر من 40 أداة ومصدراً للمعرفة.

وفي مجموعة اختبار ضمت 168 حالة، وضع النظام التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى في 69.1 في المائة من الحالات، مقابل 55.9 في المائة لأداة تقليدية لترتيب الأمراض والجينات المرشحة. ولا يعني ذلك أن الكمبيوتر أصبح طبيب وراثة، لكنه يشير إلى أن جمع أجزاء الصورة قد يكون أقوى من النظر إلى كل جزء منفرداً. أما التصور الذي عرضته الغانمي للجينوم العصبي، فقد شددت على أنه مقترح بحثي، وليس نظاماً سريرياً مطبقاً أو مثبتاً حتى الآن.

• الذكاء الاصطناعي يقترح والإنسان يقرر. ومهما تطورت هذه الأنظمة، يبقى القرار النهائي للإنسان. فالذكاء الاصطناعي يجمع الأدلة، ويقترح، واختصاصي الوراثة يقيّمها، والمختبر يتحقق عند الحاجة، ثم يضع الطبيب المعالج النتيجة في سياق المريض، ويتخذ القرار الطبي.

إنها علاقة يمكن وصفها بـ«الذكاء الهجين» (Hybrid Intelligence)، الآلة تساعد على رؤية الصورة، والإنسان يتحمل مسؤولية تفسيرها، واتخاذ القرار.

• تشخيص لاحق. وإذا خضع طفل لفحص جيني عام 2022 ولم نجد السبب، فهل ينبغي أن يبقى «غير مشخص» إلى الأبد؟

ليس بالضرورة. فقد يُكتشف لاحقاً ارتباط جين جديد بالمرض، أو تتحسن طرق التحليل، أو تظهر معلومات تغير فهمنا لمتغير كان مجهول الدلالة، أو تظهر لدى الطفل أعراض تجعل الصورة أوضح. لهذا استخدمت د. الغانمي عبارة لافتة: «النتيجة السلبية للإكسوم لها تاريخ».

وفي 2026 نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة عن نظام آلي لإعادة تحليل بيانات مرضى الأمراض النادرة الذين لم يصل الباحثون إلى تشخيص لحالاتهم. وعند إعادة تحليل بيانات 4735 حالة غير مشخصة، أمكن الوصول إلى 241 تشخيصاً جديداً، أي نحو 5.1 في المائة، نتيجة تطور أدوات التحليل، والمعرفة العلمية. ولا تعني النسبة أنها ستتكرر في كل مجموعة من المرضى، لكن الرسالة واضحة: ما لم يكشفه التقرير الجيني اليوم، قد تكشفه إعادة التحليل غداً. وأما عبارة «لم نجد سبباً»، فقد تعني في الحقيقة: «لم نجد السبب بعد».

• ما أهمية هذا في السعودية؟ الذكاء الاصطناعي لا يتعلم في فراغ؛ فجودة نتائجه مرتبطة بجودة البيانات التي يتعلم منها. وعند تفسير تغير جيني تصبح معرفة مدى شيوعه بين السكان مهمة. فما يبدو نادراً جداً في قاعدة بيانات عالمية، قد تكون له صورة مختلفة في مجتمع لم يكن ممثلاً فيها بالقدر الكافي.

كما أن وجود القرابة بين الوالدين في بعض الأسر قد يغير طريقة البحث عن بعض الأمراض الوراثية المتنحية، وبالتالي استراتيجية تحليل الجينوم نفسها.

ولذلك فإن بناء طب جينومي سعودي لا يعني فقط امتلاك أحدث أجهزة التسلسل، أو نماذج الذكاء الاصطناعي، بل بناء معرفة جينومية محلية تساعد على تفسير ما نراه لدى المرضى، مع حماية البيانات، وإبقاء القرار الطبي خاضعاً للتدقيق البشري.

• عودة أخيرة إلى الطفل. لم يحصل طفلنا بعد على تشخيص واضح. وربما لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعطينا اسم المرض، لكنه يستطيع مساعدة الفريق الطبي في تحديد المتغيرات التي تستحق الاهتمام، والأدلة التي ما زالت تنقصنا.

وهنا تتجلى رسائل د. نوف الغانمي الخمس: المريض أولاً، وتأثير المتغير لا يعني بالضرورة أنه سبب المرض، ولكل نموذج ذكاء اصطناعي وظيفة مختلفة، وتكامل الأدوات ينبغي أن يقود إلى فرضيات قابلة للاختبار، أما النتيجة الجينية السلبية، أو المتغير غير المؤكد، فلا يعنيان نهاية البحث.

وعندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، وإنما أداة تساعده على الوصول إلى السؤال الصحيح.

ولسنوات كان السؤال الأكبر في مختبرات الجينات: «هل هذا المتغير ممرض؟» وأما السؤال الأكثر فائدة للمريض فهو: «هل يفسر هذا المتغير حالة هذا المريض؟... وما الذي ينبغي أن نختبره بعد ذلك؟».

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الطب الجينومي: ليس في أن يقدم تشخيصاً بضغطة زر، بل في أن يحول غموض الجينوم إلى أسئلة أفضل، والأسئلة إلى اختبارات، والاختبارات إلى فرصة أقرب للوصول إلى الإجابة.

*استشاري طب المجتمع.


التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة
TT

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت أخيراً في مجلة «علم نفس التواصل» (Communications Psychology)، لباحثين من جامعة نوتردام University of Notre Dame في الولايات المتحدة، عن الدور الكبير الذي تلعبه التربية الإيجابية في مرحلة الطفولة المبكرة في التأثير على استجابة نظام المكافأة في المخ، ما ينعكس بالإيجاب على الصحة النفسية في المراهقة.

من المعروف أن مشكلة الصحة النفسية تُعد من أهم التحديات الطبية في الولايات المتحدة، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن واحداً من كل خمسة بالغين يعاني من مرض نفسي، كما يعاني أكثر من واحد من كل سبعة مراهقين تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاماً من اضطراب في الصحة النفسية، علماً بأن 50 في المائة من حالات الأمراض النفسية التي تظهر لدى الأفراد طوال حياتهم تبدأ في الظهور بحلول سن الرابعة عشرة.

الدعم النفسي في الطفولة

وتحدد أساليب التربية التي يتبعها الوالدان خلال سنوات ما قبل المدرسة طبيعة المشاعر التي يمر بها الطفل في فترة المراهقة. وعلى سبيل المثال، فإن الطفل الذي يتمتع بدعم نفسي في الطفولة المبكرة يختبر مشاعر الفرح والرضا خلال مرحلة المراهقة، وهي الفترة التي تبلغ فيها مخاطر الإصابة بمشكلات الصحة العقلية ذروتها.

بدأ الفريق البحثي عمله بمراقبة التفاعلات النفسية المباشرة (وجهاً لوجه) وسلوكيات التربية بين أطفال في سن الثالثة ووالديهم، ثم قارنوا تلك البيانات بتطور الاستجابة العصبية لنظام المكافأة لدى هؤلاء الأطفال أنفسهم عند بلوغهم أعمار 9 و12 و15 و18 عاماً، وامتدت هذه الدراسة الطولية (التي تتابع المشاركين عبر الزمن) لمدة 15 عاماً، وشملت 465 مراهقاً ومراهقة وذويهم.

في بداية الدراسة (عند عمر الثالثة)، قام الباحثون برصد السلوكيات الإيجابية للوالدين، مثل إظهار الدفء والدعم والتشجيع، مقابل السلوكيات السلبية، مثل القسوة أو الشدة المفرطة أو التدخل الزائد في شؤون الطفل.

وتمت مقارنة هذه التفاعلات النفسية التي رصدها الباحثون من خلال ملاحظتهم السريرية مع النشاط الكهربائي في المخ، الذي تم رصده عن طريق جهاز رسم المخ الذي يحتوي على أقطاب كهربائية مثبتة على فروة الرأس (EEG)، ومن خلال رصد النشاط الكهربائي، تمكن العلماء من تتبع الكيفية التي يحدث بها تحفيز لنظام المكافأة.

في هذه الدراسة، قام الباحثون باستخدام المال مكافأةً للفوز في لعبة تعتمد على التخمين، ما أتاح لهم رصد الإشارات الكهربائية للمخ استجابة لحالتي الفوز والخسارة، وعن طريق رصد النشاط الكهربائي، تمكن العلماء من تقييم عملية تحفيز نظام المكافآت في المخ بدءاً من سن التاسعة، مع متابعة المشاركين لاحقاً في الأعمار 12 و15 و18 عاماً.

وأوضحت النتائج أن الأطفال الذين تمتعوا بمستويات أعلى من الدعم النفسي من الوالدين في الطفولة المبكرة أظهروا حماساً وفرحة أكبر عند الفوز بالمال، وفي المقابل، كان حماس الأطفال الذين نشأوا في ظل أساليب تربية سلبية أقل وضوحاً.وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تقيس طبيعة الارتباط بين تجارب الحياة المبكرة وتحفيز نظام المكافأة في المخ، بدءاً من مرحلة الطفولة ووصولاً إلى أواخر مرحلة المراهقة أو أوائل مرحلة البلوغ. وقال الباحثون إن فهم الآلية التي يحدث بها تحفيز نظام المكافأة في الفترة العمرية ما بين 9 و18 عاماً يُعد أمراً بالغ الأهمية لفهم المخاطر التي تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب.

التربية الإيجابية وتحفيز المكافأة

لاحظ الباحثون أن الارتباط بين التربية الإيجابية وتحفيز نظام المكافأة كان طردياً، بمعنى أنه كلما زادت سلوكيات التربية الإيجابية وقلت السلوكيات السلبية في مرحلة ما قبل المدرسة، عندما كان الطفل في الثالثة من عمره، كانت استجابة المخ لنظام المكافأة أقوى طوال مرحلة المراهقة.

وأوضح الباحثون أنه كلما تلقى الأطفال مزيداً من الثناء والتشجيع من والديهم في سن مبكرة، أصبحوا أكثر قدرة على إدراك جوانب البهجة في الحياة. وقالوا إن أساليب التربية الإيجابية المتبعة في السنوات الأولى تقوم بما يشبه عمل برمجة لمخ الطفل لتهيئته للاستجابة للأمور الجيدة، مثل الأنشطة الممتعة والصداقات والشعور بالنجاح.

وفي المقابل، إذا كان أحد الوالدين يتسم بالقسوة الشديدة أو التدخل المفرط في شؤون الطفل، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف الاستجابة للمكافأة، لأن مخ الطفل يجد صعوبة في الشعور بالمتعة والسعادة نظراً لعدم اختباره مثل هذه المشاعر في الطفولة المبكرة، وهو ما يمهد الطريق لاحقاً للإصابة بالحزن والاكتئاب.

تشير نتائج الدراسة إلى وجود فرصة للتدخل العلاجي أو الوقائي، ويرى العلماء أن هذا التدخل يحتاج إلى إشراك كل من الوالدين والأطفال في جميع مراحل نمو الطفل، حيث تؤكد الأبحاث أهمية الدعم النفسي من الوالدين لمعالجة المشكلات النفسية المختلفة التي يمر بها الطفل، بداية من سن الثالثة مروراً بدخول المدرسة ونهاية بمرحلة المراهقة.

في النهاية، أوضح العلماء أن المشاعر (على الرغم من كونها عفوية) تحتاج إلى تدريب وممارسة، ويقع على الأسرة الدور الأكبر في تعزيز الشعور بالفرح والبهجة في حياة الطفل. ولذلك، يجد الأشخاص الذين تعرضوا لطفولة قاسية صعوبة في الشعور بالسعادة حتى في أوقات النجاح في الدراسة أو العمل، لأنهم لم يختبروا مشاعر البهجة من قبل. لذلك، يجب على الوالدين توفير بيئة نفسية جيدة للطفل لحمايته من الأمراض النفسية في المستقبل.

• استشاري طب الأطفال.