ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً إن رافقته أعراض أخرى

القسطرة لدراسة شرايين القلب
القسطرة لدراسة شرايين القلب
TT

ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

القسطرة لدراسة شرايين القلب
القسطرة لدراسة شرايين القلب

• ربما لا توجد شكوى طبية تثير القلق مثل ألم الصدر، إذ يكفي أن يشعر الإنسان بألم أو بضغط مفاجئ في منتصف صدره حتى يخطر في ذهنه احتمال الجلطة القلبية، رغم أن الأمر ليس كذلك. وفي المقابل، قد يمر شخص آخر بألم صدري متكرر لأسابيع، فيعتاد عليه ويؤجّل تقييمه، رغم أن السبب قد يكون مرضاً في الشرايين التاجية.

ولذا فإن طب القلب الحديث لا يتعامل مع ألم الصدر بوصفه مرادفاً لأمراض القلب، كما لا يسمح في الوقت نفسه بافتراض أنه مجرد حموضة أو شد عضلي قبل استبعاد الأسباب القلبية الخطرة.

ألم الصدر

إن علاج ألم الصدر لا يبدأ وينتهي بالقلب. ويجب ألا يؤدي التركيز على القلب إلى تجاهل الأسباب الأخرى. ولكن بالنسبة إلى المريض، تبقى القاعدة العملية الأهم: ألم الصدر الجديد أو الشديد أو المستمر، أو الألم المصحوب بضيق النفس أو التعرق أو الغثيان أو الدوخة أو الإغماء أو امتداده إلى الذراع أو الفك أو الظهر، لا ينبغي تفسيره من المرء ذاتياً أو الانتظار حتى يزول؛ بل يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً.

لقد أصبح التعامل مع هذه الشكوى أكثر دقة. فالإرشادات الحديثة الصادرة عن الجمعية الأوروبية لأمراض القلب (ESC) لا تنظر إلى «ألم الصدر» على أنه مرض واحد، وإنما بوصفه عرضاً قد ينشأ من القلب أو الرئتين أو الجهاز الهضمي أو العضلات والعظام أو الأوعية الدموية أو غيرها.

ولذلك تبدأ رحلة التشخيص بتحديد احتمال وجود حالة خطرة في القلب أو شرايين الرئتين أو الشرايين الكبيرة، ثم تحديد طبيعة المشكلة، ثم اختيار الفحص الذي يستطيع الإجابة عن السؤال الطبي المطروح عن سبب الألم.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الطب القلبي الحديث: ليس كل ألم في الصدر يحتاج إلى قسطرة، وليس كل ألم خفيف أو غير شديد هو أمر آمن.

إن الوقت هو جزء من التشخيص. وإذا كان ألم الصدر جديداً أو شديداً أو مستمراً، وخصوصاً إذا ترافق مع ضيق التنفس، أو التعرق البارد، أو الغثيان، أو الدوخة، أو الإغماء، أو ألم يمتد إلى الذراع أو الكتف أو الفك أو الظهر، فيجب التعامل معه بجدية والحصول على تقييم طبي عاجل.

وتزداد أهمية ذلك عندما يكون الألم على هيئة ضغط أو ثقل أو انقباض في منتصف الصدر، خصوصاً إذا ظهر في أثناء الجهد.

ومع ذلك، لا يُشترط أن يكون الألم «كلاسيكياً» حتى يكون سببه قلبياً. فقد تكون الأعراض أقل وضوحاً لدى بعض مرضى القلب. كما قد تظهر تلك الأعراض أحياناً على شكل ضيق نفس أو تعب أو انزعاج في مناطق أخرى من الجسم.

ولذا في الحالات التي يُشتبه فيها بمتلازمة تاجيّة حادة ACS (ألم حديث ناجم عن تضيقات أو سدد في أحد شرايين القلب التاجية)، لا يكون الهدف الأول تحديد نوع الألم بالكلمات فقط، بل يهدف الطبيب، وبشكل مستعجل، إلى تحديد ما إذا كانت عضلة القلب تتعرض حالياً لنقص تروية أو أذية حادة، وتحديد سبب ذلك.

والخطوة الأولى هي معرفة القصة المرضية. وهنا يبدأ الطبيب بالسؤال عن تفاصيل الألم: متى بدأ؟ كم يستمر؟ هل يأتي في أثناء الراحة أم مع المشي وصعود الدرج؟ هل يتكرر بالطريقة نفسها؟ هل يتغير مع التنفس أو الحركة أو الضغط على جدار الصدر؟ وهل يصاحبه ضيق نفس أو تعرق أو غثيان؟ ثم تُضاف عوامل الخطورة للتقييم، مثل العمر، وضغط الدم، والسكري، واضطراب الكوليسترول، والتدخين، والتاريخ العائلي لأمراض القلب، والأمراض القلبية والوعائية السابقة.

ألم الصدر قد ينجم عن أنسدادات شرايين القلب

إرشادات أوروبية حديثة

ولذا فإن الإرشادات الحديثة لجمعية القلب الأوروبية (ESC) تجاوزت الاعتماد على العمر والجنس وطبيعة الأعراض وحدها. ففي تقييم الاشتباه بالمتلازمات التاجية المزمنة، توصي باستخدام نموذج لـ«الاحتمال الإكلينيكي» الذي يأخذ عوامل الخطورة في الاعتبار إلى جانب الأعراض الأساسية. ويساعد ذلك على تحديد المرضى الذين يكون احتمال وجود مرض انسدادي في الشرايين التاجية لديهم منخفضاً جداً، بحيث قد لا تكون الفحوص التشخيصية الإضافية ضرورية في بعض الحالات. وهذا تغيير مهم؛ لأن الهدف ليس إجراء أكبر عدد ممكن من الفحوص، وإنما إجراء الفحص الذي يضيف معلومة حقيقية إلى القرار الطبي.

وتخطيط القلب هو اختبار بسيط لكنه في واقع الأمر «حاسم»، حيث يظل تخطيط القلب الكهربائي، خصوصاً التخطيط المكون من 12 وصلة، أحد أهم الفحوص الأولية عندما يكون هناك اشتباه في سبب قلبي حاد لألم الصدر. فقد يكشف التخطيط عن تغيرات تشير إلى نقص تروية عضلة القلب أو احتشاء (بدء تلف) عضلة القلب، وهو ما قد يوجه بصورة عاجلة إلى مسار علاجي مختلف، قد يشمل سرعة التوجه نحو إجراء قسطرة قلبية عاجلة أو إرجاء ذلك.

ومع ذلك تجدر ملاحظة أمر «غاية في الأهمية» وهو أن تخطيط القلب إن كانت نتيجته طبيعية، فإن ذلك لا يعني دائماً أن القلب سليم، ولا يستبعد وحده جميع أشكال المتلازمة التاجية الحادة لأمراض شرايين القلب. ولذلك لا يُفسَّر بمعزل عن الأعراض والفحص الإكلينيكي وبقية الاختبارات القلبية.

وهنا يأتي دور أحد أهم التطورات في تشخيص ألم الصدر، وهو تحليل الدم لتحديد نسبة التروبونين القلبي عالي الحساسية.

والتروبونين هو بروتين موجود «داخل خلايا عضلة القلب»، ويمكن أن يظهر بمستويات مرتفعة في الدم عند حدوث أذية في العضلة تؤدى إلى «تمزق» جدار الخلية للعضلة و«تسرّب» هذا البروتين إلى الدم.

ولأن هناك فرقاً مهماً بين أذية عضلة القلب عند نقص تزويدها بالأكسجين، وبين تطور تضرر عضلة القلب إلى احتشاء عضلة القلب، فقد يرتفع التروبونين في حالات عديدة غير انسداد الشريان التاجي بشكل تام. ولذلك لا يصح تشخيص الجلطة القلبية اعتماداً على رقم واحد مرتفع في التحليل وحده. بل يتطلب تشخيص احتشاء عضلة القلب وجود دليل على أذية حادة في عضلة القلب، مع أدلة إكلينيكية أو كهربائية أو تصويرية، تشير إلى نقص تروية حاد، وفق التعريف المعتمد طبياً. وهذا ما يقوم به الطبيب.

وقد صدر في أغسطس (آب) 2026 التعريف العالمي الخامس لاحتشاء عضلة القلب بمشاركة الجمعية الأوروبية لأمراض القلب والكلية الأميركية لأمراض القلب وجمعية القلب الأميركية والاتحاد العالمي للقلب. ويعيد هذا التعريف تنظيم تصنيف الاحتشاء إلى ثلاث فئات إكلينيكية رئيسية: احتشاء أولي، واحتشاء ثانوي، واحتشاء مرتبط بإجراء قلبي، بدلاً من النظام الرقمي السابق. كما يؤكد أهمية الحدود المرجعية الخاصة بنوع الجنس للتروبونين، واستخدام التصوير للمساعدة في تحديد سبب الاحتشاء. وهذا التطور مهم لأن ارتفاع التروبونين أصبح يُفسَّر في سياقه، وليس بوصفه «اختبار جلطة» منفرداً.

مرحلة أخرى من التشخيص في حالات تكرار الألمليس كل ألم صدري يحتاج إلى قسم الطوارئ. فإذا كان المريض يعاني أعراضاً متكررة ومستقرة، من دون دلائل على متلازمة تاجية حادة، فإن التفكير ينتقل إلى احتمال وجود متلازمة تاجية مزمنة. وهنا توصي إرشادات «ESC» لعام 2024 بأن يكون الاختبار التشخيصي الأول، في المرضى الذين يستدعي تقييمهم مزيداً من الفحوص، تصويراً تشريحياً أو وظيفياً غير باضع (أي ليس بالقسطرة).

ومن أبرز الخيارات:

- التصوير المقطعي المحوسب للشرايين التاجية (CCTA): وهو يعطي صورة تشريحية للشرايين، ويمكن أن يساعد على استبعاد مرض الشرايين التاجية الانسدادي والكشف عن المرض غير الانسدادي.

- التصوير الوظيفي: مثل بعض اختبارات الإجهاد القلبية والتصوير بالرنين المغناطيسي القلبي أو التصوير النووي. ويهدف إلى معرفة ما إذا كان تضيق الشريان يؤدي فعلاً إلى نقص في تروية عضلة القلب.

وتوضح إرشادات «ESC» أن اختيار الاختبار يعتمد على الاحتمال الإكلينيكي، وخصائص المريض، وقدرة الفحص على الإجابة عن السؤال المطروح، إضافةً إلى الخبرة والتوافر المحلي.

وتجدر ملاحظة أنه قد تكشف صورة الأشعة عن تضيق في أحد الشرايين، لكن وجود التضيق لا يعني بالضرورة أنه المسؤول عن أعراض المريض أو أنه يحتاج إلى تركيب دعامة. وهنا تظهر أهمية الفرق بين التشريح والوظيفة. وللتوضيح فإن التصوير المقطعي قد يخبر الطبيب بوجود تضيق، بينما يستطيع الاختبار الوظيفي أن يساعد على معرفة ما إذا كان هذا التضيق يؤثر فعلياً في تدفق الدم إلى عضلة القلب. ولهذا قد يحتاج بعض المرضى إلى اختبار وظيفي بعد نتيجة تشريحية غير حاسمة، أو إلى تصوير تشريحي بعد اختبار وظيفي غير حاسم. القسطرة ليست الخطوة الأولى لكل مريضرغم أن قسطرة الشرايين التاجية تظل أداة تشخيصية وعلاجية أساسية، فإن الطب الحديث لا يتعامل معها على أنها الاختبار التلقائي لكل شخص يشكو من ألم الصدر.

وتوصي إرشادات المتلازمات التاجية المزمنة بالنظر في إجراء القسطرة عندما يكون احتمال المرض الانسدادي مرتفعاً جداً، أو عندما تكون الأعراض شديدة وغير مستجيبة للعلاج الطبي الموجّه، أو تظهر الذبحة عند مستوى منخفض من الجهد، أو تشير المعطيات إلى خطر مرتفع لحدوث أحداث قلبية.

وحتى إذا أظهرت القسطرة تضيقاً متوسط الدرجة، فقد يحتاج الطبيب إلى قياس الأهمية الوظيفية للتضيق باستخدام تقنيات مثل FFR أو iFR قبل اتخاذ قرار إعادة فتح الشريان أو توسيعه. وبذلك لا يكون القرار مبنياً على «شكل التضيق» فقط، بل على مدى تأثيره في وظيفة الدورة الدموية.

واحتياطي التدفق الجزئي (FFR - Fractional Flow Reserve) هو إجراء تشخيصي دقيق في طب القلب يُستخدم في أثناء قسطرة الشرايين التاجية لقياس ضغط الدم، وتحديد مدى خطورة ضيق الشريان التاجي وتأثيره الوظيفي على تدفق الدم. أما مؤشر نسبة الخلو من الأمواج اللحظي (iFR - Instantaneous Wave-Free Ratio) فهو أداة تشخيصية متطورة تُستخدم في طب القلب؛ لتحديد ما إذا كان تضيق الشريان التاجي يؤدي إلى إعاقة تدفق الدم ونقص التروية «الإقفار».

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن اكتشاف مرض في الشرايين التاجية يعني بالضرورة تركيب دعامة، بل إن العلاج الحديث أوسع من ذلك بكثير.

إن المريض المصاب بمرض تاجيّ مزمن يحتاج إلى معالجة عوامل الخطورة، وضبط ضغط الدم والسكري والدهون عند وجودها، والتوقف عن التدخين، وممارسة النشاط البدني المناسب، وتحسين النظام الغذائي والوزن عند الحاجة، إلى جانب الأدوية التي يحددها الطبيب وفق طبيعة المرض وخطر الأحداث القلبية.

وفي هذا المضمار، قد تُستخدم أدوية لتخفيف الذبحة أو نقص التروية، بينما تُستخدم أدوية أخرى بهدف الوقاية من الجلطات والمضاعفات المستقبلية. أما قرار إعادة توسيع الشريان التاجي المتضيق بالقسطرة، أو تخطي ضيقه بالجراحة، فيُحدَّد بناءً على التشريح، وشدة الأعراض، والاستجابة للعلاج الطبي، وخطر الأحداث المستقبلية، وطبيعة المرض لدى المريض.


مقالات ذات صلة

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

صحتك تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

مع حلول فصل الشتاء، يلاحظ كثيرون تغيراً واضحاً في مظهر أيديهم، إذ تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونة، وتظهر عليها خطوط دقيقة وتشققات، خصوصاً حول مفاصل الأصابع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)

كيف يخلط الدماغ بين الخطر والأمان؟ وما علاقة ذلك بالقلق؟

قد يدفع القلق الدماغ إلى تفسير مواقف آمنة بوصفها تهديداً، بسبب حساسية استجابة الإنذار وتعميم الخوف، في حين تكشف الأبحاث دور تعلّم الأمان في تهدئته تدريجياً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك  الرقص يُساعد على شد العضلات وتقوية القلب والرئتين (بيكسلز)

تكره ممارسة الرياضة؟ 9 طرق ممتعة للحفاظ على لياقتك

لا يشعر الجميع بالحماس تجاه ممارسة الرياضة وقد يجد البعض صعوبة في الالتزام بالذهاب إلى الصالة الرياضية أو اتباع برنامج منتظم للتمارين

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قد تمنح المباعدة بين حالات الحمل جسم الأم وقتاً للتعافي لكن علاقتها بالشيخوخة تحتاج إلى مزيد من الدراسة (بيكسلز)

المباعدة بين الحمل والإنجاب... هل تؤثر على شيخوخة الأم؟

تشير أبحاث إلى ارتباط الحمل بتغيرات في مؤشرات الشيخوخة البيولوجية للأم، مع تعافٍ محتمل بعد الولادة، بينما يظل تأثير المباعدة بين الأحمال بحاجة لدراسات إضافية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك بعض العادات الصباحية قد تشكل عبئاً إضافياً على صحة القلب (رويترز)

لحماية قلبك... 5 عادات تجنبها في الصباح

حذر طبيب متخصص في أمراض القلب من 5 عادات صباحية قد تشكل عبئاً إضافياً على صحة القلب خصوصاً خلال الساعات الأولى بعد الاستيقاظ

«الشرق الأوسط» (لندن)

البدائل النباتية للألبان... هل توفر احتياجات الجسم الغذائية؟

تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)
تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)
TT

البدائل النباتية للألبان... هل توفر احتياجات الجسم الغذائية؟

تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)
تناول الألبان ضروري من أجل الحصول على المغذيات الأساسية للجسم (جامعة ساري)

كشفت دراسة جديدة أن استبدال بدائل نباتية غير مدعّمة بالعناصر الغذائية الدقيقة الأساسية بمنتجات الألبان، ولو جزئياً، قد يؤدي إلى عدم حصول الجسم على كفايته من هذه العناصر.

ووفقاً للنتائج المنشورة في دورية «لانسيت بلانيتاري هيلث»، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر، بما في ذلك الأطفال الصغار والمراهقات؛ إذ تزداد احتمالية إصابتهم بنقص بعض المُغذيات الدقيقة، وهو ما قد يؤثر في صحتهم العامة.

ومن أجل تقييم هذا الأثر، درس باحثون من جامعة ساري في إنجلترا، بالتعاون مع زملاء لهم من جامعة كوينز بلفاست في آيرلندا، تأثير استبدال بدائل نباتية متوفرة تجارياً بالحليب والزبادي والجبن، على 4 من المُغذيات الدقيقة الأساسية، هي: اليود، والكالسيوم، والريبوفلافين (فيتامين ب2)، وفيتامين ب12. واستعان الباحثون ببيانات «المسح الوطني للنظام الغذائي والتغذية»، إلى جانب تقنية مبتكرة للنمذجة والتقييم.

ووجد الباحثون أن استبدال بدائل نباتية بمنتجات الألبان، حتى وإن كان جزئياً، يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في مستويات المغذيات الدقيقة الأربعة، وكان اليود أكثرها تأثراً. فعلى سبيل المثال، وفي ظل مستويات التدعيم الغذائي المعمول بها حالياً في الأسواق، أدى استبدال بدائل نباتية بما يتراوح بين 20 و35 في المائة من منتجات الألبان، إلى ارتفاع نسبة نقص اليود لدى المراهقات من 54 إلى 65 في المائة، ولدى النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 19 و49 عاماً من 32 إلى 42 في المائة.

وفي حال الاستبدال الكامل لمنتجات الألبان، ارتفعت معدلات نقص اليود لتصل إلى 80 في المائة بين المراهقات، و72 في المائة بين المراهقين الذكور.

وقالت الدكتورة سارة باث، الأستاذة المشاركة بجامعة ساري والباحثة الرئيسية في الدراسة: «قد لا يدرك كثيرون أهمية اليود، الذي يحتاج إليه الجسم لإنتاج هرمونات الغدة الدرقية، وهي هرمونات ضرورية لتنظيم عملية التمثيل الغذائي، ودعم النمو السليم وتطور الدماغ».

وأضافت، في بيان صدر الأربعاء: «وتبرز أهمية اليود، بشكل خاص، أثناء الحمل، إذ تزداد حاجة الجسم إليه، كما أنه ضروري قبل الحمل لضمان توافر مخزون كافٍ منه في الجسم. كذلك، لا يدرك كثيرون أن منتجات الألبان تُعد مصدراً رئيسياً لليود، وأن البدائل النباتية، ما لم تكن مدعّمة، تحتوي على كميات ضئيلة جداً منه».

التدعيم الإلزامي

ودرس الباحثون أثر التدعيم الإلزامي للبدائل النباتية لمنتجات الألبان بالمُغذيات الدقيقة، بوصفه إجراء محتملاً للوقاية من حالات النقص. وتبيَّن أن هذا التدعيم يمكن أن يحُول دون انخفاض مستويات المغذيات الدقيقة عند استبدال منتجات الألبان.

وأظهرت النتائج أن تدعيم الخبز باليود، على سبيل المثال، يسهم في تحسين مستويات هذا العنصر، ما أسهم في خفض نسبة المراهقات المعرَّضات لنقص اليود إلى 37 في المائة.

وتشير النتائج إلى أن الاستراتيجية الأكثر فاعلية للحد من نقص اليود تتمثل في الجمع بين الإلزام بتدعيم بدائل الألبان النباتية باليود وتدعيم الخبز به أيضاً.

وقالت الدكتورة كاتي نيكول، إحدى مؤلفات الدراسة والباحثة بجامعة ساري: «مع انتشار البدائل الغذائية النباتية، أصبح من الضروري معرفة ما إذا كانت هذه البدائل توفر كميات مكافئة من المغذيات الدقيقة الموجودة في منتجات الألبان».

وخلصت إلى القول: «يجب أن تتطور سياسات التغذية بالتوازي مع الأهداف البيئية، ومن المهم ألا تؤدي التحولات نحو أنظمة غذائية أكثر استدامة إلى الإضرار بالصحة العامة»، مشددة على أن «تدعيم الأغذية يُعد إحدى الوسائل لتحقيق ذلك، لكن تنفيذ هذه الخطوة يتطلب سياسات حكومية داعمة».


لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)
تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)
TT

لماذا يزداد جفاف اليدين في فصل الشتاء؟

تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)
تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً في الشتاء (بيكسلز)

مع حلول فصل الشتاء، يلاحظ كثيرون تغيراً واضحاً في مظهر أيديهم، إذ تصبح البشرة أكثر جفافاً وخشونةً، وتظهر عليها خطوط دقيقة وتشققات، خصوصاً حول مفاصل الأصابع، مما يجعل اليدين تبدوان أكبر سناً بصورة مفاجئة مقارنةً بفصل الصيف.

لماذا يحدث ذلك؟

تقول الدكتورة كارونا مالهوترا، اختصاصية التجميل والأمراض الجلدية في نيودلهي لموقع «أونلي ماي هيلث» العلمي: «الشتاء يجرد البشرة من رطوبتها، وتفقد اليدان هذه الرطوبة بسرعة أكبر، فالهواء يكون جافاً، ويزيد غسل اليدين أكثر من مرة خلال اليوم من الأمر، فضلاً عن أن اليدين تنتجان كميات قليلة جداً من الزيوت الطبيعية في هذا الفصل، مما يجعلهما أكثر عرضة للجفاف والخشونة والشد والتجاعيد».

لماذا اليدان أكثر تضرراً من باقي الجسم؟

تتعرض اليدان للجفاف بصورة أكبر من مناطق الجسم الأخرى بسبب اختلاف طبيعة الجلد فيهما، إذ تقول مالهوترا: «راحة اليدين لا تحتوي على غدد دهنية على الإطلاق، بينما يحتوي ظهر اليدين على عدد قليل جداً منها، في حين يحتوي الوجه على عدد أكبر بكثير، ولذلك يظل أكثر نعومة».

كما أن الجلد الموجود على ظهر اليدين رقيق، مما يجعل علامات الجفاف والخطوط الدقيقة أكثر وضوحاً، فضلاً عن تعرض اليدين المستمر للهواء البارد والرياح وحرارة أجهزة التدفئة، إلى جانب تكرار الغسل واستخدام المطهرات التي تزيل الزيوت الطبيعية من البشرة.

ماذا يحدث داخل الجلد؟

تشبّه مالهوترا ما يحدث داخل البشرة خلال الشتاء بجدار من الطوب، حيث تمثل خلايا الجلد وحدات البناء، بينما تعمل الدهون الطبيعية، مثل السيراميدات، بمثابة المادة التي تربط هذه الوحدات وتحافظ على تماسكها.

وتقول: «في الهواء البارد والجاف، ومع استخدام المياه الساخنة والصابون، تتفكك هذه المادة الرابطة، فتتسرب المياه من الجلد ويصبح سطحه خشناً ومتقشراً»، وهو ما يؤدي إلى تضرر الحاجز الطبيعي الواقي للبشرة وفقدانها قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.

وتدعم الأبحاث هذه التفسيرات، إذ رصدت دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة السلوك الميكانيكي للمواد الحيوية التغيرات التي تطرأ على الجلد مع الانتقال من الشتاء إلى الصيف، وأظهرت انخفاض فقدان المياه عبر الجلد بنسبة 22.15 في المائة، وتراجع خشونة سطحه بنسبة 34.29 في المائة، مما يشير إلى أن البشرة تفقد كميات أكبر من المياه خلال الشتاء وتصبح أكثر خشونة.

ولا يقتصر تأثير الجفاف على ملمس اليدين، بل قد يجعل التجاعيد والخطوط الدقيقة أكثر وضوحاً، إذ توضح مالهوترا أن «البشرة الجافة تظهر عليها خطوط دقيقة وسطحية، وغالباً ما تتحسن هذه الخطوط خلال أيام من الانتظام في استخدام المرطبات».

عادات يومية تزيد المشكلة سوءاً

تحذر مالهوترا: «غسل اليدين، وغسل الأطباق، واستخدام المطهرات، كلها تزيل الزيوت الطبيعية للجلد مرة بعد مرة».

وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2022 في مجلة التعليم والصحة والرياضة حول الإكزيما لدى العاملين في القطاع الصحي خلال جائحة كوفيد-19، تبيّن أن الخطر ارتفع مع الاستخدام المتكرر لمنتجات نظافة اليدين والمطهرات الكحولية والقفازات. وكتب المؤلفون أن «غسل اليدين واستخدام المطهرات يُخلّان بوظيفة الحاجز الطبيعي للجلد».

متى تزور طبيب الجلدية؟

تنصح مالهوترا بزيارة الطبيب في الحالات التالية:

* ظهور تشققات مؤلمة أو مصحوبة بنزيف.

* احمرار أو حكة أو بثور لا تهدأ خلال أسبوع إلى أسبوعين.

* صديد أو تورم أو سخونة أو قشور.

* انتشار طفح جلدي على اليدين.

* ظهور بقع سميكة متقشرة.

* جفاف لا يتحسن مع الترطيب المنتظم.

* جفاف الجلد المصحوب بالإرهاق أو تغيرات في الوزن أو عطش مفرط.


كيف يخلط الدماغ بين الخطر والأمان؟ وما علاقة ذلك بالقلق؟

قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)
قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)
TT

كيف يخلط الدماغ بين الخطر والأمان؟ وما علاقة ذلك بالقلق؟

قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)
قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر والأمان عند ارتفاع القلق (بيكسلز)

قد تشعر بالخوف في موقف عادي رغم أن ما حولك لا يشير إلى تهديد واضح. وعندما يرتفع القلق، قد يواجه الدماغ صعوبة في التمييز بين الخطر الحقيقي والمواقف الآمنة، فيستجيب أحياناً كما لو أن هناك ما يستدعي الدفاع أو الهرب.

ووفق شرح نشرته جامعة ييل الأميركية لأبحاث عن الخوف، يمكن لمواقف لا تنطوي على خطر فعلي أن تثير خوفاً شديداً لدى بعض الأشخاص المصابين باضطرابات القلق. ويساعد فهم كيفية معالجة الدماغ لإشارات الخطر والأمان على تفسير هذه الاستجابة.

لماذا ينطلق الإنذار في موقف آمن؟

يمكن تشبيه هذه الحالة بزيادة حساسية نظام الإنذار في الدماغ؛ إذ تصبح إشارات عادية كافية لاستدعاء استجابة خوف، حتى في غياب خطر فعلي. لكن هذا التشبيه يختصر عمليات معقدة، تشمل تعلّم الخوف، وتقييم الموقف، والتعرّف إلى إشارات الأمان.

ومن الآليات المرتبطة بذلك «تعميم الخوف»؛ أي انتقال الاستجابة من شيء ارتبط بتجربة مزعجة إلى أشياء أخرى تشبهه، رغم أنها آمنة. وللتوضيح، قد يمتد الخوف بعد تجربة مخيفة مع كلب إلى كلاب أخرى لا تُظهر سلوكاً عدائياً.

وفي تجربة على أشخاص يعانون اضطراب القلق المعمم، وجد الباحثون أن استجابة الخوف امتدت إلى إشارات آمنة تُشبه الإشارة المرتبطة بالخطر. وهذا قد يوسّع دائرة المواقف التي تستدعي القلق في الحياة اليومية.

كيف يتعلّم الدماغ الأمان؟

يتعلّم الدماغ أيضاً أن بعض الإشارات تدل على غياب التهديد. وفي أبحاث شملت بشراً وفئراناً، ربط الباحثون شكلاً أو صوتاً بنتيجة مزعجة، وربطوا إشارة أخرى بالأمان. وعندما ظهرت إشارة الأمان مع إشارة التهديد، انخفضت استجابة الخوف مقارنة بظهور إشارة التهديد وحدها.

وأظهرت النتائج مشاركة مسار دماغي يختلف عن المسارات المرتبطة بتعلّم انطفاء الخوف عبر تكرار مواجهة الإشارة المخيفة دون حدوث ضرر. وتفتح هذه النتائج مجالاً لدراسة وسائل قد تدعم العلاجات الحالية، لكنها لا تعني أن الاستعانة بأغنية أو غرض مألوف تُشكّل علاجاً مثبتاً بمفردها.

وتوضح هذه الأبحاث أن استجابة الخوف قابلة للتعديل بالتعلّم، وأن فهم إشارات الأمان قد يُساعد على تفسير سبب استمرار القلق رغم غياب التهديد. كما أنها لا تعني أن كل شعور عابر بالقلق ينطوي على اضطراب في هذه العمليات.