التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي... اختبار متقدم لتشخيص أمراض القلب

خيار بديل أسرع وأكثر دقة

التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي... اختبار متقدم لتشخيص أمراض القلب
TT

التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي... اختبار متقدم لتشخيص أمراض القلب

التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي... اختبار متقدم لتشخيص أمراض القلب

إذا خالجك شعور بالضغط، أو عدم الراحة، في صدرك، لفترة وجيزة، عند ممارسة التمارين أو عند التعرض للتوتر، ربما يكون السبب المحتمل تدفق كميات غير كافية من الدم إلى القلب.

اختبار الإجهاد لتشخيص الذبحة الصدرية

وتُعرف هذه الحالة باسم الذبحة الصدرية المستقرة stable angina، مما يشير إلى أنك قد تكون عرضة لخطر الإصابة بنوبة قلبية heart attack.

ومن أجل تشخيص (أو استبعاد) وجود مخاطرة الإصابة بنوبة قلبية، كان الأطباء، فيما مضى، يبدأون باختبار إجهاد القلب stress test. ويراقب هذا الاختبار النشاط الكهربائي للقلب، ووظائف عضلاته، وأنماط تدفق الدم في أثناء تعرض القلب للإجهاد، إما من خلال التمارين أو الأدوية. إلا أن هذا الاختبار ينطوي على جانب سلبي: فهو لا يكشف إلا عن الحالات التي تحتوي على ضيق بالغ في الشرايين (عادةً ما تكون بنسبة انسداد تزيد عن 70 في المائة)، مما يؤدي إلى تقييد تدفق الدم، ويسبب ظهور أعراض ونتائج غير طبيعية في أثناء الاختبار.

في هذا الصدد، قال د. رون بلانكستين، اختصاصي أمراض القلب الوقائية وكبير الأطباء ومدير قسم التصوير المقطعي المحوسب للقلب في مستشفى «بريغهام آند ويمينز»: «نعلم الآن أن معظم النوبات القلبية لا تحدث بسبب هذه الانسدادات الشديدة، وإنما عندما تتمزق اللويحات الصغيرة غير المسدودة، وتكوّن جلطة تؤدي إلى نوبة قلبية».

اختبار بديل

وأشار إلى أن هناك اختباراً بديلاً، يُعرف باسم التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي coronary computed tomography angiography (CCTA)، يوفر صورة ثلاثية الأبعاد للقلب والأوعية الدموية. وتكشف الصورة عن اللويحات السادّة وغير السادّة لتدفق الدم على حد سواء. وتشير دلائل متزايدة إلى أن هذا الفحص قد يحسن من قدرة أطباء القلب على رصد أمراض القلب وعلاجها.

تاريخ فحوصات القلب المتقدمة

كيف يمكن للفحوصات القلبية المتقدمة أن توضح خطر الإصابة بالنوبة القلبية؟ أتاحت التطورات بمجال تكنولوجيا الأشعة السينية والحوسبة، إمكانية الحصول على صور أكثر دقة وتفصيلاً للجسم، بما في ذلك شرايين القلب. ففي عام 1999، جرى استخدام التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي للمرة الأولى، وتألف الناتج من أربع صور مقطعية فقط، تُعرف كل واحدة منها باسم «شريحة».

أما أجهزة التصوير الحديثة متعددة الكواشف multi-detector scanners، فتنتج أكثر من 64 شريحة، وبعضها - ويُعرف باسم أجهزة التصوير بالأشعة المحسوبة بالفوتونات photon-counting CT scanners – يعمل بسرعات أعلى ويوفر دقة أكبر.

واليوم، تساعد هذه الصور عالية الجودة، بدقة أكبر، في التنبؤ بمن قد يستفيد من الأدوية لرصد مرض الشريان التاجي في مراحله المبكرة ومنع تفاقمه، وبالتالي تقليل احتمالية الإصابة بالنوبة القلبية.

وفي عام 2018، أُجريت دراسة عرفت باسم «سكوت ـ هارت» SCOT-HEART، قارنت بين الرعاية التقليدية (التي تضمنت عادةً اختبار الإجهاد والأدوية الموصى بها)، وبين الرعاية التقليدية مضافاً إليها فحص التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي. وأظهرت النتائج المبكرة أن الأشخاص الذين خضعوا لفحص التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي، كانوا أكثر عرضة للخضوع لإجراءات إضافية في السنة الأولى بعد الفحص. ومع ذلك، تساوى عدد هذه الإجراءات بين المجموعتين، بعد خمس سنوات من بداية الدراسة.

ومع ذلك، كان الأشخاص في مجموعة التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي، أكثر احتمالاً لتناول أدوية وقائية، كما كانوا أقل عرضة للوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية أو الإصابة بنوبة قلبية بنسبة 41 في المائة.

وخلال عشر سنوات من تنفيذ الدراسة، كان 56 في المائة من أفراد مجموعة التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي، يتناولون أدوية (بما في ذلك الأسبرين والستاتينات)، لتقليل خطر الإصابة بنوبة قلبية، مقارنةً بـ49 في المائة في مجموعة الرعاية التقليدية.

والأهم من ذلك، أن معدل النوبات القلبية غير المميتة كان أقل بنسبة 28 في المائة في مجموعة التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي، مقارنة بمن خضعوا للفحوصات التقليدية. يذكر أن نتائج الدراسة نشرت في 25 يناير (كانون الثاني) 2025 في دورية «لانسيت».

في هذا الصدد، شرح د. رون بلانكستين، الأستاذ بكلية الطب بجامعة هارفارد: «إنها أول دراسة تُظهر أن نوع الفحص المستخدم لتقييم ألم الصدر، قد يكون له تأثير مباشر على النتائج الصحية للفرد».

التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي

ما التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي؟ يعتمد التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي على جهاز تصوير مقطعي خاص، لالتقاط صور متعددة وسريعة بالأشعة السينية، لبناء مشاهد ثلاثية الأبعاد للأوعية الدموية وهياكل القلب الأخرى.

قبل إجراء الفحص، تتلقى حقنة بصبغة تباين في الذراع أو اليد، تجعل الأوعية الدموية «تتوهج» في الصور. وقد يجري إعطاؤك أدوية تُبطئ معدل ضربات القلب، وتوسّع الأوعية الدموية. وفي أثناء الفحص، عليك الاستلقاء على طاولة تتحرك داخل فتحة دائرية في جهاز التصوير. ورغم أن التحضيرات قد تستغرق نحو ساعة، فإن الفحص نفسه لا يستغرق سوى ثوان معدودة.

وأوضح د. بلانكستين أن التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي، حمل تصنيف «من الفئة الأولى» ومستوى دليل «A» - وهو أعلى مستوى من التوصية - لاستخدامه كأداة أولية لتقييم الأشخاص، الذين يعانون من انزعاج في الصدر، أو الذين يزورون قسم الطوارئ بأعراض ألم في الصدر.

ويتضح أن أغلب حالات ألم الصدر في الطوارئ لا صلة لها بالقلب. وعليه، فإن فحص التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي، يمكن أن يفيد في استبعاد احتمال حدوث نوبة قلبية لدى الأشخاص المعرضين للخطر. ومع ذلك، يُستخدم هذا الفحص غالباً لتقييم الأشخاص المصابين بالذبحة الصدرية المستقرة.

جدير بالذكر أن أكثر أعراض الذبحة الصدرية المستقرة شيوعاً، الشعور بالضغط أو الضيق أو الانقباض في منتصف الصدر، الذي يزول خلال دقائق، في الغالب. وقد يشعر بعض الناس بعدم ارتياح يمتد إلى الكتف أو الذراع أو الرقبة أو الظهر أو أعلى البطن أو الفك، وقد يعانون من ضيق في التنفس (ما يعرف طبياً باسم ضيق النفس).

يوفر صورة ثلاثية الأبعاد للقلب والأوعية الدموية تكشف عن اللويحات السادّة لها

نصائح حول إجراء هذا الفحص

شرح د. بلانكستين أن: «هناك حماساً كبيراً نحو زيادة استخدام فحص التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي. ومع ذلك، فإن فائدته تعتمد بشكل كبير على جودة الصورة. وليس كل أجهزة التصوير متساوية في الأداء».

وهناك أشخاص لا يُنصح بخضوعهم لهذا الفحص، مثل من لديهم معدل ضربات قلب مرتفع للغاية لا يمكن خفضه بالأدوية، أو من لديهم مؤشر كتلة جسم مرتفع للغاية (40 أو أكثر). وكلتا الحالتين يمكن أن تؤثرا على جودة الصورة. كما يجب على الأشخاص الذين لديهم حساسية من مادة التباين (الصبغة) تجنب هذا الفحص.

وأضاف د. بلانكستين أن الأشخاص الذين جرى تشخيصهم بالفعل بمرض الشريان التاجي قد لا يستفيدون كثيراً من الفحص، لأن نتائجه قد لا تدخل تغييرات على خطة العلاج. ومع ذلك، ومع تطور التكنولوجيا، قد تساعد الفحوصات المتكررة في المستقبل، الأطباء على تقييم مدى فاعلية العلاجات، وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة لتعديلها.

هل من تحسينات مستقبلية؟ تعتمد شركتان تعملان بمجال المعدات الطبية، هما «هارت فلو» و«كليرلي»، على الذكاء الاصطناعي في تحليل نتائج فحص التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي بدقة أكبر. نظرياً، فإن قياس كمية اللويحات بدقة - خاصة تلك غير السادّة - يمكن أن يساعد في تحسين تقدير خطر الإصابة بالنوبة القلبية.

إلا أن د. بلانكستين نبه إلى أننا لا نعرف بعد ما إذا كانت هذه المعلومات تُضيف فائدة حقيقية، مقارنةً بالتقييم البصري للصورة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن تكنولوجيا التصوير المقطعي المحوسب للشريان التاجي الحالية، تساعد الأطباء في اتباع نهج أكثر تخصيصاً على صعيد الوقاية القلبية.

وأضاف: «بوجه عام، كلما زادت كمية اللويحات لدى الشخص، زادت احتمالية أن نقترح علاجات أكثر قوة».

* رسالة هارفارد للقلب، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

اكتشف أفضل وقت لتناول فيتامين «د» لتقليل التهابات الجسم

صحتك أقراص فيتامين «د» (أ.ف.ب)

اكتشف أفضل وقت لتناول فيتامين «د» لتقليل التهابات الجسم

في السنوات الأخيرة، لم يعد فيتامين «د» مجرد عنصر مرتبط بصحة العظام، بل أصبح محور اهتمام الكثير من الأبحاث الطبية لدوره القوي في تعزيز المناعة وتقليل الالتهابات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)

ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

في عالمٍ تتصدّر فيه ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة» عناوين الصحة والتغذية تميل الأنظار غالباً إلى مكونات شهيرة مثل الأفوكادو والكينوا والكيوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك المشروبات الغازية والمُحلّاة تُعد من أبرز العوامل التي قد تؤثر في خصوبة الرجال (بيكسلز)

أطعمة تضرّ خصوبة الرجال… تعرّف عليها

تُعدّ مشكلة العقم من التحدّيات الصحية الشائعة على مستوى العالم، إذ يُعاني منها نحو 15 في المائة من الأزواج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مسكنات الألم تُعد من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم (أرشيفية-أ.ف.ب)

اكتشف تأثير مُسكنات الألم على الكلى

تُعد مسكنات الألم من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم، ومع ذلك فإن استخدامها قد يحمل في طياته مخاطر صحية غير مرئية، خصوصاً على الكلى.

«الشرق الأوسط» (لندن)

اكتشف أفضل وقت لتناول فيتامين «د» لتقليل التهابات الجسم

أقراص فيتامين «د» (أ.ف.ب)
أقراص فيتامين «د» (أ.ف.ب)
TT

اكتشف أفضل وقت لتناول فيتامين «د» لتقليل التهابات الجسم

أقراص فيتامين «د» (أ.ف.ب)
أقراص فيتامين «د» (أ.ف.ب)

في السنوات الأخيرة، لم يعد فيتامين «د» مجرد عنصر مرتبط بصحة العظام، بل أصبح محور اهتمام الكثير من الأبحاث الطبية لدوره القوي في تعزيز جهاز المناعة وتقليل الالتهابات المزمنة.

ومع تزايد الأمراض المرتبطة بالالتهاب مثل أمراض المناعة الذاتية وأمراض القلب، تطرح بعض الأسئلة المهمة المتعلقة بكيفية تأثير فيتامين «د» على التهابات الجسم وما إذا كان توقيت تناوله يؤثر على فاعليته في هذا الشأن.

ما علاقة فيتامين «د» بالالتهابات؟

حسب موقع «PubMed» العلمي، فقد أشارت الكثير من الدراسات والأبحاث إلى أن فيتامين «د» يسهِم في خفض مؤشرات الالتهاب مثل السيتوكينات وبروتين «سي» التفاعلي.

كما وجدت بعض التجارب الحديثة أن تعويض فيتامين «د» يمكن أن يحسّن المناعة ويقلل نشاط الأمراض الالتهابية، مثل أمراض الأمعاء.

ما هو أفضل وقت لتناول فيتامين «د»؟

لا يوجد وقت محدد يخفف الالتهابات بشكل مباشر، حيث إن الانتظام اليومي أهم من التوقيت نفسه، لكن على الرغم من ذلك، فإن الأدلة تشير إلى أن تناوله صباحاً مع وجبة غنية بالدهون وبشكل منتظم هو الخيار الأمثل.

فهذا الأسلوب يضمن امتصاصاً أفضل، ونوماً صحياً، ومستويات مستقرة في الجسم، وهي عوامل أساسية لتحقيق التأثير المضاد للالتهاب.

تناوله مع وجبة تحتوي على دهون

يعدّ فيتامين «د» من الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون؛ لذلك فإن امتصاصه يكون أفضل عند تناوله مع وجبة دسمة نسبياً.

وحسب موقع «هيلث لاين» العلمي، فقد أظهرت بعض الدراسات أن تناوله مع أكبر وجبة في اليوم قد يزيد مستواه في الدم بنسبة تصل إلى 50 في المائة.

تناوله صباحاً أو في وقت مبكر من اليوم

أشار تقرير نشره موقع «فيري ويل هيلث» العلمي إلى أن تقارير تناول فيتامين «د» صباحاً قد يكون الأفضل لتجنب اضطرابات النوم؛ لأن هذا الفيتامين قد يؤثر على هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم.

هذا مهم لأن النوم الجيد بحد ذاته يقلل الالتهاب.

الانتظام أهم من التوقيت

تؤكد الإرشادات الطبية أن العامل الأهم هو الاستمرار اليومي وليس وقت الجرعة، فالجسم يحتاج إلى وقت (أسابيع) لبناء مستوى كافٍ من فيتامين «د»؛ لذلك فإن الالتزام أهم من التوقيت، مع الحفاظ على الجرعة الموصى بها حسب الطبيب.


ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)
التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)
TT

ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)
التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)

في عالمٍ تتصدّر فيه ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة» عناوين الصحة والتغذية، تميل الأنظار غالباً إلى مكونات شهيرة مثل الأفوكادو والكينوا والكيوي. غير أن هناك فاكهة متواضعة، أقل حضوراً في المشهد الإعلامي، لكنها لا تقل قيمة غذائية، بل قد تتفوّق في بعض جوانبها الصحية، وهي التوت الأسود.

ويبدو أن القاعدة البسيطة «كلما كان لون التوت أغمق، كانت فوائده أكبر» تحمل قدراً من الحقيقة، إذ يرتبط التوت الأسود بمجموعة واسعة من الفوائد الصحية، بدءاً من دعم المناعة، وتحسين الهضم، وصولاً إلى العناية بصحة الفم والمساهمة في الوقاية من بعض الأمراض، وفقاً لما أوردته صحيفة «نيويورك بوست».

ومع مذاقه الذي يجمع بين الحلاوة والحموضة، بدأ هذا النوع من التوت يحظى باهتمام كبير، خصوصاً مع ازدياد الأدلة على إمكاناته في دعم الصحة العامة. وفيما يلي أبرز الأسباب التي قد تدفعك إلى إدراجه ضمن نظامك الغذائي:

غني بالفيتامينات الأساسية

يُعدّ التوت الأسود مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي»، الذي اشتهر تاريخياً بدوره في الوقاية من داء الإسقربوط، لكنه يؤدي وظائف أوسع بكثير في الجسم. فهو يُسهم في التئام الجروح، وتعزيز إنتاج الكولاجين المسؤول عن نضارة البشرة، كما يعمل بوصفه مضاد أكسدة يقلل من تأثير الجذور الحرة، ويساعد على امتصاص الحديد، ويدعم الجهاز المناعي.

مصدر مهم لفيتامين «ك» والمعادن

يحتوي التوت الأسود على كميات جيدة من فيتامين «ك»، الذي يلعب دوراً أساسياً في تخثّر الدم وصحة العظام. كما أنه غنيّ بعنصر المنغنيز، وهو معدن ضروري لتقوية العظام وتعزيز وظائف الجهاز المناعي، فضلاً عن دوره في تكوين الكولاجين. وتشير بعض المصادر، مثل موقع «هيلث لاين»، إلى أن المنغنيز قد يُسهم في الوقاية من حالات صحية مثل هشاشة العظام واضطرابات سكر الدم.

يدعم احتياجات الجسم من الألياف

في الوقت الذي يركّز فيه كثيرون على البروتين، يغفل البعض أهمية الألياف الغذائية، رغم أن معظم الناس لا يحصلون على الكميات الموصى بها يومياً. ويُعدّ التوت الأسود خياراً ممتازاً في هذا الجانب، إذ يحتوي كوب واحد منه على نحو 8 غرامات من الألياف، أي ما يقارب ثلث الاحتياج اليومي. وتُوصي جمعية القلب الأميركية بالحصول على 25 إلى 30 غراماً من الألياف يومياً من مصادر طبيعية. ولا تقتصر فوائد الألياف على تحسين الهضم، بل تمتد لتشمل دعم صحة القلب وتنظيم مستويات السكر في الدم.

مفيد لصحة الدماغ والأسنان

رغم الشهرة الواسعة للتوت الأزرق في دعم صحة الدماغ، فإن التوت الأسود لا يقل أهمية في هذا المجال. فهو غني بمضادات الأكسدة التي تحمي الخلايا العصبية من التلف، وتُسهم في تقليل الالتهابات المرتبطة بالتدهور المعرفي مع التقدم في العمر، مما يدعم الذاكرة ووظائف الدماغ.

أما على صعيد صحة الفم، فقد أشارت دراسات إلى أن التوت الأسود يحتوي على مركبات ذات خصائص مضادة للبكتيريا والالتهابات، ما قد يساعد في الوقاية من أمراض اللثة وتعزيز نظافة الفم.

خصائص محتملة في مكافحة السرطان

تشير أبحاث حديثة إلى أن مضادات الأكسدة الموجودة في التوت الأسود، خصوصاً مركبات البوليفينول، قد تلعب دوراً في الحد من نمو بعض الخلايا السرطانية، مثل خلايا سرطان الثدي.كما يُعتقد أن هذه المركبات تُعزّز من كفاءة الجهاز المناعي، ما يساعده على التعرّف على الخلايا غير الطبيعية والتعامل معها.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج، فإن الأدلة الأولية تُشير إلى أن تناول التوت الأسود بانتظام، ضمن نظام غذائي متوازن غني بمضادات الأكسدة، قد يُسهم في تقليل خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، ويمكن اعتباره جزءاً من نمط حياة وقائي داعم للصحة.


بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)
القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)
TT

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)
القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)

يختبر الإنسان القلق في جزء طبيعي من حياته اليومية، فهو ليس بالضرورة علامة على اضطراب نفسي، بل يُعدّ استجابة فطرية ومتكيفة تساعدنا على التعامل مع التهديدات المحتملة. هذا الشعور هو ما يدفعك مثلاً إلى القفز فزعاً عندما تظن أنك رأيت ثعباناً أثناء نزهة في الطبيعة، قبل أن تكتشف أنه مجرد غصن، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ولا يقتصر القلق على المواقف المفاجئة، بل يظهر أيضاً في مواقف مألوفة؛ مثل ارتجاف الصوت، وتعرّق اليدين قبل عرض تقديمي، أو في موعد مهم، أو حتى في صورة أفكار متكررة تُبقيك مستيقظاً في ساعات متأخرة من الليل.

في العادة، يطوّر معظم الناس أساليب خاصة للتعامل مع هذه المشاعر، تمنحهم قدراً من السيطرة والطمأنينة؛ مثل التحقق المتكرر من الاستعدادات قبل حدث مهم، أو طلب الدعم من شخص مقرّب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: متى تظل هذه السلوكيات ضمن الإطار الطبيعي؟ ومتى تتحول إلى مؤشر على اضطراب القلق أو حتى الوسواس القهري؟

يشير اختصاصيون نفسيون سريريون إلى أن هذا الالتباس أصبح شائعاً، خصوصاً مع ازدياد الحديث عن الوسواس القهري على وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، من المهم فهم الفروق الدقيقة بين القلق الطبيعي، واضطرابات القلق، والوسواس القهري، وكذلك طرق التعامل مع كل منها.

متى يصبح القلق مشكلة تستدعي الانتباه؟

يتحوّل القلق من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً، ويبدأ في التأثير سلباً على الحياة اليومية. وتشير التقديرات إلى أن نحو شخص واحد من كل ثلاثة قد يُصاب باضطراب قلق في مرحلة ما من حياته.

ومن أكثر اضطرابات القلق شيوعاً:

- اضطراب القلق الاجتماعي، الذي يتمثل في الخوف من المواقف الاجتماعية.

- اضطراب الهلع، الذي يتضمن نوبات متكررة من الهلع والخوف من تكرارها.

- اضطراب القلق العام، الذي يتميز بقلق مفرط ومستمر يصعب السيطرة عليه.

ورغم اختلاف الأعراض بين هذه الأنواع، فإنها تشترك جميعاً في سمة أساسية، وهي القلق المفرط الذي يسبب ضيقاً نفسياً، وقد يدفع الشخص إلى تجنّب مواقف مهمة في حياته، مثل العمل أو الدراسة أو التفاعل الاجتماعي.

ماذا عن الوسواس القهري؟

على الرغم من أن الوسواس القهري يتضمن القلق، فإنه يُعدّ اضطراباً مستقلاً في التصنيفات التشخيصية المعتمدة لدى المتخصصين. ومن الممكن أن يُصاب الشخص بالوسواس القهري إلى جانب أحد اضطرابات القلق، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين نصف إلى ثلاثة أرباع المصابين به يعانون أيضاً من شكل من أشكال القلق.

يتجلّى الوسواس القهري في صورتين رئيسيتين:

أفكار وسواسية: وهي أفكار أو صور أو دوافع مُلحّة ومزعجة، مثل الخوف الشديد من التلوث، أو تخيّل إيذاء الآخرين، أو الإحساس المتكرر بارتكاب خطأ جسيم.

أفعال قهرية: وهي سلوكيات أو طقوس متكررة يقوم بها الشخص لتخفيف القلق الناتج عن تلك الأفكار، مثل التحقق المتكرر، أو تكرار عبارات معينة، أو غسل اليدين بشكل مفرط، أو طلب الطمأنينة بشكل دائم.

ومن المهم الإشارة إلى أن كثيراً من الناس قد يمرّون بأفكار غير مرغوب فيها أو يميلون إلى التحقق أحياناً من بعض الأمور اليومية، مثل التأكد من إطفاء الفرن. كما أن حب النظام أو الالتزام بروتين معين لا يعني بالضرورة وجود اضطراب.

لكن الفارق الجوهري يكمن في شدة هذه السلوكيات وتأثيرها. فإذا أصبحت الوساوس أو الأفعال القهرية تستغرق وقتاً طويلاً، أو تسبب ضيقاً شديداً، أو تعيق أداء الشخص في حياته اليومية، فقد يكون ذلك مؤشراً على الوسواس القهري.

ومن التحديات المرتبطة بهذا الاضطراب أنه لا يُشخَّص دائماً بسهولة، إذ قد تكون بعض الأفعال القهرية ذهنية وغير ظاهرة، مثل العدّ أو تكرار عبارات داخلية. كما قد يلجأ بعض المصابين إلى إخفاء أعراضهم بسبب الشعور بالحرج.

هل تختلف طرق العلاج؟

رغم وجود أوجه تشابه بين اضطرابات القلق والوسواس القهري، خصوصاً من حيث الأفكار المتكررة والمزعجة، فإن الآليات النفسية التي تقف وراء كل منهما تختلف، وهو ما ينعكس على أساليب العلاج.

يُعدّ العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب فاعلية في الحالتين، إلا أن تطبيقه يختلف:

في الوسواس القهري، يُستخدم أسلوب متخصص يُعرف بـ«التعرّض ومنع الاستجابة»، حيث يواجه المريض تدريجياً المواقف التي تثير القلق، مع الامتناع عن أداء السلوك القهري.

في اضطرابات القلق، يركّز العلاج على فهم أنماط القلق، وتحدي المعتقدات التي تغذّيه، وتطوير مهارات عملية للتعامل مع الضغوط، مثل حل المشكلات واتخاذ خطوات تدريجية للتغلب على المخاوف.

كما يمكن أن تلعب بعض الأدوية، مثل مضادات الاكتئاب (خصوصاً مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية)، دوراً مهماً في علاج الحالتين، تحت إشراف طبي متخصص.

وفي الخلاصة، القلق شعور إنساني طبيعي، لكنه قد يتحول إلى اضطراب عندما يتجاوز حدوده ويؤثر في جودة الحياة. أما الوسواس القهري، فهو حالة أكثر تعقيداً تتطلب فهماً دقيقاً وتشخيصاً متخصصاً. وبين هذا وذاك، يظل الوعي بالفروق بينهما خطوة أساسية نحو طلب المساعدة المناسبة، وتحقيق توازن نفسي أفضل.