«حرب سجون» بين الجيش السوري و«قسد»... وفرار عناصر من «داعش»

1500 سجين فروا من سجن الشدادي... وإعادة القبض على 90 منهم

جنود من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)  ينتشرون بمركبات عسكرية مدرعة لتأمين الطرق المؤدية إلى سجن غويران (أ.ب)
جنود من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ينتشرون بمركبات عسكرية مدرعة لتأمين الطرق المؤدية إلى سجن غويران (أ.ب)
TT

«حرب سجون» بين الجيش السوري و«قسد»... وفرار عناصر من «داعش»

جنود من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)  ينتشرون بمركبات عسكرية مدرعة لتأمين الطرق المؤدية إلى سجن غويران (أ.ب)
جنود من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ينتشرون بمركبات عسكرية مدرعة لتأمين الطرق المؤدية إلى سجن غويران (أ.ب)

اندلعت، يوم (الاثنين)، معارك عنيفة بين «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والجيش السوري شمال شرقي البلاد تمحورت خصوصاً حول سجون تديرها «قسد» تضم عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي.

وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، مساء اليوم، عن حظر تجول كامل في مدينة الشدادي وما حولها، بجنوب محافظة الحسكة في شمال شرق البلاد، وقالت إن «قوات سوريا الديمقراطية» أطلقت سراح عدد من عناصر تنظيم «داعش» من سجن المدينة.

وقال الجيش، في بيان، إنه سيتدخل لتأمين السجن والمدينة ويبدأ عمليات تمشيط بحثا عن العناصر الذين تم إطلاق سراحهم، ودعا المواطنين إلى إبلاغ الوحدات العسكرية المنتشرة عن أي عناصر فارين من التنظيم.

ووفق وكالة «رويترز»، ذكر ​موقع «رووداو» الكردي أن ⁠نحو ​1500 ‌من عناصر تنظيم «داعش» فرّوا من سجن الشدادي. وقال «تلفزيون سوريا» نقلاً عن مسؤول بوزارة الداخلية إن قوات الأمن ألقت القبض على 90 من عناصر التنظيم الفارين من السجن.

وأعلن الجيش السوري السيطرة على مدينة الشدادي، وبدء عمليات لتأمين المنطقة واعتقال عناصر «داعش» الفارين.

وفي وقت سابق (الاثنين)، قالت «قسد» إن فصائل تابعة للحكومة المركزية في دمشق تواصل هجماتها على القوات التي يقودها الأكراد في بلدتي عين عيسى والشدادي ومدينة الرقة، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق الذي جرى التوصل إليه أمس. ونفى الجيش ذلك.

وأضافت أن سجن الشدادي، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم «داعش»، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق.

وقالت «قسد» إن العشرات من مقاتليها سقطوا قتلى وجرحى خلال تصديهم للهجمات على سجن الشدادي «لمنع وقوع كارثة أمنية».

وتحتجز «قسد» في سبعة سجون تشرف عليها، الآلاف من عناصر تنظيم «داعش»، بينهم أجانب، ممن اعتقلتهم خلال المعارك ضده حتى دحره من آخر نقاط سيطرته في سوريا عام 2019.

واتهم الجيش «قسد» بإطلاق سراح عناصر من تنظيم «داعش» من سجون تقع تحت سيطرتها لإثارة الفوضى الأمنية في المنطقة.

وقالت وزارة الدفاع السورية إن قواتها وصلت إلى الأقطان وبدأت «تأمين» المنشأة ومحيطها. وأكدت الوزارة في بيان أن الجيش ⁠لم يدخل سجن الشدادي. وذكر أن السجن سيُسلم إلى وزارة الداخلية بعد عملية أمنية.

وأوضحت «قوات سوريا الديمقراطية»، في بيان، أن 9 من مقاتليها قتلوا وأصيب 20 آخرون في اشتباكات مع فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية قرب سجن «الأقطان» بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم «داعش».

وأفادت «قسد»، في بيان منفصل في وقت لاحق، بأن سجن الشدادي، الذي يقع في محافظة الحسكة ويضم آلاف السجناء من عناصر التنظيم المتطرف، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق، مشيرة إلى أن «التحالف» بقيادة أميركا لم يتدخل في الأحداث رغم الدعوات المتكررة إليه.

قوات الحكومة السورية أثناء انتشارها في دير الزور شرق سوريا 19 يناير 2026 (أ.ف.ب)

من جهتها نقلت قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية عن مدير إدارة الإعلام في وزارة الدفاع عاصم غليون قوله إن قوات الجيش السوري وصلت إلى المنطقة المحيطة بسجن الأقطان في محافظة الرقة لتأمينه.

وأعلنت سوريا (الأحد) توقيع اتفاق جديد مع «قسد» لاقى ترحيباً دولياً واسع النطاق، يتم بموجبه وقف إطلاق النار بشكل كامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس، بالإضافة إلى تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً إلى الحكومة السورية، وذلك بعد اشتباكات دامية مستمرة منذ الشهر الماضي.

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع إن مؤسسات الدولة السورية ستدخل إلى المحافظات الثلاث في شمال شرقي سوريا - الرقة ودير الزور والحسكة - التي كانت تسيطر عليها «قسد» لسنوات. ويتضمن الاتفاق المبرم مع «قسد» دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم «داعش» والقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت في الحكومة السورية.

وأكدت مصادر سورية مطلعة أن لقاءً عُقد في دمشق، يوم الاثنين، بين الحكومة السورية والمبعوث الأميركي توم براك ووفد من «قوات سوريا الديمقراطية» قد باء بالفشل، حيث تراجع قائد «قسد» عن الاتفاق الذي وقعه (الأحد) والذي يؤكد على وحدة الأراضي السورية.


مقالات ذات صلة

تجدد التوغلات الإسرائيلية في ريف درعا السورية

المشرق العربي قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)

تجدد التوغلات الإسرائيلية في ريف درعا السورية

‏ما بين 5 و6 آلاف دونم سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في القنيطرة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)

السعودية تموّل مشروعات تنموية في سوريا بـ403 ملايين دولار

أبرم الصندوق السعودي للتنمية، مع وزارة المالية السورية، 6 اتفاقيات قروض تنموية ميسّرة، بإجمالي يتجاوز 403 ملايين دولار، لدعم عدة قطاعات حيوية في سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق سوريا تبدأ بتطوير خططها لجناحها وتجاربها لزوار «إكسبو 2030 الرياض» بعد توقيع الاتفاقية (واس)

سوريا تُوقِّع عقد مشاركتها في «إكسبو 2030 الرياض»

وقّعت سوريا عقد مشاركتها في معرض «إكسبو 2030 الرياض»، بحضور الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس السوري أحمد الشرع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي من عملية مشتركة لقوى الأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات العامة ضد خلية لـ«داعش» في بلدة رنكوس (أرشيفية - قوى الأمن الداخلي)

سوريا تعلن تفكيك خلية لـ«داعش» نفّذت اغتيالات واعتداءات في حلب

«تحول نوعي في الاستراتيجية الأمنية للدولة السورية تجاه بقايا (داعش)، تجسد في تكثيف الضربات الاستباقية وتفكيك شبكات إرهابية معقدة»...

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة (قوى الأمن الداخلي)

سوريا: مظاهرات طلابية كردية في الحسكة وأخرى مضادة تشعلان التوترات

يقول سكان من الحسكة السورية إن هناك «أطرافاً مصرّة على رفض الاندماج، وتستغل أي فرصة لزعزعة الاستقرار وعرقلة جهود التهدئة»...

سعاد جروس (دمشق)

أزمة إنسانية قاسية... الأمطار تُغرق مخيمات نزوح كاملة في غزة

نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

أزمة إنسانية قاسية... الأمطار تُغرق مخيمات نزوح كاملة في غزة

نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

«كنا عايشين، ومبسوطين وبنحب نشوف المطر، ونعيش أجواءه، وهلقيت احنا كل يوم بندعي ربنا ما ينزل المطر علينا، لأنه احنا عارفين حيصير فينا هيك ونغرق»... بهذه الكلمات الصعبة لخص الغزي أحمد السحار -النازح من جباليا إلى مخيم للنازحين في منطقة الكرامة، شمال غربي مدينة غزة- الحال الذي عاشه خلال ليلة صعبة من الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف، وأغرقت خيمته التي يعيش فيها مع أفراد أسرته المكونة من 6 أشخاص.

ويقول السحار في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «ما فيه اشي نحكيه، حياتنا مجرد جحيم»، مشيراً إلى أن الأمطار أغرقت معظم المخيم الذي يعيش فيه، والمكون من أكثر من 300 خيمة جميع من فيها من سكان مخيم جباليا ومحيطه، والذي دمرته القوات الإسرائيلية بالكامل خلال الحرب.

نازح يحاول جرف مياه موحلة في ممر بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وواجه النازحون داخل قطاع غزة أزمة إنسانية قاسية، بعدما تعرضت خيامهم ومخيمات نزوح كاملة للغرق نتيجة الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف سوى لوقت بسيط منذ ساعات المساء المتأخر من يوم الجمعة، وبقيت مستمرة حتى ساعات الصباح، إلى أن توقفت وباتت متفرقة مع ساعات الظهيرة، وسط توقعات بعودة غزارتها مجدداً في المساء، وفجر الأحد.

واجتاحت مياه الأمطار الشوارع التي تعاني بالأساس من انعدام البنية التحتية التي دمرت خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما تعرضت مخيمات للنزوح من شمال القطاع وحتى جنوبه إلى غرق كامل، الأمر الذي تسبب بغرق الآلاف من الخيام، ولم تعد المئات منها تصلح للحياة بعدما تسببت الأمطار بخرابها في ظل أنها بالأساس مهترئة، وبالكاد كانت تصلح للعيش.

طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

ويقول السحار بصوت غلبت عليه الحسرة والوجع: «ما فيه اشي بأيدينا غير ندعي ربنا يوقف هالمطر وما يرجع... غرقنا وتبهدلنا».

وفقد الكثيرون من النازحين أمتعتهم الخاصة بخيامهم، كما فقدوا بعض المقتنيات الأساسية من أوانٍ وغيرها بعدما جرفتها مياه الأمطار، وتضررها إثر ذلك.

طفل يقف عند مدخل خيمة عائلته يراقب مياه المطر التي تغمر محيط الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وقالت المواطنة سعاد الجمال، النازحة في ميناء غزة، إن فراش وملابس أسرتها تعرضت للغرق، ما اضطرها وأفراد أسرتها للتوجه إلى منزل شقيقتها رغم الأجواء القاسية للمبيت لديها.

وأشارت الجمال إلى أنها فقدت العديد من أدوات مطبخها البسيط في خيمتها التي بالكاد تكفي لها ولأفراد أسرتها المكونة من 4 أطفال، وزوجها، وشابين.

نازحة «تشطف» الماء من داخل خيمة عائلتها في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وبحسب إحصائية نشرها المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإنه خلال 12 ساعة لبدء المنخفض الجوي، غرقت 70 ألف خيمة تؤوي عشرات الآلاف من النازحين، إلى جانب انهيار عشرات الجدران، ما تسبب بوقوع إصابات، وقدرت الخسائر بأكثر من 3 ملايين دولار.

فيما أفاد جهاز الدفاع المدني بغزة أنه منذ بدء المنخفض الجوي تلقى أكثر من 1500 نداء استغاثة من مواطنين تضررت خيامهم ومراكز إيوائهم في جميع محافظات قطاع غزة، لافتاً إلى أنه تم تسجيل غرق مخيمات بأكملها في جميع مناطق ومدن القطاع.

فتى يحمل دلوين مليئين بماء الشرب يخوض وسط ماء المطر بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وقال جهاز الدفاع: «المواطنون النازحون بأطفالهم ونسائهم يغرقون، وتجرف الأمطار خيامهم رغم المناشدات والنداءات الإنسانية العديدة التي أطلقناها لإنقاذهم قبل أن نرى هذه المشاهد المأساوية في المخيمات»، مبيناً أنه لا يستطيع وحده مواجهة تداعيات هذا المنخفض في ظل حجم الكارثة، ونقص الإمكانات، ومعدات سحب المياه من المناطق التي تتجمع فيها مياه الأمطار، وأن المسؤولية تتطلب تكاتف جميع المؤسسات المحلية والدولية، وتوفير الدعم العاجل من معدات، وآليات، ووقود، ومواد إغاثية، ومنح الأولوية لحماية المواطنين، وخاصة الأطفال، والنساء، وكبار السن، والمرضى.

نازحون يحاولون جرف الماء خارج الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وانهارت جزئياً عدة منازل وبنايات متضررة بفعل الحرب، وذلك إثر الأمطار الغزيرة، ما تسبب بوقوع عدة إصابات متوسطة، فيما نجا نحو 30 فلسطينياً من مبنى متضرر بشارع الشهداء غرب مدينة غزة إثر انهياره جزئياً فجر السبت.

واعتبرت «حماس» في بيان للناطق باسمها بغزة، حازم قاسم، أن «المشهد الإنساني الكارثي في القطاع، وغرق مئات العائلات في خيامها بسبب الظروف المأساوية... يمثل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي ما زال عاجزاً عن إلزام الاحتلال برفع حصاره الجائر عن القطاع»، محملاً المسؤولية الكاملة إلى إسرائيل والجهات المعنية و«مجلس السلام» وممثله نيكولاي ملادينوف الذي قال إنه أخفق في القيام بدوره تجاه ضمان إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى غزة، واستمر صمته تجاه جريمة الحصار المفروضة على أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع. وفق تعبيره.

طفل يسير وسط مياه المطر في مخيم للنازحين بمدينة غزة السبت (رويترز)

وأضاف الناطق: «الواقع الإنساني المتفاقم في القطاع يفرض على الوسطاء تحمل مسؤولياتهم الكاملة تجاه الاتفاقات المبرمة، والعمل بشكل جاد وفعال على إلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته، وفي مقدمتها إدخال المساعدات الإنسانية ومواد الإيواء اللازمة والكافية التي تساعد شعبنا للتخفيف من معاناته المستمرة»، داعياً جامعة الدول العربية إلى تحرك عاجل وفعال لإنقاذ قطاع غزة من الكارثة الإنسانية المتواصلة، بما ينسجم مع المبادئ والأهداف التي تأسست الجامعة من أجلها، ويعكس مسؤوليتها القومية والإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني.


من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
TT

من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بترقّب انعكاسات نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية على واقعهم الداخلي، وما إذا كانت ستؤدي إلى حرب في المنطقة تشمل لبنان، أم إلى اتفاق سياسي كبير يلحظ لبنان حكماً، برز مؤخراً ما حُكي عن تطمينات وصلت إلى عدد من المسؤولين اللبنانيين، مفادها أن «حزب الله» لا ينوي المشاركة في أي حرب مقبلة إسناداً لإيران.

إلا أن هذه التطمينات تبدو لكثيرين غير كافية، استناداً إلى تجربة جولة الحرب الأخيرة، حين قيل إن الحزب أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري، آنذاك، أنه لن يشارك فيها، قبل أن ينقلب على موقفه ويفتح النار باتجاه إسرائيل في الثاني من مارس (آذار) الماضي. وتحدّث بعضها حينها عن تضارب في القرارات بين الجناحين السياسي والعسكري، أدى في نهاية المطاف إلى تغليب قرار الطرف الممسك بالميدان، ومن خلفه طهران.

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

وهنا تُطرح علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كان القرار داخل «حزب الله» لا يزال مركزياً، تتخذه قيادة سياسية وتنظيمية ملزمة لجميع مؤسساته، أم أن الكلمة باتت للميدان والجناح العسكري؟ والأهم، هل لا يزال الحزب يمتلك هامشاً مستقلاً لاتخاذ قراراته، أم أن القرار الاستراتيجي المتعلق بالحرب بات يُحسم في طهران، وفقاً للمصالح والحسابات الإيرانية؟

وتتباين القراءات في هذا المجال بين مَن يرى أن «حزب الله» لا يزال محكوماً بهيكلية تنظيمية مركزية، لا تسمح بوجود قرار سياسي وآخر عسكري متعارضين، ومَن يعتبر أن التحولات التي شهدها الحزب، ولا سيما بعد المواجهات الأخيرة، وما أصاب بنيته القيادية، جعلت القرار العسكري أكثر ارتباطاً بإيران، وأضعفت إلى حد كبير هامش الحركة المتاح للقيادة السياسية.

ما هو «شورى القرار»؟

وفي هذا السياق، يوضح الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع عن كثب على موقف «حزب الله»، أن «القيادة في الحزب تتمثل في (شورى القرار)، وهي الجهة التي تتخذ القرارات وتُلزم بها جميع الأجهزة والمؤسسات، بما فيها المجلسان السياسي والجهادي». وينفي قصير وجود قرار يتخذه المجلس السياسي في مقابل قرار آخر يصدر عن المجلس الجهادي، مؤكداً أن «هناك قراراً واحداً مركزياً تتخذه (شورى القرار) ويلتزم به الجميع».

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

ويضم مجلس «شورى القرار»، حسب قصير، الأمين العام للحزب، ورئيس المجلس التنفيذي، ورئيس كتلة الحزب النيابية، ورئيس المجلس السياسي، والمعاون السياسي للأمين العام.

لكن ماذا عن التطمينات التي وصلت إلى مسؤولين لبنانيين، ومفادها أن «حزب الله» لا يعتزم الانخراط في حرب مقبلة؟

وهنا يلفت قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «لا توجد ضمانات أو وعود جدية ونهائية من هذا النوع»، موضحاً أن «الحزب يُحدد موقفه وفقاً للتطورات الميدانية، ولا يمكنه اتخاذ قرارات مسبقة بمعزل عن طبيعة الأحداث»، معتبراً أن «احتمالات الحرب تراجعت بعد الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، نتيجة انشغال واشنطن وتل أبيب بأوضاعهما الداخلية، إلا إذا قررت إسرائيل شن عدوان جديد على لبنان».

القرار لـ«الحرس الثوري»

في المقابل، يُقدم الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، قراءة مختلفة، تنطلق من اعتبار أن «الكلمة في (حزب الله) كانت ولا تزال للميدان، وأن الجناح العسكري هو الذي يُمسك بهذا الميدان، ويُشكل الامتداد المباشر والفعلي لـ(الحرس الثوري الإيراني)».

ويؤكد الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار تفجير الحرب في لبنان، سواء في الجولة السابقة أو في أي جولة مقبلة، هو قرار إيراني بالدرجة الأولى، تحكمه المصلحة الإيرانية، ولا يمتلك (حزب الله) هامشاً فعلياً لتغييره أو الاعتراض عليه».

دمار واسع ناتج من غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت... وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويذكّر الأمين بتصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي الأخيرة، بشأن فتح المعركة على مختلف الجبهات والجغرافيا، معتبراً أنها «تعكس وجود إيقاع واحد تتحكم فيه طهران، وعلى الأطراف الأخرى الالتزام به»، معتبراً أن «الهامش الذي كان متاحاً في السابق للجناح السياسي، بقيادة الأمين العام السابق حسن نصر الله والقيادات البارزة، لم يعد قائماً اليوم، في ظل التحولات التي طرأت على بنية الحزب وقيادته».


لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

يعيش لبنان حالة من الإرباك والقلق المتزايد، على وقع المعلومات المتداولة عن احتمال أن يكون جزءاً من أي مواجهة إقليمية مقبلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولا تقتصر المخاوف على المواطنين الذين يخشون تكرار مشهد الحرب، والدمار، والنزوح، بل تطول أيضاً المسؤولين اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم أمام احتمالات لا يملكون القدرة الكاملة على التحكم بمسارها، في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن موقف «حزب الله» في حال اندلاع المواجهة، وهو ما حذّر منه مرات عدة كل من الرئيس جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

الدولة اللبنانية أمام معضلة غياب الضمانات

ورغم أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات غير مسبوقة في إطار محاولة حصر قرار الحرب والسلم بيدها، وهو ما يلقى دعماً واسعاً من الدول الغربية، والعربية، تكمن أولى نقاط الإرباك في صعوبة ضمان التزام «حزب الله» بقرار الدولة تحييد لبنان عن أي مواجهة إقليمية. فرغم تأكيد المسؤولين أن القرار يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الشرعية، فإن استمرار الحزب في الاحتفاظ بقراره العسكري المستقل، وارتباط حساباته الاستراتيجية بالتطورات الإيرانية، يجعلان الدولة أمام واقع معقد.

وفي هذا السياق يؤكد مصدر وزاري أن الاتصالات الداخلية لم تتوقف، ولا تزال قائمة بين مختلف الأفرقاء، لكنها لم تترجم حتى الآن إلى خطوات ملموسة، باستثناء الكلام عن أن «حزب الله» لن يدخل في أي معركة مقبلة. إلا أن المصدر يشير إلى أن هذه التطمينات لم تترافق مع معطيات جدية تسمح بالاطمئنان، ما يجعل الحذر واجباً في هذه المرحلة.

ويشدد المصدر على أن الدولة ليست ضعيفة، بل إن موقفها صلب، وقد اتخذت قرارات واضحة في هذا الاتجاه، لكن المشكلة تكمن في أن الفريق المعني مباشرة بقرار الحرب لا يتعاون مع الدولة، ولا يتجاوب مع توجهاتها، انطلاقاً من حسابات ومنطلقات تختلف عن حسابات المؤسسات الرسمية. ويضيف أن الدولة لا تريد الحرب، ولا الدمار، لكن حسابات الفريق الآخر، أي «حزب الله»، مختلفة.

ومع الترقب الذي يسود المنطقة بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، يعتبر المصدر أن جوهر المشكلة يكمن أيضاً في طبيعة العلاقة بين «حزب الله» وإيران، إذ إن طهران لا تتعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها مرجعية رسمية في هذا الملف، بل تتواصل مع الفريق الذي تدعمه، من دون تقديم ضمانات واضحة بعدم تدخله في أي مواجهة مقبلة. ويلفت في هذا الإطار إلى ما نُقل أخيراً عن مجتبى خامنئي بشأن وحدة الساحات، باعتباره مؤشراً لا يمكن تجاهله في قراءة احتمالات المرحلة المقبلة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتفقد الوحدات العسكرية المنتشرة في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات الأميركية ترفع منسوب القلق

في المقابل، لا تساعد التطورات الميدانية على تبديد المخاوف، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وبالتزامن مع تهديدات متكررة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد هدد بتوسيع العمليات العسكرية، واستهداف مناطق لبنانية إضافية إذا انضم «حزب الله» إلى أي مواجهة إيرانية، في وقت تتحدث فيه وسائل إعلام إسرائيلية عن سيناريوهات عسكرية محتملة تتجاوز جنوب الليطاني.

وفي هذا الإطار نشرت صحيفة «معاريف» معلومات عن خطط إسرائيلية محتملة تشمل التقدم نحو صور، وصيدا، والنبطية، وفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس في حال توسع المواجهة، وهي سيناريوهات إعلامية لم يصدر تأكيد رسمي بشأن تنفيذها.

ولا تقتصر التحذيرات على الجانب الإسرائيلي، إذ يجدد المصدر الوزاري التأكيد أن تحذيرات أميركية واضحة نقلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الرئيس جوزيف عون، ومفادها بأن دخول «حزب الله» في أي حرب مقبلة سيؤدي إلى سقوط الضمانات السابقة، بما يعني أن لبنان قد يواجه تداعيات واسعة لا يمكن احتواؤها.

أما فيما يتعلق بتوقف المباحثات اللبنانية - الإسرائيلية، فيعرب المصدر عن أمله في استئنافها، والتوصل إلى نتائج، لكنه يلفت إلى أن توقفها خلال هذه المرحلة لم يكن مفاجئاً، إذ كان واضحاً منذ فترة أن المباحثات لن تُعقد خلال فترة الانتخابات الأميركية، والإسرائيلية.

لبنان في مأزق حقيقي

ويلفت رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور رودريغ أبي خليل إلى أن الإرباك الذي تعيشه الدولة اللبنانية في المرحلة الراهنة يعود، في جوهره، إلى أنها لا تمتلك أدوات تنفيذ الالتزامات، رغم القرارات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومة في محاولة لتكريس سلطتها، وبسط سيادة الدولة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذه القرارات، على أهميتها، تصطدم بواقع أن قرار «حزب الله» لا يزال مرتبطاً بإيران، ما يحول دون قدرة الدولة على التحكم بمسار المواجهة، أو منع انزلاق لبنان إليها.

ويؤكد: «إن القرارات الحكومية، على أهميتها، لا تكفي وحدها بالنسبة إلى المجتمع الدولي ما لم تُترجم إلى خطوات عملية، وميدانية، لا سيما أن (حزب الله) لن يتخلى عن هذا التفوق من دون ثمن سياسي».

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثاً في عيتا الشعب خلال زيارة سابقة له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

ويرى أبي خليل أن لبنان -بحكم ارتباط واقعه السياسي الداخلي بالتحولات الإقليمية- يجد نفسه في مأزق حقيقي، خصوصاً أن المنطقة تتجه نحو مرحلة مفصلية قد تشهد تجدد الحرب بصورة أعنف، في ظل سعي أميركي وإسرائيلي إلى إحداث تغييرات استراتيجية في المنطقة.

ورأى أبي خليل أن هذا الواقع يفسّر حالة الترقب والإرباك لدى الدولة اللبنانية، باعتبار أن جانباً أساسياً من القرار المتعلق بمصير لبنان يرتبط بما ستؤول إليه هذه المواجهة، مشيراً إلى «أن هذا الارتباط انعكس بشكل واضح في مسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي لم تصل حتى الآن إلى نتائج حاسمة».

من هنا يعتبر أبي خليل «أن لبنان بات قريباً من لحظة مواجهة جديدة، من دون أن يحضر نفسه كما يجب، وفي ظل دولة تترقب ما سيقرره الخارج أكثر مما تتحكم هي بمسار الأحداث».