الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة... أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟

خبير لـ«الشرق الأوسط»: بتنا أمام ظاهرة تهدد الاستقرار المائي والغذائي والاجتماعي على المدى الطويل

مجرى نهر العاصي في منطقة جسر الشغور غربي إدلب وقد بدا جافاً تماماً أغسطس الماضي (أ.ب)
مجرى نهر العاصي في منطقة جسر الشغور غربي إدلب وقد بدا جافاً تماماً أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة... أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟

مجرى نهر العاصي في منطقة جسر الشغور غربي إدلب وقد بدا جافاً تماماً أغسطس الماضي (أ.ب)
مجرى نهر العاصي في منطقة جسر الشغور غربي إدلب وقد بدا جافاً تماماً أغسطس الماضي (أ.ب)

تشهد أنهار عدة في منطقة الشرق الأوسط تراجعاً في منسوبها المائي في السنوات الأخيرة، أدى إلى جفاف بعضها تماماً، كما في حالة نهر العاصي في سوريا والذي جف للمرة الأولى في تاريخه، فيما تعاني دول عربية من أسوأ موجات جفاف على مدار عقود، وفق بيانات رسمية وخبراء.

وتتجلى مظاهر جفاف الأنهار في انحسارٍ حادّ لمناسيب الأنهار الكبرى ووصول بعضها إلى شفير الجفاف الكامل، مما يهدد الأمن المائي والغذائي لمئات الملايين. وتتجاوز وقائع الجفاف الحالة الموسمية إلى كونها ظاهرة بيئية تنذر بالخطر، ويتوقع حدوثها في سنوات مقبلة، بل تغذي الظاهرة تفاعلات معقدة: تغيُّر المناخ المتسارع، وسوء إدارة الموارد المائية، وبناء السدود العابرة للحدود، والاستهلاك الزراعي الجائر.

وتؤكد أزمة جفاف الأنهار الحالية بأن المياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي شريان الحياة للتنمية الاقتصادية، وحجر الزاوية في الاستقرار السياسي، وأحد أركان الأمن الإنساني الأساسية. فجفاف النهر ليس فقداناً للماء فحسب، كما يقول خبراء، بل هو اختبار لقدرة البشر على المواجهة والتعاون في موطن تشتد فيه ندرة المياه يومياً.

يرصد هذا التقرير أبرز النماذج الموثقة والحديثة لجفاف الأنهار في الشرق الأوسط، سواء كان موسمياً أو جزئياً أو انحساراً حاداً مرتبطاً بتغيّر المناخ وانخفاض الأمطار والضخّ الجائر، إضافةً إلى تعليق من خبير في البيئة والتغيّر المناخي على الظاهرة.

دجلة والفرات - العراق وسوريا وتركيا

في العراق، أصبح عام 2025 العام الأكثر جفافاً على الإطلاق منذ عام 1933، حيث انخفضت مستويات المياه في نهري دجلة والفرات بنسبة تصل إلى 27 في المائة بسبب قلة هطول الأمطار والقيود المفروضة على المنبع، إضافة إلى لجوء إيران إلى قطع 4 روافد لنهر دجلة. في سوريا المجاورة، انخفض معدل هطول الأمطار بنسبة تقارب 70 في المائة، مما أدى إلى شلل 75 في المائة من الأراضي الزراعية البعلية في البلاد، وترك عجزاً يقدر بنحو 2.73 مليون طن من القمح، وفق تقرير من منظمة «وورلد ويزر أتريبيوشن».

وتشهد المناطق المحيطة بمسار نهري دجلة والفرات في العراق وسوريا تراجعاً كبيراً في الموارد المائية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة انخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. ينبع «الفرات» من تركيا ويعبر الأراضي السورية ليجري داخل الأراضي العراقية، حيث يلتقي في جنوبها مع نهر دجلة، ليشكلا شط العرب.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن شرق المتوسط شهد منذ شتاء 2020-2021 موجات جفاف متكررة مرتبطة بتغيّر المناخ. فيما توثّق وزارة الموارد المائية العراقية والأمم المتحدة (يونيسف/برنامج الأغذية العالمي) في عام 2023 أن البلاد تواجه منذ سنوات انخفاضاً حاداً في تدفقات دجلة والفرات، وأن موجات الجفاف اشتدّت بشكل ملحوظ في أعوام 2008 و2015 و2022، مع ارتفاع لافت في درجات الحرارة وازدياد معدلات التبخر. من جهة ثانية، فإن سوريا والعراق مصنّفان بين أكثر البلدان هشاشة لتأثيرات المناخ؛ فالعراق ضمن أكثر خمس دول تأثراً عالمياً، مع تهديد التصحر لـ92 في المائة من أراضيه وارتفاع الحرارة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بعدة أضعاف. وتفيد التقديرات السكانية الرسمية بأن عدد سكان العراق تجاوز 43 مليون نسمة في 2024، وفق الجهاز المركزي للإحصاء العراقي، ما يزيد الضغط على الموارد المائية.

صورة من أول مايو (ايار) الماضي تظهر تراجع منسوب المياه في نهر دجلة ببغداد (أ.ف.ب)

وينبع نهر دجلة من جبال طوروس في تركيا، ويبلغ طول مجراه نحو 1718 كيلومتراً، منها نحو 1400 كلم داخل العراق، بينما يمر لمسافة نحو 50 كلم داخل سوريا قبل دخوله الأراضي العراقية، وذلك حسب بيانات وزارة الموارد المائية العراقية، وتؤكد وزارة الموارد المائية العراقية كذلك أن تدفقات نهري دجلة والفرات تأثرت بعوامل عدة، أبرزها تراجع الأمطار فوق حوضي الأناضول، إضافةً إلى تشغيل السدود الإقليمية في دول المنبع، مما أدى إلى انخفاض الإطلاقات الواردة إلى العراق خلال السنوات الأخيرة.

مؤشرات على زيادة الجفاف

وعدَّ المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي، ورئيس شبكة بيئة ابوظبي، أن جفاف الأنهار في المنطقة لم يعد «سنة جفاف» عابرة، بل «ظاهرة» تشمل تكرار الجفاف في عقود متتابعة (ليس عاماً أو عامين متباعدين). وأن هناك اتجاهاً تنازلياً في المتوسط طويل الأجل للتصريف وليس فقط التذبذب السنوي، مضيفاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجفاف اقترن بعوامل هيكلية مثل تدهور في الغطاء النباتي، وزيادة في درجات الحرارة والتبخر. وبالتالي فإننا نجد أن تأثير الجفاف قد تحوَّل من قطاع واحد (الزراعة مثلاً) إلى تأثير مجتمعي شامل من هجرة، وبطالة، ونزاعات على الموارد». ويقول: «بهذه المعايير، بتنا أمام ظاهرة مناخية مستمرة تهدد الاستقرار المائي والغذائي والاجتماعي على المدى الطويل».

وأشار تقرير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) عام 2023، إلى تراجع كبير في منسوب نهر الفرات في سوريا والعراق منذ عام 2010، حيث انخفضت التدفقات إلى مستويات أقل من ثلث معدلاتها الطبيعية في بعض السنوات، نتيجة انخفاض الأمطار واستمرار ارتفاع درجات الحرارة. وحسب التقرير نفسه، أدى نقص الأمطار الذي وصل إلى نحو 70 في المائة في بعض المناطق الزراعية في سوريا والعراق إلى تراجع إنتاج المحاصيل البعلية، لا سيما القمح، مع تسجيل عجز قُدّر بنحو 2.73 مليون طن من القمح في سوريا خلال عام 2022 - 2023.

ويشير تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (2021 - 2024) إلى أن انخفاض تدفقات الفرات أسهم في زيادة ملوحة المياه وتوسع الطحالب وازدياد ترسبات النباتات في بعض المناطق، مما يهدد بانسداد المجاري المائية وتراجع جودة المياه.

خريطة حرارية تُظهر اختلاف مناطق الجفاف وفقاً لنظام رصد الجفاف العالمي الأميركي: تستند الفئات إلى قيم مؤشر الجفاف العام على مدى 36 شهراً في يونيو 2023... مناطق الدراسة مُحددة باللون الرمادي (حوض نهري دجلة والفرات على اليسار وإيران على اليمين)... (موقع منظمة «وورلد ويزر أتريبيوشن»)

وتُظهر بيانات تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) حول تأثير تغير المناخ على الموارد المائية المشتركة في حوض الفرات (2021)، أن تصريف المياه في حوض الفرات عند نقاط رئيسية في سوريا والعراق أصبح أدنى من المتوسط التاريخي منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، مع استمرار مسار تنازلي واضح مرتبط بالجفاف وبناء السدود في المنابع. كما تتوقع الدراسات عن نهري دجلة والفرات في العراق انخفاضاً في الموارد المائية العذبة بنسبة تقارب 20 في المائة بحلول 2050 إذا استمر المسار الحالي لتغير المناخ والبناء الكثيف للسدود.

تظهر بقع من مجرى نهر دجلة في بغداد 24 نوفمبر 2025... العراق البلد المتأثر بشدة بتغير المناخ يعاني منذ سنوات من الجفاف وقلة الأمطار (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، أشارت وكالة «ناسا إرث»، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى انخفاض مستوى بحيرة ثرثار (أكبر خزان مائي في العراق) إلى أدنى مستوى مسجل منذ 1992، بنسبة انخفاض تصل إلى 80 في المائة مقارنةً بـ2020، وفق موقع وكالة «ناسا»؛ بسبب الجفاف المستمر ونقص الإفراج من السدود في تركيا وإيران. وأظهرت الصور الفضائية جفافاً واسعاً، مما يهدد الزراعة والشحن النهري، ويسمح بدخول مياه البحر الملحية إلى الأعلى.

رسم بياني لمعدل انخفاض بحيرة ثرثار العراقية (موقع ناسا)

ونبّه المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال، في تصريح سابق، إلى أن العراق «لديه اليوم أقل مخزون مائي في تاريخه، ويتلقى أقل من 35 في المائة من الحصة المائية التي يُفترض أن يتسلمها» من دجلة والفرات. وتقول السلطات إن ذلك يُضطرها إلى إطلاق كميات إضافية من خزاناتها المائية المتناقصة للحفاظ على تدفق المياه في الفرات، وهو إجراء قد لا يكون مستداماً.

أزمة مناخ أم ممارسة بشرية؟

ورأى خبير التنمية المستدامة أن التغيرات المناخية تعد جزءاً أساسياً من المشكلة لكنها ليست القصة كاملة. مضيفاً أن «التغير المناخي يلعب دوراً مهماً في ارتفاع الحرارة الذي يقلل الجريان السطحي ويزيد التبخر من السدود والتربة. كما يؤدي تغيّر نمط الأمطار إلى مواسم أقصر، وغزارة مركزة على شكل سيول بدلاً من أمطار موزعة زمنياً». وأردف سعد أنه «في حين أن نماذج حوضي دجلة والفرات تشير إلى أن تغير المناخ سيؤدي إلى انخفاض إضافي في الجريان وزيادة تواتر موجات الجفاف».

عماد سعد خبير الاستدامة والتغير المناخي

ويتابع سعد أن الممارسات البشرية لعبت دوراً سلبياً في مضاعفة عوامل الأزمة؛ سواء في إدارة المياه داخلياً باتباع نظم ري تقليدية غارقة في الهدر (الري بالغمر، وقنوات ترابية مكشوفة)، مع وجود فاقد كبير في الشبكات الحضرية (تسرب، وسرقات مياه)، أو عن طريق التوسع الزراعي غير المتوافق مع الموارد. ويضرب الخبير المثل بـ«زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه (كالقمح والأرز والقصب) في مناطق تعاني أصلاً من عجز مائي. ودعم سياسات زراعية كمّية بدل دعم الزراعة الذكية مناخياً أو المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، أو عن طريق الضخ الجائر للمياه الجوفية، ونقص مياه الأنهار بالاعتماد المفرط على الآبار، مما خلق عجزاً مزدوجاً (سطحي + جوفي)».

ويوضح سعد أنه «بالإضافة إلى التلوث وضعف الحوكمة، فتلوث نهرَي دجلة والفرات بالمخلفات الصناعية والصرف الصحي والزراعي يجعل جزءاً من المياه غير صالح للاستخدام، ومن الخطأ نسبة الأزمة إلى المناخ وحده؛ نحن أمام كارثة مركّبة يتفاعل فيها المناخ مع السياسات المائية والزراعية والاقتصادية، فينتج عنها ما نراه من جفاف شبه دائم».

حلول مُلحة لوقف الهدر

ورأى سعد أن السؤال لم يعد: «كيف نتعايش مع الجفاف؟» بل أصبح: «كيف نعيد بناء منظومة مائية قادرة على الصمود في عصر تغير المناخ؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا يتطلب خريطة طريق متعددة المسارات، تبدأ بإدارة الطلب وتنتهي بتغيير قواعد العمل».

ويقول خبير التنمية المستدامة: «لدينا أولويات عاجلة مثل إدارة الطلب وترشيد الاستخدام قبل البحث عن موارد جديدة، لأن 80 في المائة من مياه المنطقة تذهب للزراعة، وغالبها يهدر في نظم ري تقليدية. لذلك يجب تسريع التحول نحو الري الحديث، وتبطين قنوات النقل وتقليل الفواقد التي تصل إلى 40 في المائة في بعض المناطق، إلى جانب تغيير التركيبة المحصولية»، وعن تلك التراكيب المحصولية يقول سعد: «فمن غير الممكن استمرار زراعة محاصيل كثيفة المياه كالقمح والرز والقصب في مناطق جافة بطبيعتها. لذا نحن بحاجة إلى خطة عاجلة تشمل تشجيع محاصيل تتحمل الجفاف (شعير - فول سوداني - نباتات علفية بديلة). إدخال أصناف حديثة مقاومة للحرارة والملوحة وغير ذلك».

انخفاض حاد في منسوب مياه نهر الفرات بالناصرية فبراير 2023 (أ.ف.ب)

نماذج دولية ناجحة

ويفتح الخبير باباً أمام إمكانية الاستعانة بالخبرات المحيطة في عدد من دول العالم التي يمكن الاقتداء بها من أجل التعاون لمواجهة أزمات المياه في المنطقة، ويقول سعد: «لدينا نموذج نهر السنغال في غرب أفريقيا، حيث نجد ثلاث دول تتقاسم المنافع بشكل شامل، حيث أنشأت تلك الدول وكالة تشغيل مشتركة للسدود ومحطات الطاقة وتقاسمت الكهرباء والمياه بالتساوي».

وفي القارة الآسيوية، هناك نموذج نهر الميكونغ في جنوب شرقي آسيا؛ فرغم النزاعات، نجحت اللجنة الخاصة بالنهر في فرض تقييمات بيئية إلزامية للسدود، وفقاً لسعد. وأخيراً نهر الراين، حيث خرج اتفاق «راين الأكوا» ليجمع 6 دول من أجل تخفيض التلوث وتحسين جودة المياه حتى وصلت مياه النهر إلى مستوى صالح للسباحة وصيد السمك.

ويختتم خبير التنمية المستدامة والتغير المناخي حديثه بأن خريطة الطريق ليست مجرد خطة تقنية فحسب، بل هي خطة إنقاذ حضاري لأنهار تمكّنت من تشكيل هوية وثقافة وشعوب المنطقة. والحل الناجح يجب أن يجمع بين إدارة رشيدة، وتعاون إقليمي، وحلول طبيعية، وتكنولوجيا حديثة، ضمن رؤية تعطي الأولوية للإنسان والمجتمع والاقتصاد الأخضر.

أنهار أخرى طالها الجفاف:

نهر العاصي (سوريا)

وفي سوريا، تشهد مناطق حوض نهر العاصي في وسط سوريا تراجعاً كبيراً في الموارد المائية مؤخراً نتيجة انخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. وأشارت تقارير وزارة الموارد المائية السورية وهيئة الأرصاد السورية منذ عام 2021 إلى انخفاض تدفق الينابيع المغذية للنهر وتراجع منسوب المياه في بحيرة وسد الرستن إلى مستويات متدنية خلال مواسم الجفاف.

ويبلغ الطول الإجمالي لنهر العاصي نحو 571 كلم، منها نحو 525 كلم داخل سوريا، وفق بيانات وزارة الموارد المائية السورية. وينبع النهر من سهل البقاع في لبنان لمسافة نحو 46 كلم قبل دخوله الأراضي السورية، حيث يتجه شمالاً نحو بحيرة قطينة ثم يعبر محافظات حمص وحماة وإدلب قبل دخوله الأراضي التركية في لواء إسكندرون، ليصب في خليج السويدية على البحر المتوسط.

نهر بردى (سوريا)

ينبع نهر بردى الذي يشق مجراه في دمشق من بحيرة بردى الواقعة في سهل الزبداني على بُعد 30 كيلومتراً شمال غربي العاصمة، ويرفده نبع «عين الفيجة» على مشارف المدينة.

وشهد نهر بردى خلال السنوات الأخيرة انخفاضاً حاداً في تدفقه، ووصل في بعض السنوات إلى جفاف شبه كامل في عدة مقاطع خلال الصيف، نتيجة تراجع الهطولات المطرية والثلجية على جبال القلمون، حسب وزارة الموارد المائية السورية وتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) حول الجفاف في سوريا. وأشار تقرير لتلفزيون سوريا إلى أن ما يزيد من مشكلة التلوث في نهر بردي هو انخفاض منسوب غزارة النهر بسبب شح الأمطار.

مظاهر الجفاف والتلوث في فرع نهر بردى (تلفزيون سوريا)

وفي عام 2023، أصدرت منظمة «وورلد ويزر أتريبيوشن» دراسة علمية عن موجة الجفاف التي ضربت سوريا والعراق، خلصت إلى أن تغيّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية زاد احتمال وشدة الجفاف بأكثر من عشرة أضعاف. وأشارت الدراسة إلى أن موجات الجفاف المتلاحقة أثرت على أكثر من 12 مليون شخص في سوريا من حيث قدرة الحصول على مياه الريّ والشرب، وأنها قوّضت مكاسب التنمية خلال مرحلة التعافي بعد النزاع.

وقال محمد طربوش، المدير العام للسدود في سوريا، في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن الوارد المائي لـ«سد تشرين» شرق نهر الفرات انخفض إلى ربع الكمية؛ واتهم تركيا بأنها تتحكم بمنسوب وارد المياه وتحاصر المنطقة مائياً، مضيفاً أن «الكارثة تهدد حياة 4 ملايين نسمة».

حوض نهر الأردن

يُعدّ وادي الأردن جزءاً من حوض نهر الأردن المشترك، ورغم أهميته المائية فإن التدفق داخل الحدود الأردنية ليس دائماً. وتشير الخطة الوطنية للمياه 2023-2040 إلى تراجع حاد في تدفقات المجرى الجنوبي خلال العقد الأخير، وصولاً إلى جفاف شبه كامل في بعض السنوات نتيجة انخفاض الواردات المائية من أعلى الحوض والاستخدام المكثف في الدول المشاطئة.

وتوضح «إسكوا» في تقريرها لعام 2021 أن تدفقات نهر الأردن باتت أقل من 10 في المائة من مستواها الطبيعي التاريخي، وهو ما يفسّر فترات الجفاف المتكررة داخل الأردن.

في السياق، قال الأمين العام لسلطة وادي الأردن هشام الحيصة، إن مخزون السدود بلغ هذا الصيف «الخطوط الحمراء»، مؤكداً في تصريحات لوسائل إعلام أردنية في أغسطس (آب) الماضي وضع خطة طوارئ لتأمين احتياجات الشرب والزراعة بعد موسم مطري لم يتجاوز 35 في المائة من معدله. وأفاد رئيس جمعية التمور التعاونية، رائد الصعايدة، بأن بعض المزارعين خسروا نحو 30 في المائة من محاصيلهم بسبب تقليص ضخ المياه.

تفاقم الأزمة في إيران

تشهد إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، تفاقماً حاداً في أزمة الجفاف خلال الأعوام الأخيرة، في ظل تراجع ملحوظ في مخزون السدود وازدياد الضغوط المائية، وفق تقارير رسمية. وأفادت بيانات «الشركة الإيرانية لإدارة الموارد المائية» بأن مستويات المياه في السدود الرئيسية تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة انخفاض الهطول المطري وازدياد الاستهلاك. كما أكد تقرير سابق لوكالة «رويترز» استمرار أزمة الجفاف في البلاد وتراجع المياه خلف السدود في عدة محافظات.

صورة لنهر شبه جاف في منطقة لواسان شمال طهران (إ.ب.أ)

وأظهر تقرير حديث صادر عن منظمة «وورلد ويزر أتريبيوشن» أن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، زاد من شدة موجة الجفاف التي امتدت خمس سنوات في إيران وفي حوض نهري دجلة والفرات. وأشار التقرير إلى أن هذه العوامل أسهمت في تفاقم ندرة المياه وارتفاع مستوى التعرض للمخاطر المائية.

تواجه طهران أزمة مياه حادة تهدد سكانها البالغ عددهم 15 مليون نسمة، إلى درجة أن نقل العاصمة طُرح أخيراً كحل طارئ، وفق تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. وجاءت الهطولات المطرية الأخيرة في إيران لتخفف من وطأة أزمة شح المياه التي تشمل في الواقع أكثر من 20 محافظة من محافظات إيران الـ31.


مقالات ذات صلة

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

71.4 مليار دولار احتياجات غزة للتعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)
فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)
TT

71.4 مليار دولار احتياجات غزة للتعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)
فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

ذكر تقرير مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، أن احتياجات قطاع غزة من أجل التعافي وإعادة الإعمار تقدر بنحو 71.4 مليار دولار على مدى العشر سنوات المقبلة.

وجاء في التقرير أن هذا يشمل «26.3 مليار دولار مطلوبة في الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية، ودعم الانتعاش الاقتصادي».

وأشار التقرير إلى أن «الأضرار المادية في البنية التحتية تقدر بنحو 35.2 مليار دولار، بينما تبلغ الخسائر الاقتصادية والاجتماعية 22.7 مليار دولار».

ودخل وقف هش لإطلاق النار حيز التنفيذ في قطاع غزة في أكتوبر (تشرين الأول) بين حركة «حماس» وإسرائيل بعد حرب استمرت عامين. وتقول وزارة الصحة الفلسطينية إن أكثر من 72 ألف فلسطيني قتلوا وأصيب 172 ألفاً.

فلسطيني يركب دراجته وسط أنقاض المباني المدمرة بمخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أ.ف.ب)

وشنت إسرائيل حرباً على قطاع غزة رداً على هجوم قاده مسلحون من حركة «حماس» على البلدات الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص.

وتضررت قطاعات البنية التحتية كافة في قطاع غزة.

وجاء في التقرير: «القطاعات الأكثر تضرراً تشمل الإسكان والصحة والتعليم والتجارة والزراعة».

وأضاف التقرير: «أصبح أكثر من 50 في المائة من المستشفيات خارج الخدمة، ودُمرت أو تضررت جميع المدارس تقريباً، وانكمش الاقتصاد بنسبة 84 في المائة في غزة».

وذكر التقرير أن أي خطة لإعمار قطاع غزة تحتاج إلى «أمرين: إعادة بناء غزة مادياً ومؤسسياً، ووضع مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة».

وشارك رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى اليوم في اجتماع للدول المانحة في بروكسل. وقال مكتب رئيس الوزراء في بيان له إن ثلاثين دولة ومؤسسة دولية مانحة شاركت في الاجتماع دون الإشارة إلى أي تعهدات مالية جديدة للسلطة الفلسطينية.

وقال مصطفى خلال الاجتماع إن «الاقتصاد الفلسطيني يواجه تحديات عميقة ومركّبة، خصوصاً في قطاع غزة الذي يشهد انهياراً اقتصادياً غير مسبوق نتيجة حجم الدمار، ما أدى إلى تضرر واسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية والقطاعات الإنتاجية، وترك نحو مليوني مواطن بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية والمأوى وفرص العمل».

وأوضح مصطفى للمانحين، حسب البيان الصادر عن مكتبه، أن استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، التي تتجاوز خمسة مليارات دولار، وتشكل الجزء الأكبر من الإيرادات العامة، تسبب في أزمة سيولة حادة وضغوط كبيرة على القطاع العام.

وأضاف: «معدلات البطالة ارتفعت إلى نحو 44 في المائة، لتصل إلى قرابة 80 في المائة بقطاع غزة و35 في المائة بالضفة الغربية، نتيجة القيود على حركة العمالة والحرب والانكماش الاقتصادي».


عصابات مدعومة إسرائيلياً تستعرض قدراتها في شمال غزة وجنوبها

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز)
فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز)
TT

عصابات مدعومة إسرائيلياً تستعرض قدراتها في شمال غزة وجنوبها

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز)
فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز)

نفذت عصابات مسلحة تدعمها إسرائيل وتتمركز في مناطق سيطرتها شرق الخط الأصفر في غزة تحركات متزامنة، يوم الاثنين، لاستعراض القدرات العسكرية واللوجيستية في جنوب القطاع وشماله.

وتسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي على نحو 55 في المائة من مساحة غزة تقع شرق الخط الأصفر الافتراضي الذي تم تحديده ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما تسيطر «حماس» على المناطق الواقعة غرب الخط.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وفي جنوب غزة، تقدمت عناصر المجموعة التي يقودها ضابط فلسطيني سابق يُدعى حسام الأسطل، إلى غرب منطقة دوار أبو حميد في وسط خان يونس جنوب غزة، في عملية عدها نشطاء في فصائل غزة «جريئة»؛ إذ اقتربوا من مواقع خيام للنازحين الفلسطينيين فيها عناصر من حركة «حماس» و«كتائب عز الدين القسام» الذراع العسكرية للحركة، وأجهزتها الأمنية والحكومية المختلفة.

وقال مصدر ميداني من فصيل مسلح في خان يونس لـ«الشرق الأوسط»، إن «مسلحي عصابة الأسطل وصلوا منطقة دوار أبو حميد التي تُسيطر القوات الإسرائيلية عن بعد (عبر رشاشات معلقة على ارتفاع يتم التحكم فيها آلياً) على مناطق التماس فيها، باتجاه الغرب حيث مواقع نشطاء (القسام)»، مشيراً إلى أنهم «تجولوا على الأطراف التي يوجد فيها السكان ووزعوا السجائر على المارة».

ولفت المصدر الذي كان شاهد عيان على الاشتباكات إلى أن «طائرات مسيرة (كواد كابتر) إسرائيلية الصنع، كانت تحلق في أجواء المنطقة التي يوجد بها أفراد تلك العناصر، قبل أن يباغتهم بعض عناصر (القسام) بإطلاق قذيفة مضادة للدروع باتجاه إحدى مركباتهم، وإطلاق نار من أسلحة خفيفة باتجاههم عن بعد أمتار قليلة من أماكن تمركزهم».

وبيّن المصدر أن «اشتباكاً وقع بالمكان قبل أن تتدخل الطائرات المسيّرة وتطلق النار في المكان، لتوفر حماية لعناصر العصابة المسلحة الذين انسحبوا باتجاه مناطق تمركزهم جنوب خان يونس، في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي». وأكد المصدر وكذلك أظهرت مقاطع مصورة بثها سكان في القطاع وقوع قتلى وجرحى في صفوف عناصرهم.

فلسطينيون يتابعون اشتباكات بين مقاتلين من فصائل غزة وميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز)

ولم يعرف ما إذا كانت تلك الطائرات تسيّرها قوات إسرائيلية أم عناصر من العصابات المسلحة ذاتها. حيث كشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» قبل أسابيع عن تلقي عناصر تلك العصابات تدريبات لاستخدام هذه الطائرات.

تحركات متزامنة

وتزامنت اشتباكات خان يونس، مع تحركات أخرى بمنطقة فش فرش بمواصي شمال غربي مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بقيام عناصر المجموعة المسلحة المعروفة باسم «عصابة أبو شباب»، عبر توزيع سجائر ودواجن مجمدة وأموال بسيطة لا تتعدى الـ200 شيقل لكل فرد (الشيقل يساوي 3 دولارات).

يقود عصابة «أبو شباب» حالياً شخص يدعى غسان الدهيني، خلفاً لمؤسسها ياسر أبو شباب الذي قُتل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وخلال عملية التوزيع على النازحين في المنطقة التي تسيطر عليها «حماس»، تعرضوا لإطلاق نار وسط اشتباكات، ما أدى إلى مقتل السيدة رشا أبو جزر، وهي حامل في شهرها السابع، واختطاف شاب كان بالمكان قبل أن يُطلق سراحه من قبل عناصر العصابة.

ونفذت العصابات الموجودة في خان يونس ورفح، خلال الشهر الماضي، عمليات مكثفة تتضمن هجمات مسلحة مدعومة بغطاء من النيران الإسرائيلية وعمليات اغتيال لنشطاء من «حماس»، لكنها لم تتمكن من تحقيق وجود منتظم أو إخلاء المواقع التي تهاجمها.

ونفذت مجموعة يقودها ضابط سابق يدعى شوقي أبو نصيرة، عمليات اغتيال وإحراق منازل للغزيين شرق مخيم المغازي، قبل نحو أسبوع، وسبقها بأيام محاولة استدراج عناصر من «القسام» واختطافهم قبل أن تتطور العملية لاشتباكات أدت لمقتل 10 فلسطينيين منهم 8 من الكتائب.

وفي شمال القطاع، وزعت عناصر ما تسمى «عصابة أشرف المنسي» السجائر وحفاضات الأطفال في مناطق يوجد فيها النازحون قرب بيت لاهيا وجباليا، حيث لوحظ تركيز جميع العصابات على توزيع احتياجات مفقودة لدى سكان القطاع.

وكثيراً ما تتعهد «حماس» بالتعاون مع فصائل فلسطينية بالعمل على تفكيك هذه العصابات وملاحقتها، واعتقلت قوة تتبعها، اثنين من أفراد تلك العصابات خلال محاولة زيارة أحد الأقارب في منطقة وسط القطاع قبل يومين.

وطالبت «حماس» خلال اجتماعات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار، بإلزام إسرائيل بالتوقف عن دعم تلك العصابات المسلحة؛ إلا أن تل أبيب رفضت وعدّت ذلك شأناً فلسطينياً داخلياً.

اغتيالات

وفي إطار التصعيد الميداني الإسرائيلي المستمر، قصفت طائرة مسيرة إسرائيلية، فجر الاثنين، مجموعة من عناصر «كتائب القسام» ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 3 آخرين في مخيم البريج وسط قطاع غزة، أثناء انتشارهم على حاجز أمني لمنع محاولة تسلل أي من عناصر العصابات المسلحة، وكذلك أي قوات خاصة إسرائيلية.

وتزامن هذا القصف مع آخر استهدف نقطة أخرى غرب مدينة غزة ما أدى لوقوع 3 إصابات من عناصر شرطة «حماس».

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

فيما قتل فلسطيني وأصيب 3 آخرون، قبيل ظهر الاثنين، إثر استهداف عمال كانوا يرممون بئراً للمياه في منطقة بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، بينما أصيب كثير من الغزيين في إطلاق نار متقطع من آليات ومسيّرات ورافعات إسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع، في حادث يتكرر يومياً.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي إلى أكثر من 777 قتيلاً، وأكثر من 2190 مصاباً، حسب وزارة الصحة في غزة.


باريس حريصة على أن تكون قريبة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

باريس حريصة على أن تكون قريبة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تأتي زيارة رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى باريس التي يصلها من دوقية لوكسمبورغ بعد لقاء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في «لحظة حرجة» بالنسبة للبنان. وترى مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية أن جولة سلام، رغم اقتصارها على محطتين، «بالغة الأهمية» لجهة إيصال صوت لبنان إلى العواصم الأوروبية، مضيفة أنه رغم استبعادها من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المقبلة، فإن فرنسا قادرة على «لعب دور إيجابي ولصالح لبنان».

وتؤكد المصادر المشار إليها أن باريس «تريد أن تكون إلى جانب لبنان» في هذه المفاوضات، وأنها «لعبت وتلعب دوراً مهماً في إيصال مجموعة من الرسائل إلى الأطراف كافة». من هنا، فإنها عبرت عن «انزعاجها» من تصريحات يحيئيل ليتر، السفير الإسرائيلي في واشنطن، بعد جلسة المحادثات مع سفيرة لبنان ندى معوض بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وقال ليتر: «إننا، بالتأكيد، لا نريد أن نرى الفرنسيين يتدخلون في هذه المفاوضات» مضيفاً أن «وجودهم ليس ضرورياً؛ إذ ليس لهم أي تأثير إيجابي، لا سيما في لبنان». ومهما يكن الموقف الإسرائيلي، فإن المصادر الفرنسية تؤكد أن تواصلها مع الطرف الأميركي «قائم دوماً»، وأنها «دائمة التنسيق معه»، وقد «لعبت دوراً» لإقناع الرئيس دونالد ترمب بفرض وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» لمدة 10 أيام، وأنها تسعى لأن يتم تمديده.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وهناك ملفات كثيرة ستُطرح خلال الاجتماع بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونواف سلام، عصر الثلاثاء، في قصر الإليزيه الذي استبق الزيارة لإعادة التأكيد على المواقف الثابتة لباريس إزاء لبنان سواء بالنسبة لاحترام وقف إطلاق النار، أو دعم استقرار وسيادة الدولة على جميع أراضي الجمهورية، والوصول إلى حصرية السلاح بيد القوى الشرعية. وترى باريس أن الهدف الأخير يمثل «السبيل الوحيد لتوفير الاستقرار المستدام في لبنان، والعيش بسلام مع جيرانه»، في إشارة إلى إسرائيل.

دور فرنسي في المفاوضات

كان لا بد من أن تأتي باريس على أنواع الدعم الذي توفره للبنان، وتمسكها بالإصلاحات المطلوبة من الحكومة اللبنانية كمقدمة لمؤتمر دعم لبنان المؤجل حتى تنفيذ هذه الإصلاحات، علماً أن مؤتمر دعم الجيش كان مقرراً في 5 مارس (آذار) الماضي بسبب الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، ولا موعد جديداً لعقده حتى اليوم. والمستجد هو مقتل جندي فرنسي من قوة «يونيفيل» في حادث تحمِّل باريس مسؤوليته لـ«حزب الله»، وتشدد على ضرورة جلاء ظروفه، والقبض على المسؤولين عنه ومحاكمتهم.

لا شك أن ملف المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل سيحتل القسم الأكبر من لقاء ماكرون - سلام. وتجدر الإشارة إلى أن باريس أعدت «ورقة غير رسمية» لمفاوضات لبنانية - إسرائيلية تهدف إلى إنهاء حالة الحرب بين الطرفين. وقد حاول جان نويل بارو، وزير الخارجية، في زيارته للبنان وإسرائيل من 18 إلى 20 مارس الماضي تسويقها، لكن إسرائيل تحفظت عليها، كذلك عرضت باريس استضافة المفاوضات، لكن من الواضح أنها لن تحدث على الأراضي الفرنسية. وفي تصريحاته، الاثنين، لم يذكر الرئيس جوزيف عون زمن انطلاقها أو مكان انعقادها. وعلى أية حال، فإن الدبلوماسية الفرنسية لن تكون بعيدة عن هذه المفاوضات عند انطلاقها، رغم أن الجانب اللبناني يراهن على «الصديق» الأميركي «وفق تسمية عون»؛ للضغط على إسرائيل، ولجم تصرفاتها في لبنان. وعلى أية حال، فإن القناعة الفرنسية تؤكد أن لبنان «سيكون بحاجة لدعم أصدقائه» في العالم وأولهم، داخل الاتحاد الأوروبي، فرنسا.

رجل يقود دراجته النارية في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يعم الدمار المكان (إ.ب.أ)

تريد باريس أن تحقق المفاوضات نتائج إيجابية؛ ولذا، فإن، وفق مصادرها، تعمل على تنفيذ بعض المقترحات «العملية» حول كيفية «تسهيل» مجرياتها حتى لا تواجه، منذ انطلاقها، جبلاً من الصعوبات وافتراق المواقف، خصوصاً في موضوع نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

والسؤال المطروح: ما الذي يتعين أن يتحقق أولاً؟ حصر السلاح أم الانسحاب؟ والواضح أن كل طرف يستخدم موقف الطرف الآخر لتبرير موقفه؛ لذا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح العمل بمبدأ «الخطوات المتوازية والمتقابلة»، بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» أولاً وبالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية.

فراغ ما بعد «يونيفيل»

ثمة موضوعان إضافيان سيحظيان بالمناقشة بين ماكرون وسلام، الأول هو الاعتداء على عناصر من الوحدة الفرنسية العاملة في إطار قوة السلام الدولية في جنوب لبنان منذ عام 1978؛ حيث قُتل عسكري برتبة رقيب، وجرح ثلاثة آخرون. ويرتبط هذا الملف عضوياً بملف إضافي يدور حول كيفية ملء الفراغ في الجنوب اللبناني بعد رحيل «يونيفيل» مع نهاية العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن قرار التجديد للقوة الدولية الذي تم، الصيف الماضي، نص على أنه الأخير، وذلك بضغط أميركي ــ إسرائيلي، بينما بذلت فرنسا جهوداً كبيرة لتجنبه. وليس سراً أن باريس تقوم بالعديد من الاتصالات، خصوصاً مع الدول الأوروبية المعنية بالإبقاء على حضور عسكري لها في الجنوب اللبناني، ومنها إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وهولندا... وثمة العديد من الطروحات قيد المناقشة، وتتناول مهمة القوة متعددة الجنسيات وانتدابها وتمويلها، علماً أن ثمة من يريد أن تكون تحت راية الأمم المتحدة. ولا شك أن المشاورات سوف تتكثف كلما اقترب موعد رحيل «يونيفيل».


ثلة من الجنود الفرنسيين تحمل نعش الرقيب الفرنسي فلوريان مونتورو الذي قتل في جنوب لبنان خلال نقله إلى طائرة في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (رويترز)

وبخصوص الموضوع الأول، فإن باريس سارعت لكشف ما تريده من السلطات اللبنانية وهو التحرك السريع لكشف المسؤولين عن الحادث وملاحقتهم ومحاكمتهم. وقال بارو، الأحد، إن باريس «تلقت تأكيدات بأن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم». ودعا الوزير الفرنسي إلى استئناف الخطة الحكومية المكونة من عدة مراحل لجمع سلاح «حزب الله» بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، وقد أنجزت أولاها، نهاية العام الماضي. وبنظره «يجب استئناف (الخطة)؛ لأن... الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».