العراق: الطحالب والنبتات الغازية والبكتيريا تفترش نهر الفرات

قوارب صيد خشبية تقليدية مهجورة في أهوار جافة بمحافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)
قوارب صيد خشبية تقليدية مهجورة في أهوار جافة بمحافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)
TT

العراق: الطحالب والنبتات الغازية والبكتيريا تفترش نهر الفرات

قوارب صيد خشبية تقليدية مهجورة في أهوار جافة بمحافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)
قوارب صيد خشبية تقليدية مهجورة في أهوار جافة بمحافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

تراجع مستوى نهر الفرات خلال الأسابيع الأخيرة إلى «أدنى مستوياته»، حسبما قالت السلطات العراقية وخبير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في وقت يعاني العراق جفافاً يلحق به أسوأ أزمة شح مياه في تاريخه الحديث.

وتباطأ تدفق الفرات بشكل كبير في جنوب العراق خصوصاً، ما قد يؤدي إلى تفاقم تلوث المياه، وتمدّد الطحالب ونبتات أخرى تُهدد بانسداد المجاري المائية.

ومنذ سنوات، يعاني العراق، البالغ عدد سكانه أكثر من 46 مليون شخص، جفافاً شديداً وارتفاعاً في درجات الحرارة، وتراجعاً في معدل المتساقطات.

قارب صيد خشبي تقليدي مهجور في أهوار جافة بمحافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

وتُندد حكومة بغداد بانتظام بإقامة تركيا وإيران المجاورتين سدوداً على المسطحات المائية التي تتشاركها مع كلٍّ منهما، متّهمة إياهما بأنهما تقللان بشكل كبير من تدفق نهري دجلة والفرات، اللذين يرويان المنطقة منذ آلاف السنوات لدى وصولهما إلى الأراضي العراقية.

وقال الأستاذ في جامعة الكوفة، حسن الخطيب: «يُسجل نهر الفرات خلال الأسابيع الأخيرة أدنى مستوياته منذ عقود، وتراجع جريانه إلى حد كبير، خصوصاً في المنطقة الجنوبية». ورأى أن ذلك «يُفاقم أزمة التلوث، ويربك النظام الحيوي المائي في النهر من خلال اتساع انتشار الطحالب وكثافتها، التي من شأنها أن تؤثر على الحياة داخل النهر، فضلاً عن بروز تأثير أكبر لنبات زهرة النيل».

ونبّه المتحدث باسم وزارة الموارد المائية، خالد شمال، بأن العراق «لديه اليوم أقل خزين مائي في تاريخه، ويتلقّى أقل من 35 في المائة من الحصة المائية التي يُفترض أن يتسلمها» من دجلة والفرات. وتقول السلطات إن ذلك يُرغمها على إطلاق كميات مياه من السدود تكون أكبر من التي يتلقاها البلد.

تظهر قوارب صيد خشبية تقليدية مهجورة في أهوار جافة بمحافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

وتراجع الاحتياطي المائي في السدود والخزانات، الذي يقلّ اليوم عن 8 في المائة من طاقة التخزين، من نحو 10 مليارات متر مكعّب في نهاية مايو (أيار) إلى 8 مليارات متر مكعّب مطلع سبتمبر (أيلول)، وفق السلطات.

وأشار الخطيب إلى أن إطلاق المياه من الاحتياطيات القديمة لتغذية النهر أدَّى إلى انتشار الطحالب التي تمتص الأكسجين من الماء، وتُعرض الحياة المائية للخطر.

وحذّرت وزارة البيئة العراقية، الأحد، من أن انخفاض منسوب الفرات في محافظة كربلاء قد يُفاقم التلوث البكتيري. وفي محافظة النجف المجاورة، أكَّد مدير دائرة البيئة جمال عبد زيد الأسبوع الماضي أن جودة «المياه الخام الموجودة في نهر الفرات (...) انخفضت جدّاً».

وفي بحر النجف، البحيرة التي كانت خصبة في السابق تحوَّلت إلى برك راكدة موزعة في أنحاء الحوض. وفي مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار، شوهدت أزهار أرجوانية معروفة باسم «زهرة النيل» تطفو على سطح المياه، وتتجذّر في نهر الفرات، وهي منتشرة في العراق منذ تسعينات القرن الماضي.

خزان مدمر من مستنقعات جافة يظهر في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

وتمتص كل واحدة من هذه الأزهار يومياً ما يصل إلى 5 لترات من المياه، وتُشكّل أوراقها طبقة معتمة على سطح الماء، ما يقلل من كمية الأكسجين التي تصل إلى مختلف الأنواع التي تعيش في المياه حتى اختفائها بالكامل. وهذه النبتة مدرجة منذ عام 2016 في قائمة المفوضية الأوروبية للنبات الغازي.

وقالت وزارة البيئة العراقية أول من أمس (الاثنين)، إن «مديريات الماء في مدن الفرات الأوسط تعتمد معايير علمية دقيقة لتنقية المياه الصالحة للاستخدام البشري»، مؤكدة أن «نوعية المياه ضمن المواصفات القياسية المقبولة» وصالحة للاستخدام البشري.


مقالات ذات صلة

الرئيس العراقي الجديد يتسلم مهامه في «قصر بغداد»

المشرق العربي من التسلم والتسليم في «قصر بغداد» (واع)

الرئيس العراقي الجديد يتسلم مهامه في «قصر بغداد»

وصف الرئيس آميدي آلية التداول السلمي للسلطة، بأنها «تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ دعائم الديمقراطية، وتعزيز استقرار الدولة».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)

انتخاب الرئيس العراقي الجديد يزيد تعقيد المشهد السياسي الكردي

يضفي اعتراض الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني على انتخاب نزار آميدي لرئاسة الجمهورية، مزيداً من التعقيد والغموض على المشهد السياسي الكردي.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب) p-circle

تقدم احتمالات تكليف السوداني رئاسة الحكومة العراقية مجدداً

حذر رئيس «مجلس القضاء الأعلى»، فائق زيدان، من مغبة الاستمرار في تجاوز المدد الدستورية، عادّاً أن عدم وجود «شرط جزائي» لا يعني الاستمرار في هذه المعادلة.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

خاص البرلمان العراقي ينتخب الرئيس السادس للبلاد

انتخب مجلس النواب العراقي نزار آميدي رئيساً للجمهورية، بعد فوزه بجولة ثانية من التصويت، إثر منافسة مع 16 مرشحاً وانسحاب الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد.

حمزة مصطفى (بغداد)
بروفايل الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي (واع)

بروفايل نزار آميدي... من هو أمين أسرار طالباني ورئيس العراق السادس؟

بعدما كسب ثقة البرلمان الاتحادي للتصويت عليه رئيساً للجمهورية، أصبح نزار آميدي، أمين أسرار الراحل جلال طالباني، سادس رئيس للعراق.

فاضل النشمي (بغداد)

الرئيس العراقي الجديد يتسلم مهامه في «قصر بغداد»

من التسلم والتسليم في «قصر بغداد» (واع)
من التسلم والتسليم في «قصر بغداد» (واع)
TT

الرئيس العراقي الجديد يتسلم مهامه في «قصر بغداد»

من التسلم والتسليم في «قصر بغداد» (واع)
من التسلم والتسليم في «قصر بغداد» (واع)

تسلم الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي، الأحد، مهام عمله في «قصر بغداد» بمراسم رئاسية من الرئيس السابق عبد اللطيف جمال رشيد.

وذكر بيان للرئاسة العراقية أن مراسم التسليم استُهلت بعزف السلام الجمهوري، ثم تم استعراض «حرس الشرف في مشهد يعكس رمزية الدولة وهيبتها».

الرئيس العراقي يستعرض حرس الشرف في «قصر بغداد» (واع)

ووصف الرئيس آميدي آلية التداول السلمي للسلطة بأنها «تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ دعائم الديمقراطية، وتعزيز استقرار الدولة».

إضافة إلى ذلك، استقبل الرئيس العراقي الجديد رئيس وأعضاء حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة بافل طالباني؛ حيث جرى بحث مجمل الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وتطورات الأوضاع في المنطقة.

وحسب البيان الرئاسي، «تم تأكيد أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار، وتحقيق المصالح المشتركة، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات الراهنة، والعمل على دعم مسار الحوار والتفاهم بين مختلف القوى السياسية، بما يحقق تطلعات الشعب العراقي في الأمن والتنمية والاستقرار».


هل يمنع الدستور اللبناني التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران والحزب في تحرك احتجاجي رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران والحزب في تحرك احتجاجي رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (إ.ب.أ)
TT

هل يمنع الدستور اللبناني التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران والحزب في تحرك احتجاجي رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران والحزب في تحرك احتجاجي رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (إ.ب.أ)

يسود بين الأوساط السياسية والشعبية في لبنان جدال عن الموقف الدستوري والقانوني من التفاوض اللبناني - الإسرائيلي المباشر، وذلك عقب محاولة «حزب الله» عرقلته، بعدما انطلق قبل أيام في واشنطن عبر اتصال هاتفي بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، على أن يُستكمل يوم الثلاثاء باجتماع في وزارة الخارجية الأميركية.

فـ«حزب الله» لم يكتفِ بإطلاق سهامه السياسية على هذا المسار، بل ذهب هو وجمهوره إلى اعتباره محفوفاً بعقبات قانونية ودستورية، مطالبين بإجراء تعديلات قبل البتّ أو الانطلاق في أي خطوة في هذا الاتجاه.

وقال عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل، إن «موقفنا وموقف (حركة أمل) (برئاسة رئيس البرلمان نبيه بري) هو الرفض الكامل لأي تفاوض مباشر مع العدو الإسرائيلي»، معتبراً أن «الأمر يحتاج إلى تعديل دستوري».

وقد تبنّى جمهور الحزب هذه السردية، متهمين الدولة اللبنانية، ممثلة في رئيسي الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نواف سلام، بـ«الانقلاب على القوانين والدستور اللبناني».

الدستور لا يمنع

إلا أن التدقيق في مواد الدستور اللبناني لا يُظهر أي إشارة إلى إسرائيل أو التواصل معها. ويوضح الخبير القانوني والدستوري، سعيد مالك، أن الزعم بأن أي تفاوض مع إسرائيل يستلزم تعديلاً دستورياً «زعمٌ غير دقيق، إذ إن الدستور لا يحظر من حيث الأصل التفاوض المباشر معها، بل لا يرد فيه ذكر لإسرائيل إطلاقاً. حتى إن المادة الأولى، التي حدّدت الحدود الجنوبية للبنان، لم تتطرق لا إلى إسرائيل ولا إلى فلسطين المحتلة».

وقد شهد لبنان بالفعل توقيع عدد من الاتفاقيات مع إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. من بينها اتفاقية الهدنة عام 1949، واتفاق 17 مايو (أيار) 1983 (الذي أُلغي لاحقاً)، وكذلك تفاهم أبريل (نيسان) 1996، والقرار «1701» عام 2006، واتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، إضافة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران والحزب في تحرك احتجاجي رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (إ.ب.أ)

قانونان ينظمان العلاقة مع إسرائيل

أما بالنسبة للقوانين التي قد تحول دون التواصل مع إسرائيل، فيتحدث مالك عن قانونين؛ الأول قانون العقوبات اللبناني، والثاني قانون مقاطعة إسرائيل الصادر بتاريخ 23 يونيو (حزيران) 1955، مشيراً إلى أن «هذين القانونين يحظران على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين إجراء تعاملات أو صفقات أو عمليات مالية مع جهات إسرائيلية، كما يمنعان دخول بلاد العدو».

ويضيف: «غير أن هذه القوانين لا تنطبقان على الدولة التي تُحدد سياستها الخارجية، وتقرر ما إذا كانت ترغب في التفاوض مع طرف معيّن. وعليه، فإن التلويح بملاحقة السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة (ندى حمادة معوض) في غير محله».

مشاركون في تحرك دعا له «حزب الله» رفضاً للتفاوض مع إسرائيل يرفعون شعار «المقاومة خيارنا» (أ.ف.ب)

دور رئيس الجمهورية

ويلفت مالك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «المادة 52 من الدستور اللبناني أناطت برئيس الجمهورية صلاحية التفاوض بشأن عقد المعاهدات وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على ألا تصبح هذه المعاهدات أو الاتفاقيات نافذة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء عليها. كما يتعين على الحكومة إطلاع مجلس النواب عليها عندما تسمح مصلحة البلاد وسلامة الدولة بذلك. أما المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنوياً، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب».

وأضاف مالك: «كما أن المادة 49 من الدستور أناطت به مهمة السهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وعليه، عندما يرى رئيس الجمهورية أن استقلال لبنان مهدد، وأن وحدة أراضيه في خطر، وأن جزءاً من أراضيه محتل، فإن اتخاذه قرار التفاوض، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، لا يمنعه أي نص قانوني».

مواقف القوى السياسية

سياسياً، لم تصدر أي مواقف تعترض على قرار التفاوض المباشر مع إسرائيل، باستثناء موقف «حزب الله». ففي حين بدت القوى التي تُعرّف نفسها بـ«السيادية»، وفي مقدّمها حزبا «القوات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية»، داعمةً بالكامل هذا التوجه، أعلنت قيادة «التيار الوطني الحر» تأييدها «المطلق مبدأ التفاوض مع إسرائيل وإحلال السلام»، معتبرةً أن «التفاوض المباشر ورقة تكتيكية يمكن استخدامها في الوقت المناسب لتحقيق غاياتها».

أما الحزب «التقدمي الاشتراكي» فيدعو إلى أن «يكون هناك مسار تفاوضي خاص بلبنان موازٍ للتفاوض الأميركي الإيراني».

وقالت مصادر الحزب لـ«الشرق الأوسط» إن «قيادة الحزب تؤيد العودة إلى جوهر اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 نوفمبر 2024، بما يفضي إلى تطبيق فعلي للقرار (1701)، والعودة إلى اتفاقية عام 1949 مع إدخال بعض التعديلات».

لبنانية وعناصر في أمن الدولة يبكون 13 عسكرياً قُتلوا في استهداف إسرائيلي لمقر «أمن الدولة» في النبطية وشُيّعوا في مراسم عسكرية السبت (رويترز)

في هذا السياق، عدّ النائب أحمد الخير أن كلام النائب فضل الله لجهة أن التفاوض مع إسرائيل يتطلب تعديلاً دستورياً، «ينم عن انفصام سياسي وجهل بالدستور».

وأضاف: «حبّذا لو يخبر فضل الله، الذي يبدي حرصه على الدستور، اللبنانيين بماذا ينص الدستور في مسألة قرار الحرب والسلم، وماذا يعني احتكار هذا القرار من قبل حزبه الذي يواصل، من خلال تبعيته لإيران، توريط لبنان بحروب لم تقررها الدولة التي يفترض أن يكون لها القرار بذلك، وحبذا لو يخبر اللبنانيين بماذا ينص الدستور في مسألة بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها، وماذا يعني استمرار حزبه بتحدي قرارات الدولة بشأن حصر السلاح والالتفاف على قرارات الحكومة وتعطيل تطبيق الدستور؟!».

وأكد الخير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الوقوف خلف قرار الدولة في مسار التفاوض المباشر لوقف الحرب وويلاتها، واستعادة القرار الوطني، مع تأكيد أن لبنان في أي مسار تفاوضي كان وسيبقى تحت سقف الموقف العربي الذي يتبنى مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في عام 2002، بوصفها إطاراً جامعاً لأي تسوية عادلة وشاملة في المنطقة».


انتخاب الرئيس العراقي الجديد يزيد تعقيد المشهد السياسي الكردي

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)
TT

انتخاب الرئيس العراقي الجديد يزيد تعقيد المشهد السياسي الكردي

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)

يضفي اعتراض الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني على انتخاب نزار آميدي لرئاسة الجمهورية، مزيداً من التعقيد والغموض على المشهد السياسي الكردي خصوصاً، والعراقي عموماً، بعد دعوته ممثليه في الحكومة والبرلمان الاتحادي، للعودة إلى كردستان «للتشاور».

وتتهم مصادر كردية مقربة من الحزب، الفصائل المسلحة الممثلة في البرلمان: «بالزج ببعض عناصرها لإكمال نصاب جلسة انتخاب الرئيس» التي تتطلب أغلبية الثلثين، بمعنى حضور 220 من أصل 329 نائباً.

البرلمان العراقي (إكس)

وصوَّت البرلمان بأغلبية الثلثين، السبت، على انتخاب المرشح عن حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني نزار آميدي رئيساً للجمهورية، بعد تعثر طال أكثر من 4 أشهر، نتيجة غياب التوافق بين الحزبين الكرديين الرئيسين، على المنصب، فضلاً عن فضاء واسع من الخلافات حول تشكيل حكومة إقليم كردستان.

وغاب عن جلسة انتخاب الرئيس، إلى جانب الحزب «الديمقراطي»، ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، في مؤشر على مزيد من الانقسام والضبابية على المستويين الكردي والشيعي بالنسبة لقوى «الإطار التنسيقي».

سحب ممثلي الإقليم للتشاور

وبمجرد انتخاب الرئيس آميدي داخل البرلمان، أكد «الديمقراطي الكردستاني»، مساء السبت، أنه لن يتعامل مع انتخابه رئيساً لجمهورية العراق، ووجَّه ممثليه في مجلس النواب وفي الحكومة الاتحادية العراقية بالعودة إلى إقليم كردستان للتشاور.

وقال: «الديمقراطي» في بيان، إن «عملية انتخاب رئيس الجمهورية في مجلس النواب العراقي، جرت بطريقة خارجة عن النظام الداخلي المصادق عليه للمجلس؛ حيث حددت رئاسة مجلس النواب جدول أعمال الجلسة، من دون الاكتراث بالنظام الداخلي للمجلس، وهو ما يعدُّ انتهاكاً للقانون».

وأضاف أن «المرشح الذي تم تحديده لمنصب رئيس الجمهورية كان خارج الآلية الكردستانية، في وقتٍ يعتبر هذا المنصب استحقاقاً لشعب كردستان وليس لحزب معين، إلا أن هذا المرشح تم تحديده للمنصب من قبل حزب واحد، وصادقت عليه عدة أطراف من المكونات العراقية الأخرى».

وعبَّر «الحزب الديمقراطي» عن رفضه أسلوب الانتخاب هذا، مستطرداً: «لا نعتبر الشخص الذي يتم اختياره بهذه الطريقة ممثلاً للأغلبية الكردستانية».

وختم بيانه بالقول: «في الوقت الحالي، ومن أجل تقييم الوضع والتشاور، سيعود كل من كتلة حزبنا في مجلس النواب وفي الحكومة الاتحادية العراقية إلى إقليم كردستان».

ولم يحدد الحزب الخطوة اللاحقة لسحب ممثليه، وما إذا كانت ستعرقل مسار تشكيل الحكومة في إقليم كردستان أشهراً مقبلة.

وقبل جلسة انتخاب الرئيس ببضعة أيام، أبدى مسعود بارزاني اعتراضاً عليها، وربطها بحسم اختيار مرشح لرئاسة الوزراء من قبل القوى الشيعية، وقال في تدوينة عبر «إكس»، إن «إصرار بعض أطراف (الإطار التنسيقي) على المضي في انتخاب رئيس الجمهورية، مقابل استمرار البعض في عدم حسم مرشح رئاسة مجلس الوزراء، يُعدُّ أمراً غير مقبول. ونؤكد بشكل قاطع عدم المضي بأي استحقاق دستوري قبل حسم هذا الملف بالتزامن، بما يكفل حضور ومشاركة جميع الأطراف في الجلسة المقبلة لمجلس النواب».

وبعيداً عن البيانات ووجهات النظر الحزبية، يرى الصحافي الكردي سامان نوح، أن «التوجه الحاصل بالنسبة لـ(الديمقراطي) وكردستان غير مسبوق، ويزيد من تعقيد الأوضاع في الإقليم الذي يواجه أزمات بنيوية كبرى؛ حيث عجز الحزبان عن تشكيل حكومة جديدة منذ عام ونصف عام، والبرلمان معطل منذ سنوات، وهناك وضع اقتصادي صعب جداً».

وكتب نوح في تدوينة عبر «فيسبوك»: «يمثل الصراع على منصب رئاسة الجمهورية، وتفضيل المصالح الحزبية والخاصة على المصلحة الكردية الجامعة، أبرز مثال على حجم الأزمة الكردية والتراجع في المتبنيات القومية. فالصراع الذي يتكرر منذ عدة دورات يضعف التمثيل الكردي إلى حد مدمر».

خلل في النصاب

وبعيداً عن الاتهامات التي توجهها مصادر كردية للفصائل، بإكمال نصاب جلسة التصويت، يقول الكاتب والباحث كفاح محمود، إن «ما حصل في جلسة البرلمان، وكما قالت النائبة إخلاص الدليمي وغيرها من النواب، كان خرقاً واضحاً للقانون؛ إذ لم يوجد داخل الجلسة أكثر من 180 نائباً، بينما المطلوب حضور 220 نائباً».

وقال محمود لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن ما حصل تجاوز حتى على العملية السياسية. المؤسف أن البعض حاول تحريك المياه الراكدة عبر انتخاب الرئيس، ولكن الذي حدث أنهم أضافوا مزيداً من التعقيد على المشهد السياسي».

وأضاف محمود أن «الحزب الديمقراطي لم يتدخل في خيارات بقية المكونات لمرشحيها، ولكنهم في المقابل يتدخلون في خيارات المكون الكردي، ووقفوا مع خيار طرف كردي واحد، وهذا أمر مؤسف ولا يشجع على بناء الثقة في المسار السياسي».

انتخاب دستوري

لكن في مقابل الغضب الذي تبديه أوساط «الديمقراطي الكردستاني»، يرى القيادي في حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، سوران الداودي، أن «مرشح الاتحاد الوطني التزم بالسياقات القانونية والدستورية في ترشحه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال توصيف ذلك بالخيانة».

قلعة أربيل في كردستان (متداولة)

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «العمل السياسي بطبيعته قائم على التحالفات، والاتحاد الوطني ليس استثناءً؛ بل هو يمارس ما تمارسه جميع القوى، بما فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي سبق له أن عقد تحالفات مع قوى شيعية وسُنية دون أن يُتَّهم بالخيانة».

وأكد الداودي أن «عدداً من القوى الكردية شارك في جلسة الانتخاب، باستثناء الإخوة في الحزب الديمقراطي، وهو موقف سياسي يُحترم؛ لكنه لا يبرر تخوين الآخرين».

وخلص إلى القول: «نأمل ألا تنعكس هذه الخلافات على مصلحة المواطنين، فالجميع اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتشكيل حكومة إقليم كردستان، والعمل الجاد على توحيد البيت الكردي. وأي طرف يعرقل هذا المسار سيتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين».