مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

منفيون تحت التراب

استمع إلى المقالة

كانت المكالمة للاطمئنان على صحة أحد أقربائه، وهو صديق قديم وواحد من وجهاء منطقته، وفاعل اجتماعي يحظى بسمعة طيبة واحترام كبير، كما أنه نازح حالي منذ حرب الإسناد الأولى، فقدَ كل ما يملك كغيره من سكان القرى الحدودية، وتُقلقه حرب إسناد ثالثة قد لا تقضي على آمال الجنوبيين بالعودة أحياء، بل حتى أمواتاً.

في وصف حالته، يفرض عليه موقعه الاجتماعي الاهتمام بشؤون النزوح وشجونه، والمصاعب التي تلاحق أهل الجنوب اللبناني النازحين، وآخرها تأمين المقابر للمتوفين منهم. فما طرحه أو طلبه صديقي كان مبادرة لاستحصال قطعة أرض من مشاعات الدولة اللبنانية، وتحويلها إلى مقبرة لأبناء بلدات جنوبية تعرضت لإبادة عمرانية كاملة، وتقع ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، حيث تبدو العودة إليها مستبعدة في المدى القريب أو المتوسط؛ حيث لم يعد الأمر يتعلق بمقبرة بديلة فحسب، بل بضرورة إيجاد مكان يليق بموتى النزوح، بعدما تعذرت عودتهم إلى ترابهم.

في التغريبة الجنوبية، يعاني النازحون الأحياء صعوبة التأقلم مع أماكنهم المؤقتة، أما النازحون الموتى فباتوا جثامين تُدفن كودائع في مقابر مؤقتة، بانتظار عودتها إلى تربتهم الأولى. فالموت يبدو أكثر قسوة وغربة؛ لأنه إذا مات نازح، ففي أيِّ ثرى سوف يوارونه؟

كأن الجنوبيين يستنسخون التغريبة الفلسطينية بكل فصولها منذ حروب الإبادة الإسرائيلية المستمرة عليهما: من نزوح مؤقت إلى لجوء دائم، من الكفاح المسلح إلى حروب الإسناد، من الخيام إلى البيوت الجاهزة، من مدافن الشهداء إلى مقابر الغرباء، من البحث عن مأوى إلى شروط الدفن. فأكثر ما يواجه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قضية المدافن والحصول على قطعة أرض، وهذا ما يعاني منه النازحون الجنوبيون الآن بكل تفاصيله.

في التعاقب أو التزامن الفلسطيني - اللبناني خلال حروب التطهير العرقي الإسرائيلية الممتدة، رأى الراحل الكبير محمود درويش أن القبر مرآة للهوية والتاريخ. وفي قصيدته «رأيت الوداع الأخير»، يطرح سؤالاً بالغ القسوة، يقول: «ولكنني لا أرى القبر بعد. ألا قبر لي بعد هذا التعب؟». هو التعب الفلسطيني - اللبناني، وهو سؤال أهل الجنوب الذي طرحه درويش قبل عقود: هل أصبحنا ودائع في قبور مؤقتة بعد هذا التعب؟ فما لم يدركه أولئك المقامرون بالأحياء والأموات من أهل الجنوب أن أخطر ما في النزوح ليس أن يُقتلع الإنسان من بيته، بل أن يُقطع عن المكان الذي يربط حياته بحياة أسلافه، ويمنح موته معنى الانتماء.

فالمقبرة هنا لم تعد مجرد مساحة لاحتضان الجسد أو شاهد يوضع فوق قبر، بل لحظة اكتمال الانتماء إلى بقعة من الأرض، من المهد إلى اللحد. فيها الوصل بين الذاكرة الجماعية للعائلة وأجيالها المتعاقبة، وبين سيرة الأحياء وحكايات الذين سبقوهم. فالإنسان لا يرث أرضه من الأحياء وحدهم، بل من الموتى الذين يرقدون فيها، ويتركها بدوره أمانة لمن سيأتي بعده.

وعليه، بالنسبة إلينا نحن الأحياء على حافة الحرب أو النازحين على حافة الموت، يصبح القبر آخر حلقة في سلسلة النسب والذاكرة والانتماء إلى المكان.