في كتابه «محاوراتي مع السادات» روى الأستاذ أحمد بهاء الدين جانباً طريفاً من حوار طويل جرى بينه وبين الرئيس أنور السادات.
كان ذلك في أعقاب نصر أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وكانت مصر تتوجه إلى اقتصاد السوق وتتخلص من فكر القطاع العام في نهجها الاقتصادي، وكانت القاهرة تتهيأ لاسترداد ما يتبقى من أرض سيناء بالسلام، بعد أن استردت ما استردته منها بالحرب، وكانت الدولة تستعد لمسار سياسي مختلف يسمح بوجود الأحزاب ذات الرؤى السياسية المختلفة.
كل ذلك أوحى إلى بهاء الدين، وهو جالس مع رأس الدولة في الاستراحة الرئاسية في القناطر الخيرية شمال القاهرة، بأن مثل هذه التوجهات الجديدة على المستويات السياسية والاقتصادية بالذات، إنما تحتاج بالضرورة إلى دستور جديد يؤسس لها ويُرسخ؛ حتى لا تكون مجرد خطوات هائمة لا يربطها رابط ولا يجمع بينها جامع.
وكان أن توجه إلى السادات بالسؤال عن أهمية أن يوضع دستور جديد للبلاد، وعما إذا كانت فكرة كهذه تشغل بال الرئيس أو تضغط عليه؟ راح السادات يتطلع إلى أحمد بهاء الدين بشيء من الاستغراب، ثم قال: «دستور إيه يا أحمد؟ أنا وعبد الناصر آخر الفراعنة الذين لا يحتاجون دستوراً ليحكموا». توقف بعدها قليلاً ليعود مستكملاً حديثه وسط دهشة بهاء الدين: «سوف يأتي من بعدي رؤساء آخرون عاديون، وسوف يكونون في حاجة إلى دستور ليحكموا، أو يمشّوا شغلهم»، على حد تعبيره!
كانت الدهشة قد سيطرت على صاحب السؤال إلى حد لم يعرف معه ماذا بمقدوره أن يقول، ولا بأي كلام يمكنه أن يرد. فلقد أيقن من كلام السادات أن موضوع الدستور لا يشغله، وأنه حتى لو طاوع المطالبين بدستور جديد فقرر صياغته ووضعه، فلن يكون في حاجة إليه، ولن تقيده مواده في شيء، وسيحكم كما حكم عبد الناصر والفراعنة من قبلهما، من دون حاجة إلى نصوص دستورية مكتوبة يعود إليها أو يتكئ عليها أمام الناس.
طبعاً عاد السادات بعدها في 1980 فأعاد صياغة بعض مواد الدستور، وبالذات المادة التي تحدد مدة بقائه في القصر، وجعلها مدة مفتوحة بغير سقف، ولكن شاء الله ألا يستفيد هو منها في شيء، وأن يغادر الدنيا في يوم عيده وبين جنوده، وأن يستفيد منها الرئيس مبارك الذي جاء من بعده فبقي في الحكم ثلاثين سنة!
وهكذا، يتبين أن الرئيس السادات عندما فكر في أن يبقى لفترة مضافة على الكرسي، لم يجد مفراً من العودة للدستور وإعادة صياغة بعض ما فيه، ولكن المشكلة كانت أن الوقت لم يسعفه، وأنه لم يكن يدري أنه كان يفتح الطريق أمام القادم من بعده لا أمامه هو!
تلك إذن قصة طويلة لا نريد أن نستطرد فيها لأن فيها تفاصيل كثيرة يُمكن أن تُروى، ولأنها ليست الهدف في حد ذاتها من وراء هذه السطور، وإنما هي مقدمة طالت بأكثر مما هو لازم. فالهدف أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي استبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فتصرف هو وإدارته، بالطريقة ذاتها تقريباً التي تكلم بها السادات مع بهاء الدين.
فمما قرأناه أن الرئيس ترمب استشعر الخطر من سباق الكونغرس مسبقاً، فراح يتحوط ويتخذ من الخطوات الاستباقية ما يستطيع بها أن يصمد في وجه أغلبية ديمقراطية محتملة في مجلسي النواب والشيوخ. إنه قد فعل كل ما في وسعه سياسياً وشعبياً قبل بدء السباق، لعل حزبه الجمهوري يحتفظ بأغلبيته في المجلسين، ولكنه ليس واثقاً كل الثقة مما يمكن أن يتكشف عنه السباق في النهاية، ويريد هو وإدارته أن يحكم السنتين المتبقيتين له في البيت الأبيض، بمثل ما حكم في العامين المنقضيين، أو بما يشبههما في أقل القليل.
قرأنا على لسانه أن السباق إذا أعطى الديمقراطيين أغلبية، وأن الأغلبية إذا كانت حقيقية بلا عبث ديمقراطي انتخابي فيها، فسوف لا يملك هو إلا أن يعترف بها، ولكنه في المقابل سيحكم بما سماه «صلاحيات تنفيذية» للرئيس، أي سيجعل أغلبية الديمقراطيين وراءه، وسيحكم بما يمكن أن تعطيه الثغرات من صلاحيات تعرفها إدارته!
هذا كلام غريب لم ينطق به رئيس في مكانه من قبل، ولكن لأنه اعتاد منذ عودته للبيت الأبيض أن يحكم بما قد يرى، غير عابئ بما تُلزمه به المؤسسات المستقرة، فإنه يتصور أنه قادر على متابعة الطريق بالأسلوب نفسه في حال خسر حزبه الأغلبية!
إن تفكيره في هذه النقطة يشبه إلى حد كبير ما كان السادات يفكر به وهو يرد على سؤال بهاء الدين، ولكن الواقع تظل له أحكامه طبعاً، وإلا، ما كان السادات قد عاد إلى الدستور حين فكر في البقاء، وقد كان لا يعبأ به وهو يجيب على السؤال.
سوف نرى الآن بعدما خسر الجمهوريون الأغلبية في مجلسي الكونغرس، كيف يمكن للصلاحيات التنفيذية إياها أن تُسعف الرئيس ترمب؟ فالكلام شيء في حين الواقع شيء آخر، وبينهما مسافة محكومة دائماً بما تُمليه الضرورات وتفرضه المقتضيات.
