د. ناصر البقمي
أكاديمي سعودي
TT

معركة الإعلام والاختراق المعرفي

استمع إلى المقالة

تغيّرت طبيعة الصراع بين الدول مع توسّع استخدام الإنترنت ومنصاتِ التواصل الاجتماعي. ما زال اختراقُ الأنظمة وسرقة المعلومات وتعطيل الشبكات جزءاً من المواجهة، لكن الصراع امتدَّ إلى التأثير في المجتمع نفسه: في طريقة فهم الناس للأحداث، وفي ثقتهم بمؤسسات الدولة وببعضهم بعضاً. ويُعرف هذا المسار بالاختراق المعرفي؛ إذ تعمل الجهات التي تقف وراءه على توجيه النقاش العام وإرباكه، واستثمار الخلافات القائمة بما يخدم أهدافها السياسية.

تمنح منصات التواصل الاجتماعي الجهات الخارجية وسائل سريعة للوصول إلى الجمهور ومتابعة ما يشغله. فمن خلال تحليل التفاعل، يمكن تحديد القضايا التي تثير اهتمامَ الناس، والعبارات التي يتداولونها، والحسابات التي يتابعونها. ثم تُصاغ الرسائل بما يناسب هذه البيئة، وقد تُنشر عبر حسابات تنتحل أسماء محليةً أو تستخدم لهجة ورموزاً مألوفة. ويهدف هذا الأسلوب إلى إظهار الرسالة كأنَّها صادرة عن مواطنين أو جهات من داخل البلد، لا عن حملة تقودها جهة خارجية.

وتعتمد هذه الحملات على أكثر من وسيلة. فقد تستخدم حسابات آلية أو منسقة لزيادة انتشار وسم معين، أو لتقديم رأي محدود كما لو كان واسع التأييد. وقد تركز على خلاف حقيقي، ثم تضخمه وتفصله عن أسبابه وسياقه، حتى يتحوَّل إلى مادة للاتهام والاستقطاب. وتشمل الوسائل أيضاً نشر تسريبات موجهة، أو وثائق زائفة، أو مقاطع مجتزأة، أو صور ومقاطع جرى التلاعب بها. وقد ينقل مؤثرون هذه المواد إلى جمهورهم من دون معرفة مصدرها أو التحقق منها، فيزداد انتشارها بفعل الثقة التي يحظى بها هؤلاء.

ولا يقتصر الهدف على نشر معلومة غير صحيحة؛ فالحملة تسعى أحياناً إلى إضعاف ثقة الجمهور بكل ما يصدر عن المؤسسات، وإلى دفع الناس للتعامل مع كل خبر بوصفه موضع شك، ومع كل اختلاف بوصفه دليلاً على وجود مؤامرة أو خيانة. وعندما يختلط النقد المشروع بالتضليل المنظم، يصبح النقاش أقل قدرة على معالجة المشكلات، وتزداد المسافة بين المواطنين ومؤسساتهم. وهنا يظهر أثر الاختراق المعرفي: استغلال المعلومات لإحداث اضطراب في فهم المجتمع للوقائع، ثم تحويل هذا الاضطراب إلى انقسام سياسي واجتماعي.

وتقدم حالات دولية أمثلة على استخدام هذه الأساليب. فقد أنشأت حملة «Doppelganger»، التي ربطتها تحقيقات أوروبية بجهات روسية، مواقع تشبه مواقع صحف معروفة لنشر مواد مضللة. وفي عام 2019، أعلنت «ميتا» إزالة حسابات وصفحات قالت إنَّها انطلقت من إيران، وانتحلت هويات محلية في دول عدة، بينها السعودية، ونشرت محتوى عن قضايا سياسية وإقليمية. وفي عام 2024، أعلنت «ميتا» و«أوبن إيه آي» رصد نشاط لشركة إسرائيلية، حيث تم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لنشر محتوى يستهدف جماهير في دول مختلفة. وتوضح هذه الحالات أنَّ جهات من دول متعددة استخدمت الحسابات المنتحلة والمواقع المقلدة وأدوات الذكاء الاصطناعي في حملات للتأثير، مع اختلاف أهداف كل حالة وسياقها.

وتساعد خصائص منصات التواصل على سرعة انتشار هذا المحتوى، لا سيما عندما يتضمَّن خبراً مفاجئاً أو يثير الغضب والخوف. ففي دراسة لمعهد ماساتشوستس للتقنية، تابع الباحثون نحو 126 ألف سلسلة إخبارية نُشرت على منصة «إكس»، ووجدوا أنَّ الأخبار الكاذبة كانت أكثرَ احتمالاً لإعادة النشر بنسبة 70 في المائة، وأنَّ الأخبار الصحيحة احتاجت إلى وقت أطول بنحو ست مرات للوصول إلى 1,500 شخص، والمفاجأة الأهم في هذه الدراسة أنَّ الحسابات الآلية ليست السبب، البشر هم من يعيدون نشر الأخبار الزائفة! ولا تعني هذه الأرقام أنَّ كلَّ خبر سريع الانتشار كاذب، لكنَّها توضح أنَّ التصحيح غالباً لا يصل إلا بعد أن تكون الرواية المضللة قد انتشرت.

وتبدأ مواجهة هذه الحملات بتوفير معلومات موثوقة في الوقت المناسب، وشرح القرارات والوقائع بوضوح، ومعالجة الأخطاء من دون تأخير. فغياب المعلومات يترك المجال للإشاعات والتفسيرات غير الدقيقة. ويحتاج الجمهور أيضاً إلى التحقق من مصدر الخبر، وتاريخ وموقع الحساب، وأصل الوثيقة أو المقطع قبل إعادة نشره، خصوصاً عندما يُطلب منه اتخاذ موقف غاضب أو سريع. وفي المقابل، يجب ألا تُستخدم مواجهة التضليل لتقييد النقد أو اتهام أصحاب الآراء المخالفة؛ لأنَّ النقد حق، والتمييز بينه وبين التحريض المنظم ضروري لحماية النقاش العام.

تتَّصل حماية اللحمة الوطنية بقدرة الدولة والمجتمع على إدارة الحوار بوضوح وثقة. فالمواطن الذي يحصل على معلومات دقيقة، ويجد مؤسسات تستجيب لأسئلته، يكون أقل عُرضة لتصديق الحسابات المجهولة والتسريبات غير الموثقة. كما أنَّ المجتمع الذي يناقش قضاياه من دون تخوين أو تحريض يصعب دفعه إلى الانقسام. لذلك أصبحت مواجهة الاختراق المعرفي مسؤوليةً مشتركةً بين المؤسسات والإعلام والمواطنين، وجزءاً من حماية الأمن الوطني في زمن تُستخدم فيه المنصات للتأثير في الرأي العام.