تحفل ذاكرة مدينة الكرك بالوقائع مع التطرف والإرهاب. فالطيار الكساسبة الذي أحرقه تنظيم «داعش» منها. والعصابة التي اعتصمت بقلعة الكرك عام 2016 وقتلت خمسة عشر من رجال الأمن هي من المحافظة أيضاً.
لقد نشب أخيراً جدالٌ بين السلطات في سوريا والأردن، ربما استناداً إلى شكوك أردنية في تأثيرات داعشية آتية من سوريا على خلية قرية «الجديدة» بالكرك. بيد أن التأثيرات وإن كانت ممكنة لا ينبغي أن تصرف انتباهنا عن أن التطرف العنيف صار ظاهرةً في عددٍ كبيرٍ من مجتمعاتنا منذ عقود عدة، وما عاد يمكن التعزّي في الواقعات المؤسفة بأي بلدٍ من بلداننا أنها مستوردةٌ من بلدٍ آخر أو أنها مؤامرةٌ مدبَّرة من جهاتٍ أجنبيةٍ على البلاد والعباد!
إنّ أصل الداء في خلية الكرك آتٍ أساساً من أفكارٍ مزروعةٍ صارت اعتقادات تتجذر معها كراهية الآخر المختلف ديناً أو جنسيةً أو ثقافةً وتوجهات. وهي «ثقافة» جديدةٌ نسبياً فعمرها عقود عدة ناجمة في الأصل من الخوف على الهوية من الغريب الغربي. وقد مرت بمراحل عدة: مرحلة الدعوة للإصلاح، ومرحلة السعي للتقدم لتجاوز الانحطاط بالمعنى الغربي، فمرحلة التحزب لحفظ الهوية أو استعادتها، ومرحلة الهوية الثائرة لتخريب العالم! ونحن في السنوات الأخيرة في مرحلة الانكماش والانعزال واليأس الذي يخالطه العنف.
لا حاجة إلى تفصيل أفكار وآليات تلك المراحل. بيد أنه في مرحلة الثوران واجهت التنظيمات العنيفة كما هو معروف حملةً عالمية شاركت فيها الدول العربية فضربت تلك التنظيمات ضربات هائلة شرذمت صفوفها وكسرت دعواها الإرهابية باسم الدين. ولذلك؛ كان لا بد للمتشددين أن يغيروا أساليبهم في العمل من دون أن يتغيروا(!). فالمعلِّمون والمرشدون مستمرون، وما عاد الاستنفار التنظيمي ممكناً دائماً؛ ولذلك اللجوء إلى الاستتار أفراداً وجماعات صغيرة. لكنّ مرحلة الاستتار (المتوترة والثأرية) ما أدّت إلى الاختلاف في الأسلوب فقط، بل في الاستهداف أيضاً. وأنواع الاستهداف تصل خلال العقود الماضية إلى أربعة: الاستهداف العالمي، وهو لم يعد ممكناً بسبب الضربات وإجراءات الاحتراز- والنوع الثاني الهروب والانتقال، وهو الذي يحدث بالذهاب والتسلق على تنظيماتٍ أخرى في غرب أفريقيا وفي غيرها- والنوع الثالث توسيع التحالف مع الحوثيين باليمن وبشرق أفريقيا مع «حركة الشباب» الصومالية – والنوع الرابع هو الخلايا المنعزلة والتي تتصرف من دون أوامر مباشرة وتجاه أهداف قريبة مثل السلطات ومثل المسيحيين.
ومع تغير صنوف الاستهداف تغير بالطبع المستهدَفون. وعلى سبيل التذكير، فإن أسامة بن لادن أعلن عام 1998 عن تحالف لمواجهة النصارى واليهود. لكنه في مصطلحه التراثي كان يقصد الأجواء العالمية، والتي واجهها فيما بعد في أميركا وأوروبا وفي إحدى الهجمات الكبرى على سفارة بأفريقيا. لقد تضاءلت الآفاق وتراجعت وصارت حسب القدرات وليس حسب الأهداف الاستراتيجية. وهي عندما تراجعت عادت لأصلها القريب: أجهزة السلطة، والمختلفين في المجتمعات.
التطرف مرضٌ عياء ناجمٌ عن التعرض طويلاً لتعليم وتلقين التشدد وتصورات أعداء الدين في القريب والبعيد.
ويريد بعض الذين ينشطون على وسائل التواصل ربط حَدَث الكرك بالحروب على غزة وفلسطين بحجة السخط والاستنزاف. ولا شيء أبعد عن الحقيقة من هذه الخواطر. فلا «القاعدة» و«داعش» ولا المتشددون الآخرون لهم علاقة بفلسطين أو أنهم قاموا أو حاولوا القيام بعملية من عملياتهم الانتحارية في الأراضي المحتلة منذ بدايات إرهابهم في الدواخل في سبعينات القرن الماضي!
لا ينبغي أن نظلَّ على الاعتقاد أنها ظاهرةٌ عابرةٌ وتنتهي. إنها مرضٌ داخَلَ الإسلام من خلال التعليم المتشدد في بيئاتٍ وبيئات. وهو تلقينٌ لا يزال مستمراً ولا بد من الاستمرار في مكافحته. ويمكن القول إنه نوعٌ من الضعف في المناعة، ما كان معروفاً ولا معهوداً لا في نصوصنا ولا في عيشنا التاريخي أو الحديث. وضعف المناعة يعني قابلية الاستخدام والاستعمال والاستغلال للدين؛ وكلُّ ذلك ظاهرٌ في مجتمعاتنا بأشكالٍ مختلفة ويجد له أنصاراً وإن كان الأغلب الميل إلى الانعزال والانكماش في الحياة الأُسرية وعليها وممارسة العنف ضدّ الآخر القريب أو السلطات. هي النفسيات المريضة المنتقمة ممن تعتقدهم خارجين على الدين وإن كانوا إخوانهم أو أزواجهم أو أولادهم!
قبل ذلك وبعده، ماذا نقول بالفعل لمواطنينا المسيحيين الذين نزل بهم هذا الجرح الغائر، وماذا نقول لشباننا الذين يعيّروننا بكلام ترمب عن المهاجرين المخربين، وبكلام رامسفيلد قبل رُبع قرن عن اختطاف الإسلام من المتطرفين، وإرادة الأميركيين الطيبين مساعدتنا نحن «المعتدلين» على استعادة الإسلام!
