ستظلّ فرنسا بلداً جذاباً في الفكر والسياسة، وستبقى مؤثرةً في محيطها الأوروبي والعالم، كما ظلَّ نموذجها السياسي متعايشاً مع الاحتجاجات حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من الثقافة السياسية للمجتمع، وبات الإضراب سلاحاً يُرفع مبكراً في فرنسا، ومتأخراً في بريطانيا، ونادراً في ألمانيا.
والحقيقة أنَّ منسوب العنف الذي شهدته باريس والمدن الفرنسية يوم السبت الماضي وصل إلى درجة غير مسبوقة، بعد أن طالب طلاب المدارس الثانوية بتحسين أحوال المدارس الحكومية، وزيادة أعداد المدرسين، وهي مطالب دعّمها أغلب الفرنسيين، ومع ذلك بدت درجة العنف غير معتادة بهذا الحجم المروع في احتجاجات مطلبية وسياسية.
والحقيقة أن هذا العنف الذي تابعته عن قرب أثناء وجودي في باريس، جعل من الصعب مقارنته بحوادث عنف سابقة شهدتها مظاهرات مطلبية وسياسية، فثقافة الاحتجاج المتعايش معها المجتمع الفرنسي بكل تنوعاته تختلف عن العنف والتخريب، فكل المظاهرات التي خرجت بمئات الآلاف منذ عهد الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، واعترضت في بداية حكمه على توحيد نظام التعليم، وأدت إلى تراجعه عنه، لم تشهد حوادث عنف تذكر، كما أن الاحتجاجات التي حدثت في عهد الرئيسين شيراك وساركوزي حول إصلاح نظام التقاعد، واستمرت حتى عهد الرئيس الحالي ماكرون وشملت احتجاجات السترات الصفراء والاحتجاج على قانون رفع سن التقاعد إلى 64 عاماً، الذي لم يتراجع عنه، رغم استمرار الاحتجاجات أسبوعاً بعد أسبوع، وحضور العنف أحياناً، ولكنه لا يمكن مقارنته بما حدث مؤخراً.
والحقيقة أن احتجاجات تلاميذ الثانوي كانت في الأصل فئوية، صحيح أنها أخذت أبعاداً سياسية، وحاول أن يستفيد منها حزب أقصى اليسار، إلا أن مقدماتها لا تقول إن نهايتها ستكون بهذه الدرجة من العنف والتخريب غير المسبوق في مظاهرات المطالب الاجتماعية والسياسية المتكررة، إلا ربما في ثورة الطلاب في عام 1968 التي سُمّيت ثورة وليس احتجاجاً، وحملت فعلياً بعض جوانبها.
والحقيقة أن العنف في فرنسا ظل مصاحباً لنوع واحد من الاحتجاجات، يتعلق بأحداث الضواحي وبالعلاقة المعقدة بين الشرطة وأبناء المهاجرين في هذه المناطق، وأن حوادث العنف التي جرت فيها وأبرزها ما جرى منذ 3 سنوات عقب قيام أحد رجال الشرطة بإطلاق النار على صبي فرنسي من أصل جزائري (نائل 17 عاماً) بسبب عدم التزامه بتعليمات الشرطة، ما أدى إلى مقتله، وأعقب هذه الواقعة مظاهرات عنف وتخريب غير مسبوقة، وتم حرق 5 آلاف سيارة عامة وخاصة وحاويات قمامة، وما يقرب من ألف اعتداء على مبانٍ مختلفة وأقسام شرطة، وأصيب المئات، وألقي القبض على نحو 4 آلاف شخص.
هذا العنف المرعب يتكرر بصورة مخففة مع كل حادثة تحدث في الضواحي، إذ يدخل فيها الأصل العرقي وارتفاع معدلات الجريمة وتصاعد العنف والتحريض المتبادل بين الفرنسيين من أصول مهاجرة، وأنصار أقصى اليمين، فالفئة الأولى تقول إن المؤسسة الحاكمة دفعتهم إلى العيش في ضواحٍ يعانون فيها من التهميش والتمييز، حتى لو كانوا يحملون الجنسية الفرنسية، في حين تقول الشرطة إنها تتعامل مع واقع يشير إلى أن كثيراً من حوادث العنف والجرائم المنظمة تقع في هذه الضواحي، وبالتالي تتعامل مع شبابها باعتبارهم «متهمين محتملين».
ومن هنا بدا صعباً تفسير ما جرى يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في المدن الفرنسية من أحداث عنف؛ لأنه غير متسق مع طبيعة الاحتجاجات المطلبية والسياسية التي تشهدها البلاد، وبات شبه «عنف الضواحي» وليس «عنف المطالب الاجتماعية والسياسية». فقد تم حرق عشرات المباني الحكومية ومنها مقر البلدية الأثري في مدينة ليموج وتخريب مقر بلدية مارسيليا، بجانب عشرات المباني والمحلات والسيارات في باريس وبوردو وليون وليل وغيرها، وتم توقيف أكثر من 1200 شخص.
وتصاعد هذا العنف بهذه الطريقة في مظاهرات بالأصل مطلبية، يفتح باباً لنقاش أعمق حول الأسباب التي أدت إلى اقترابها من عنف احتجاجات الضواحي؟ والحقيقة أن سوء الأداء الحكومي وعدم تقديم أي حلول تذكر للمشكلات الاجتماعية المتفاقمة، وأيضاً العجز عن حل مشكلة دمج المهاجرين في المجتمع، بالإضافة إلى وجود كتلة كبيرة من الشباب الفرنسي متأثرة بالأفكار المدنية واليسارية اعتادت مهاجمة أداء الشرطة والدفاع عن أبناء المهاجرين، حتى لو أخطأوا، وشتم اليمين المتطرف في أي احتجاجات سواء أكانت الأخيرة أم غيرها، كل ذلك فاقم مشكلة العنف.
ما جرى ويجري في فرنسا أمر خطير؛ لأن تحول مطالب مشروعة إلى مواجهة وأعمال تخريب، يدل على أن جانباً يعتد به من الفرنسيين، خصوصاً الشباب، بات لا يثق أو يرفض مؤسسات الدولة ومنظومة الحكم بصورة أعمق مما يبدو على السطح.
