في 2017 وأثناءَ عملها بفحص لوحة «أشجار الزيتون» لفان جوخ توقَّفتِ المختصةُ في ترميم اللوحات ماري شافر قليلاً بعد أن لمحت شيئاً غريباً عالقاً بين طبقاتِ الألوان الكثيفة التي اشتهرَ بها الفنان. باستخدام العدسةِ المكبّرة تأكدت شافر أنَّ الجسمَ الغريبَ ليس إلا جرادةً ميتة التصقت بالألوان، وظلَّت قابعةً لأكثرَ من قرن دون أن يلاحظَها أحد. كانَ الاكتشافُ مثيراً وحاول المختصونَ في متحف نيلسون أتكينز بمدينة كانساس سيتي الوصولَ إلى مزيدٍ من المعلومات عن سرّ وجودِ الجرادة في اللوحة، واقترحَ بعضُهم تحليلَ أجزاء منها لمعرفةِ التاريخ التي حطَّت فيه المسكينةُ على لوحةٍ لم تجفَّ ألوانُها الكثيفة بعد. لم يتمكنِ الخبراءُ من معرفة التاريخ حيث إنَّ الأجزاء الرئيسة من الجرادة غيرُ موجودةٍ ولم يتبقَّ منها الكثير الذي يمكن فحصُه، ومع ذلك أثبتَ الفحصُ أنَّ الجرادةَ لم تكن حيَّةً وقتَ وقوعها في فخِ الألوان، حيث لم يكن هناك أي آثار لمحاولتها التَّحرر. واكتفَى المتحفُ بوجودِ الجرادةِ كلمحة إضافيةٍ تعبّر عن الظروف التي كانَ يعمل فيها فان جوخ.
تعود اللوحةُ لعام 1889 وهيَ الفترة التي كان فيها فان جوخ نزيلاً في مصحة «سانت ريمي دو بروفانس» جنوب فرنسا، وقتها رسم 15 لوحة عن أشجار الزيتون التي كانَ يراها من غرفة نافذته. ولكن المعروف أيضاً أنَّ الفنانَ كان يرسم في الطبيعة وأنَّه يقضي ساعاتٍ في الحقولِ يرسم المشاهد حوله ثم يلملمُ لوحاتِه وألوانَه ويعود لمسكنه. في خطابٍ لأخيه ثيو وصفَ فان جوخ معاركَه اليومية مع الذُّباب والحشراتِ التي كانت تحطُّ على لوحاتِه أثناءَ عمله، قالَ: «لا بدَّ أنني أزلتُ بضعَ مئات من الذُّباب -وربَّما أكثر- عن اللوحات الأربع التي ستتسلّمها، ناهيكَ عن الغبارِ والرمال... فعندمَا يحملُ المرءُ هذه اللوحات عبرَ الأراضي الخلاء ووسط سياجاتِ الشجيرات لبضع ساعات، لا بدَّ أن تخدشَها غصنٌ أو غصنان هنا وهناك».
قد لا نعرف كيفَ وصلتِ الجرادةُ للوحة، ولكن بفضلِها يمكننا تصوّر ساعاتٍ قضاها الفنان في الطبيعة، فهي تحمل حضوراً من ذلك اليوم الذي قضى فيه ساعاتٍ يرسم ويلوّن بضرباتِ فرشاته المتوترةِ والدائمةِ الحركةِ تفاصيلَ أشجار الزيتون التي تبدو وكأنَّها تتلوَّى تحت السماء. يرى النقاد أنَّ تصويرَه للأشجار في حديقة المصحة تحمل كثيراً من الحزن والألم، وهو ما يبدو في لوحات «أشجار الزيتون»، وما ذكره فان جوخ لشقيقه في خطابٍ كتبه في نوفمبر 1889 «هذا المزيج بين لون الأصفر المحمر، بين اللون الأخضر الذي يتخلله اللون الرمادي الحزين، للخطوط السوداء التي تحدد الخطوط العريضة، يثير قليلاً من الشعور بالقلق الذي يعانيه بعضُ رفاقي في سوءِ الحظ غالباً...».
تبقى الجرادةُ السيئةُ الحظ شاهداً على لحظاتِ إبداعٍ وحزن عميق، وأصبح الزوار يحرصونَ على مشاهدتها أثناء زيارتهم للمتحف، فهي رافقت العبقريَّ المجنونَ في ساعة قضاها في حقل فرنسي.
