د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

المواطنة... أي مستقبل للمجتمعات الأوروبية؟

استمع إلى المقالة

لم تكن مشاهد الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا أخيراً، خصوصاً في مدن باريس وليون ومرسيليا، مجرد أحداث عابرة في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل كشفت عن تصدعات عميقة في العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وعن أزمة ثقة تتجاوز المطالب الاقتصادية والاجتماعية المباشرة. فقد انطلقت احتجاجات شبابية مطالبة بتحسين ظروف التعليم، قبل أن تتسع لتشمل فئات اجتماعية أخرى، وتختلط فيها المطالب المشروعة بمظاهر عنف وتخريب كأنك في فيلم هوليوودي. وهي مشاهد تستدعي التأمل في سؤال جوهري: كيف يمكن لمجتمعات بلغت مستويات متقدمة من التنمية أن تواجه مثل هذه الهزات الاجتماعية؟

ولا تنفرد فرنسا بهذه التساؤلات؛ فقد عرفت مجتمعات أوروبية أخرى، من إيطاليا إلى بلجيكا، مظاهر متفاوتة من التوتر والاحتجاج، تعكس تحولات عميقة في علاقة الأفراد بالدولة وبالمجتمع. ولئن اختلفت الأسباب والسياقات، فإن القاسم المشترك يتمثل في تحديات التماسك الاجتماعي، وتراجع الثقة، وتنامي الشعور بالإقصاء لدى بعض الفئات.

وبدأت الأزمة في أوروبا عندما تحول الحق في التعبير إلى اعتداء على الأشخاص والممتلكات، أو لِنَقُلْ عندما عجزت المؤسسات عن الإنصات إلى المواطنين والاستجابة لتطلعاتهم المشروعة. وهنا يظهر الاختلال في التوازن الدقيق بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات.

فالمواطنة ليست مجرد انتماء قانوني تثبته وثيقة الهوية، ولا علاقة إدارية تربط الفرد بالدولة، وإنما هي منظومة من القيم والسلوكيات والالتزامات المتبادلة. إنها وعي الإنسان بأن حريته لا تنفصل عن حرية الآخرين، وأن المصلحة الفردية لا تستقيم خارج المصلحة الجماعية، وأن الوطن هو أولاً وقبل كل شيء مجال للمشاركة والعطاء وتحمل المسؤولية.

وقد انشغل كبار الفلاسفة الأوروبيين، من سبينوزا إلى روسو وكانط، بالسؤال عن الشروط الأخلاقية والسياسية التي تجعل العيش المشترك ممكناً. فالقانون، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده بناء مجتمع متماسك إذا لم تسنده ثقافة الاحترام والثقة، والمؤسسات، مهما كانت متطورة، تفقد جانباً من مشروعيتها عندما يشعر المواطن بأنها بعيدة عن انشغالاته اليومية.

ولعل أخطر ما تكشف عنه الأزمات الأوروبية المعاصرة هو أن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لا يضمن بالضرورة الارتقاء الأخلاقي والاجتماعي. فقد تمتلك الدولة أحدث البنيات التحتية وأرقى المؤسسات التعليمية، لكنها تظل عرضة للاهتزاز إذا اتسعت الفوارق الاجتماعية، وتراجعت العدالة، وضعف الإحساس بالمصير المشترك.

وتتعدد أسباب تآكل المواطنة، من البطالة إلى التفاوتات المجالية، ومن ضعف التربية المدنية إلى تنامي الفردانية والاستهلاك المفرط. وقد أضافت شبكات التواصل الاجتماعي تحدياً جديداً، حين أصبحت أحياناً فضاءً لتأجيج الغضب، ونشر التضليل، وتغذية الاستقطاب، بدل أن تكون جسراً للحوار والتفاهم.

فكيف يمكن إعادة بناء المواطنة الحقة؟

تبدأ الإجابة من التربية، لأن المواطن لا يولد حاملاً جميع قيم المواطنة، بل يكتسبها بالتنشئة والممارسة والقدوة. ففي الأسرة يتعلم الطفل احترام الآخرين والتضامن والانضباط، وفي المدرسة يكتشف معنى القانون والاختلاف والمسؤولية، وفي الجامعة يتعلم أن المعرفة ليست امتيازاً فردياً فحسب، بل التزام أخلاقي تجاه المجتمع.

غير أن التربية، مهما بلغت جودتها، لا تؤتي ثمارها إذا غابت القدوة. فلا يمكن مطالبة الشباب الأوروبي باحترام القانون إذا شاهدوا انتهاكه، ولا إقناعهم بفضيلة التضامن إذا لمسوا تفاقم الأنانية، ولا دعوتهم إلى الثقة في المؤسسات إذا افتقدوا الإنصاف وتكافؤ الفرص.

ومن هنا، فإن بناء المواطنة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فالدولة مطالَبة بضمان العدالة والكرامة، والمواطن مدعو إلى احترام المؤسسات والممتلكات العامة، والمشاركة البناءة في الحياة الجماعية، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الأنانية الضيقة.

إن المواطنة تتجلى أيضاً في التفاصيل اليومية: احترام قواعد السير، والمحافظة على نظافة المدن، وصيانة المدارس والحدائق، وحماية البيئة، وترشيد استعمال الماء، واحترام الاختلاف، ومساعدة الفئات الهشة. إنها ممارسات بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها الحضارية وتماسك المجتمعات.

لقد أعادت الاحتجاجات الأوروبية إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: كيف نوفق بين مجتمع يطالب بحقوقه ودولة تنتظر من مواطنيها أداء واجباتهم؟ والجواب لا يكمن في تغليب أحد الطرفين على الآخر، وإنما في بناء عقد اجتماعي متوازن، قوامه الثقة والعدالة والمشاركة والمسؤولية.

فالأمم لا تقاس عظمتها بما تشيده من طرق ومصانع ومختبرات فحسب، بل كذلك بقدرتها على صيانة الروابط الإنسانية التي تجمع أبناءها.

إن المواطنة، في نهاية المطاف، ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ضمير يُمارَس كل يوم. وحين يدرك الإنسان أن الوطن ليس ما يمنحه الحقوق فقط، وإنما ما يحمّله مسؤولية صون كرامة الآخرين ومستقبل الأجيال المقبلة، تتحول المواطنة من انتماء قانوني إلى قوة أخلاقية وحضارية، ومن مجرد علاقة بالدولة إلى أساس متين لبناء المجتمع ونهضة الأمم.