عرفت القارة الأوروبية عاماً كاملاً تقريباً، امتد من 1848 حتى 1849، عرف باسم «ربيع الأمم» أو «ربيع الشعوب»؛ حيث سادت حالة من الثورات والاضطرابات التي امتدت من فرنسا إلى نحو خمسين دولة ومقاطعة أوروبية.
عرفت تلك السنة أكثر الموجات الثورية الأوروبية انتشاراً، وإن كانت ذات طابع سياسي بمسحة ديمقراطية، وبغرض إزاحة الهياكل الإقطاعية القديمة، والبحث عن كيانات وطنية مستقلة.
المثير تاريخياً أن شرارة ربيع أوروبا الأول انطلقت من فرنسا، وقديماً كان يقال إنه عندما تعطس باريس تُصاب بقية العواصم الأوروبية بالزكام.
أهو خريف أوروبي يُعيد كتابة تاريخ الربيع السابق؟
المقاربة تحتاج إلى قدر من التاريخية، بمعنى أنه ليس شرطاً أن تتحول مشاهد العنف الأوروبية الآنية إلى نوع من أنواع الثورات الماضوية التي هزّت النظام الأوروبي في القرن التاسع عشر.
منطلقات خريف الغضب الأوروبي هذه المرة تتركز حول أزمة الثقة بالنخب الحاكمة، والضغوط الاقتصادية التي تستتبعها قلاقل مجتمعية وإنسانوية، جنباً إلى جنب مع صعود القوميات والاحتجاج على المؤسسات التقليدية، ناهيك بأهم جزئية في تقدير كاتب هذه السطور؛ حيث السؤال المتجدد عن هوية القارة الأوروبية وجذورها، وكذا مستقبلها.
يحاجج بعض كبار الساسة الأوروبيين بأنه إذا كان اليسار المتهم بالتطرف، وبالشراكة، ولو غير المرتبة بل العشوائية، مع المجرمين واللصوص، قد قُدِّر له قلب الجمهورية الفرنسية رأساً على عقب خلال ساعات.
النظر بشيء من التدقيق يقودنا إلى مثلث خطير تتداخل خيوطه، وتتشابك خطوطه، لا في فرنسا فحسب، بل غالب الأمر في معظم، إن لم يكن كل، دول القارة الأوروبية: رياح اقتصادية معاكسة شديدة، وتيارات من الهجرة غير القادرة، وأحياناً غير القابلة للاندماج في قطاع واسع منها، لا كلها، فيما الطبقة السياسية الحاكمة نضبت قريحتها، وباتت شبه عاجزة عن الخلق والابتكار على مختلف الأصعدة.
المشهد الحالي يرتبط بسؤال جذري عن مصير القارة التنويرية الليبرالية، وهل هي على موعد مع العتم بعد طول تنوير؟
الجواب من الكتاب، وهو هنا الشارع الأوروبي الذي تتصاعد فيه موجات اليمين المتشدد إلى حد المتطرف، من عند حزب «البديل» في ألمانيا، مروراً بحزب «التجمع الوطني» في فرنسا، والذي قد ينجح في اقتناص الرئاسة الفرنسية خلال أشهر معدودات، وصولاً إلى بقية الجماعات الحزبية المماثلة.
غير أن الغمة الأوروبية لن تنجلي في حقيقة الحال، حتى لو تغيرت ملامح ومعالم النخبة السياسية القابضة على جمر الحكم. ستظل المعضلة الاقتصادية التي تكابد منها القارة قائمة وقادمة، لا سيما مع فقدان مقدرة التنافس الاقتصادي مع الشرق الآسيوي من جانب، والغرب الأميركي من جانب آخر، وبهذا تظل أزمة عدم المقدرة على الوفاء بالتزامات الإصلاح الاقتصادي حاضرة؛ حيث ستخيم غيوم داكنة لبرامج التقشف فوق سماوات القارة، ما يزيد الاحتقان ويدفع من درجة الغضب الشعبوي.
لكن ماذا لو فشل الشعبويون في الوصول إلى السلطة في عموم أوروبا وبقي الأمر على الحال ذاتها؟
هنا تتبدى لنا طروحات أوروبية ما ورائية، موصولة بإشكالية خارجية أكثر إثارة، تنقلنا إلى عالم «الروسوفوبيا» والحرب الهجينة.
يرى نفر من المراقبين للمشهد الأوروبي أن لروسيا يداً في الأحداث الأخيرة، بأيدي الأوروبيين أنفسهم، عوضاً عن أن تتكبد عناء المواجهة العسكرية من جديد.
الكرملين في مواجهة مع التحركات الأوروبية الأخيرة، لا سيما الألمانية والبريطانية، والتي تدعم أوكرانيا بصواريخ «شادو ستورم»، وبمليارات اليوروات، في ظل أزمات اقتصادية داخلية طاحنة، ولتعويض زيلينسكي عن الاستكناف الأميركي؛ حيث الرئيس ترمب ماضٍ قدماً في صفقات الديزل، وتخفيف العقوبات مع بوتين، ضمن صفقة أوسع لإنقاذ أميركا المأزومة في ملفات أخرى.
على جداريات باريسية، كتب المحتجون عبارة «الظلام الحالك في مدينة النور»، فهل سيمتد هذا الوهج إلى أوروبا كلها؟
ليس بالضرورة أن تتكرر مآلات ربيع 1848، لكن تظل أسئلة أوروبا الوجودية حاضرة: مَن يحكم؟ ولصالح مَن؟ وما الذي يُبقي المجتمعات متماسكة عندما تتراجع الثقة بالنظام القائم؟
