منذ فبراير (شباط) الماضي، وعقب مقتل المرشد علي خامنئي، ظل السؤال الجوهري، الذي يشغل بال المتابعين للشأن الإيراني: هل قُتل نجله وخليفته مجتبى إلى جانبه، أم أنه لا يزال على قيد الحياة -أو شبه حي- ليتولى زمام القيادة؟
بادئ الأمر، اعتقد الجميع تقريباً أنه قتل، إذ كان من الغريب أن يكون الناجي الوحيد -وسليماً إلى حد كبير- من هجوم استهدف منزل والده، وأسفر عن مقتل جميع من كانوا فيه. كما أن اختفاءه دونما أثر لأيام عدة جاء ليعزز هذا الاعتقاد.
بعد ذلك، تبدلت الأمور؛ إما لأنه اتضح أن الرجل على قيد الحياة بالفعل، وإما لأن أحد كتاب السيناريو الموهوبين في إيران، خطّ سيناريو عبقرياً عن إحالة خامنئي الأب إلى التقاعد ليحل خامنئي الشاب محله. وعلى أثر ذلك، ظهر الشعار الآتي على آلاف اللوحات الإعلانية والجدران في أنحاء إيران: «خامنئي عاد شاباً!».
وأضاف كاتب السيناريو تحولاً جديداً؛ إذ أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه تواصل مع «المرشد» الجديد. وجدير بالذكر هنا أن كلمة «تواصل» يمكن تأويلها بأشكال متعددة: بدءاً من اللقاء المباشر، أو عبر تطبيقات الاتصال المرئي أو الهاتفي... وصولاً إلى الحمام الزاجل، أو من خلال جلسات تحضير الأرواح!
وما إن استسلم عدد كافٍ من الناس لنصيحة الشاعر كوليريدج بإرجاء الشكوك للاستمتاع برواية ما، حتى قيل لنا إن المرشد الجديد منح بزشكيان استقبالاً شخصياً، تلاه استقبال آخر للعميد علي عبد اللهي، الذي تولى، لفترة طويلة، إدارة المجمع الاقتصادي والتجاري التابع لـ«الحرس الثوري».
وفي غضون ذلك، استمرت وسائل الإعلام في بث تصريحات منسوبة لمجتبى، للحفاظ على هذه الرواية حية. ومع ذلك، ثمة تساؤل يطل برأسه الآن: هل نحن بصدد مشاهدة منعطف جديد في هذه الرواية؟ في الواقع، هناك وقائع حديثة تشير بالإيجاب.
في البداية، قيل لنا إن رئيس الجمهورية عيَّن وزيراً جديداً للدفاع -قرار لطالما ظل حكراً على «المرشد الأعلى»، على مدار ثلاثة عقود على الأقل. واللافت أن الوزير الجديد مهرداد أخلاقي، ليس عسكرياً محترفاً، بل بيروقراطي كان يدير الجناح التصنيعي العسكري لـ«الحرس الثوري».
تحول غير عادي آخر تمثل في تسمية بزشكيان للعميد مجيد أمين رضا، مستشاراً عسكرياً للرئاسة -منصب جديد يشير إلى تغيير كبير عن الروتين المستقر، الذي كان يتواصل فيه الرئيس مع المؤسسة العسكرية عبر مكتب المرشد الأعلى، والمعروف باسم «بيت المرشد».
خطوة أخرى لافتة تمثلت في إعلان القائد العام لـ«الحرس الثوري»، اللواء أحمد وحيدي، أن القوات شبه العسكرية «ستنسّق» أنشطتها مع الجيش النظامي عبر وزارة الدفاع، في تجاوز آخر لـ«البيت».
وفي الوقت ذاته، صدر إعلان عن منح الجيش النظامي، السيطرة على الساحل الإيراني لمضيق هرمز، بينما يسيطر «الحرس الثوري» على الجانب العماني. كما أُسندت للجيش مسؤولية إدارة الحدود الإيرانية المضطربة مع باکستان والممتدة على طول 905 كيلومترات، إضافةً إلى سيطرته على الحدود الأفغانية.
وهذا الترتيب يمنح «الحرس الثوري» إمكانية تعزيز وجوده على الحدود مع العراق، والتي قد تهددها جماعات مسلحة مدعومة من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ولعل الأهم من ذلك، ما صرح به رئيس الأركان اللواء عبد اللهي، من أن كبار القادة في «الحرس الثوري» والجيش النظامي سيعقدون من الآن فصاعداً اجتماعات هيئة أركان مشتركة، مجدداً خارج المنظومة، التي يديرها «بيت المرشد»، والذي كان يتطلب حضور «القائد الأعلى للقوات المسلحة» -أي المرشد- في مثل تلك الاجتماعات.
أدت هذه التطورات إلى إحياء الحديث عن دمج «الحرس الثوري» بالجيش النظامي؛ وهي فكرة طُرِحت خلال فترة رئاسة محمد خاتمي، لكن خامنئي الراحل رفضها بشدة. وكان اللواء مصطفى إيزدي -الذي عُيّن حديثاً نائباً لقائد «الحرس الثوري»- أحد مهندسي هذا المخطط المثير للجدل.
وخارج المؤسسة العسكرية، روجت وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الدولة مزاعم مفادها أن «لجنة تنسيق»، تضم الرئيس وخمس شخصيات بارزة أخرى -لم يُحدد هؤلاء بوضوح قط- ستتولى اتخاذ جميع «القرارات المهمة». وهذا ما ألغى فعلياً أمر الراحل خامنئي، الذي يقضي بأن يتولى رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) تلك المهمة، ويرفعوا قراراتهم المشتركة إليه للحصول على موافقته النهائية.
إن تغيير هذه الصيغة دون أدنى إشارة موافقة من مجتبى، قد يكون دليلاً آخر على أنه غير موجود حقاً، أو أنه لا يمارس السلطة على النحو الذي مارسه والده.
اليوم، من السابق لأوانه الجزم بما إذا كانت إيران تستعد حقاً لتغيير مسارها، على الأقل فيما يخص آلية صنع القرار فيها. إذا نجت إيران من الحرب الحالية، فقد تتحول إلى نظام عسكري - أمني، شبيه بما يسود في ما تُعرف بدول العالم الثالث.
صراع السلطة في طهران لم يبلغ مرحلته الحاسمة بعد؛ فقد تحدى رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) محمد باقر قاليباف -عميد متقاعد كان يتخيل نفسه المحاور المفضل لدى دونالد ترمب في طهران- قرارات بزشكيان، زاعماً أن «القرارات النهائية» تخص المجلس الأعلى للأمن الوطني. إلا أن هذا المجلس، بعد أن فقد كثيراً من أعضائه جراء «الاغتيالات الموجهة» من جانب الإسرائيليين، بات كياناً مبتوراً، بينما يظل أمينه العام الجديد، قائد «الحرس الثوري» المتقاعد محسن رضائي، رهينة لأوهامه الطفولية.
وسواء ظهر مجتبى أو لا، تظل الحقيقة أن النظام فقد النزر اليسير من الشرعية، التي ربما احتفظ بها في نظر بعضهم، وبات مهيئاً للتغيير بأيدي الشعب الإيراني.
وتقديري أن مجتبى إما أنه غير موجود أصلاً، وإما أنه عاجز عن لعب دور حاسم في صراع السلطة الدائر اليوم في طهران. بالطبع، قد يباغتنا بمفاجأة ويعود للظهور ليعلن «الانتصار التام»، الذي وعد به في الحرب ضد «الشيطان الأكبر». إلا أن ذلك، بطبيعة الحال، يتطلب جرعة وافرة من الالتزام بنصيحة كوليريدج.
