يرتفع منسوب القلق لدى اللبنانيين عموماً، والجنوبيين خصوصاً، مع خوف من القادم الذي لم يعد مجهولاً. فالمخطط الإسرائيلي بات واضحاً في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، فيما يعيش لبنان واقعاً مريراً يتنازعه اختلال التوازنات السياسية والانقسام الداخلي، من مفاوضات «تامبا» العسكرية إلى «متفجرات ضهر البيدر».
في هذه اللحظة، خرج وليد جنبلاط عن صمته، وقال لـ«حزب الله» ما لم يقله كثيرون بصراحة: «بكفّي خراب الجنوب». وحذّر من احتمال توسيع العمليات الإسرائيلية، معتبراً أنه لا يحق للأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، توريط لبنان مجدداً في حروب لا علاقة له بها.
ولا يتردد جنبلاط في قول الأمور بصراحة. تختلف معه أو تتفق، فهو يأخذك إلى التقاطع في لحظة الاختلاف، وقد يذهب إلى الاختلاف في لحظة التقاطع. وهو حريص على جماعته في اللحظات الصعبة، حتى عندما يخالف بعض مواقفها أو يتخذ مواقف قد تجعله أقل تأثيراً. يرفض أن يذهب الدروز إلى المكان الذي تدفعهم إليه الشعبوية والظروف الراهنة، ويتمسك بمواقفه حتى لو استدعت نوستالجيا التاريخ.
جرأة جنبلاط تحتاج إلى جرأة مقابلة لدى ممثلي الجماعة الشيعية. تحتاج إلى أن يكون الرئيس نبيه بري، رفيق دربه، أقرب إلى هذا الموقف.
فالحرب لا تُهدد لبنان بالدمار وحده، بل تفتح الباب أمام احتمال خسارة أجزاء من جغرافيته، وتحويل لبنان الكبير إلى لبنان صغير. وقد تخسر الجماعة الشيعية الجغرافيا، ومعها الديموغرافيا، ويتحولون إلى شتات آخر، على غرار فلسطينيي عام 1948، مع اختلاف الظروف التاريخية. يومها كان العالم منقسماً، وتحكمه ثنائية القطبين، فحصل الفلسطينيون على قرار أممي بحق العودة، أما اليوم فيبدو أن اختلال موازين القوة العالمي والأحادية القطبية يمنحان إسرائيل قدرة كاملة على فرض ما تريده على اللبنانيين.
ولا يمكن فصل ما يحدث في جنوب لبنان عمّا يجري في جنوب سوريا. فالتقدم الإسرائيلي في جنوب القنيطرة، والتحركات على خط «سوفا 53» تُثير مخاوف من مشروع يتجاوز تأمين الحدود إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الإقليمية. وتبرز فرضية أن العقل السياسي الإسرائيلي يسعى إلى قطع الطريق عن الممرات التي تربط الخليج وتركيا بأوروبا عبر سوريا، وصولاً إلى البحر المتوسط.
من هنا، قد تتحول الحرب، إذا امتدت من جنوب سوريا إلى الجنوب اللبناني، من خط «سوفا 53» إلى «مصفاة الزهراني»، إلى جزء من مخططات «إسرائيل الموسّعة»، التي يُخشى أن تضم أجزاء من جنوب لبنان وجنوب سوريا إلى مجالها الجغرافي والأمني.
مساعي تل أبيب لفرض «إسرائيل الموسّعة» تُعيد الذاكرة إلى عام 1920، حين جرى إعلان ولادة دولة «لبنان الكبير». يومها، حاولت بريطانيا، وفق رأي المؤرخ الجنوبي منذر جابر، سلخ جنوب لبنان من لبنان الكبير وضمه إلى شمال فلسطين، في سياق صراعها مع الانتداب الفرنسي على التقسيمات الجغرافية التي أعقبت تفكك الدولة العثمانية، إضافة إلى مشروع «وعد بلفور». فقامت بتسليح جماعات شيعية رفضت إعلان «لبنان الكبير»، وطالبت بالبقاء في سوريا الكبرى، بوجه جماعات مسيحية أيدت الكيان اللبناني، فوقعت الأولى في فخّ ما كانت تخفيه لندن حينها. والمقلق أن يتكرر هذا الموقف الآن، ولكن في سياقات مختلفة، وبالهدف نفسه.
وعليه، «النصيحة بجمل»: هذا ما يقوله وليد جنبلاط، ما يعني أن الأمر يحتاج إلى موقف عام واضح وصريح من الجماعة الشيعية برفض إعطاء ذريعة للعدو الإسرائيلي بشن حرب جديدة. فهذه الحرب، إن وقعت، ستكون خسارتها كبيرة، وقد تبدّل التاريخ والجغرافيا معاً. وتجنّبها مسؤولية وطنية وتاريخية، لأن بقاء لبنان والجنوب أهم من أي حسابات حزبية أو عقائدية.
