عثمان ميرغني
كاتب وصحافيّ سوداني، نائب رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عمل في عدد من الصحف والمجلات العربية في لندن. متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية ومهتم بقضايا الاقتصاد العالمي والمناخ والبيئة.
TT

السودان في مواجهة حرب الاقتصاد والمسيّرات

استمع إلى المقالة

لا تُخاض الحروب بالسلاح وحده، ولا تُحسم نتائجها في ميادين القتال فحسب؛ فهناك جبهات أخرى لا تقل خطورة، في مقدمتها جبهة الاقتصاد، حيث تتحول معاناة المواطنين وضغوط المعيشة إلى أدوات تستهدف تماسك المجتمعات وثقتها في مؤسسات الدولة. والسودان، الذي يخوض حرباً شرسة منذ أبريل (نيسان) 2023، يواجه اليوم تداخلاً معقداً بين المواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية، وتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة، في توقيت بالغ الحساسية.

يتزامن هذا التصعيد مع التقدم الذي يحرزه الجيش السوداني والقوات المساندة له في جبهات القتال، ولا سيما في غرب البلاد. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الأوضاع المعيشية جزءاً من معادلة الصراع؛ إذ يمكن للضائقة الاقتصادية، إذا تفاقمت من دون استجابة حكومية فعالة، أن تستنزف صبر المواطنين.

فالمواطن السوداني اليوم يعيش في قلب العاصفة، إذ تتجلى الأزمة في الارتفاع المتواصل والمتقلب لأسعار السلع، وتآكل الدخول، وتراجع القدرة الشرائية للأسر. ينام المواطن على أزمة وقود، ويستيقظ على أزمة خبز، فيما تعجز الرواتب عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية. وتزداد الأعباء مع عودة طلاب المدارس، حين ترتفع مصروفات التعليم والمواصلات وتضيق الخيارات أمام الأسر محدودة الدخل.

وفي ظل هذه الأوضاع، تثير بعض القرارات الحكومية، مثل حظر استيراد الفول، تساؤلات بشأن مدى مراعاتها للآثار المباشرة على الأسواق ومعيشة المواطنين. فحتى القرارات التي تستهدف حماية الإنتاج المحلي أو تنظيم التجارة تحتاج إلى دراسة دقيقة لنتائجها.

ولا يكفي أن تتخذ الحكومة قراراتها ثم تنتظر من المواطن تحمل نتائجها؛ بل يتعين عليها شرح دوافعها، والإفصاح عن أهدافها، وتوضيح البدائل المتاحة والمدة اللازمة لظهور نتائجها. فالتواصل الفعّال ليس ترفاً إعلامياً، وإنما هو جزء من إدارة الأزمة، وعنصر أساسي في تحصين الجبهة الداخلية.

الضغوط التي يواجهها السودان لا تنفصل عن اضطرابات الاقتصاد العالمي. فقد ألقت الحرب الروسية - الأوكرانية بظلالها على أسواق الطاقة والحبوب، فيما زادت التوترات في المنطقة، في ظل المواجهة الأميركية - الإسرائيلية على إيران، والحرب في اليمن من الاضطرابات في إمدادات النفط والغاز وحركة التجارة عبر مضيق هرمز وباب المندب.

وتنعكس هذه التطورات على تكلفة استيراد الوقود والأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي، فتزيد أعباء الزراعة المحلية، وتضعف قدرة كثير من المزارعين على مواصلة الإنتاج. وتضاف إلى ذلك تقلبات المناخ وشح الأمطار، وما قد يترتب عليهما من تراجع المحاصيل وضغوط إضافية على أسعار الغذاء.

وفي هذا السياق، جاء رفع السلطات سعر الدولار الجمركي بنسبة تتجاوز 29 في المائة في خامس تعديل منذ مطلع العام، متزامناً مع ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى مستويات قياسية. تبعاً لذلك تزيد تكلفة الواردات، وتنتقل آثارها إلى أسعار السلع، ما يستدعي تقديراً دقيقاً لتبعاتها الاجتماعية والإنتاجية.

لقد فرضت الحرب توجيه جانب كبير من موارد الدولة المحدودة إلى المجهود الحربي. ومع أن حماية البلاد ومؤسساتها تبقى ضرورة قصوى في ظل استمرار القتال، فإن إطالة أمد الحرب تعني مزيداً من استنزاف الموارد وتعميق معاناة المواطنين، الأمر الذي يجعل البحث عن وفاق سياسي ومجتمعي ضرورة لا تقل أهمية عن تعزيز القدرات الدفاعية.

ومن هنا، تبرز أهمية الحوار الوطني الذي يوسع المشاركة، ويعالج جذور الأزمة، ويضع أسساً لمعالجات تحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه. وأي مسار جاد للحوار يحتاج إلى إرادة وطنية، وضمانات عملية، وبيئة تسمح بمشاركة القوى المجتمعية والسياسية بعيداً عن الإقصاء. أما تعطيله، سواء بفعل حسابات أطراف داخلية أو تدخلات خارجية، فيهدد بإطالة أمد الحرب، وتوسيع تكلفتها الإنسانية والاقتصادية.

المطلوب اليوم خطة إسعافية تخفف العبء عن المواطن، وتشمل تأمين السلع الأساسية والوقود، ومراجعة القرارات ذات الأثر المباشر على الأسعار، وتوسيع مظلة الدعم للفئات الأكثر تضرراً، وضمان وصول الإمدادات إلى المناطق المحتاجة. لكن الاستجابة العاجلة، مهما بلغت أهميتها، لن تكفي من دون رؤية استراتيجية تعالج الاختلالات البنيوية للاقتصاد.

فالسودان يمتلك مقومات كبيرة: مياه النيل وروافده، والأمطار والمياه الجوفية، والأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والمعادن. وهذه الموارد تمثل فرصة للنهوض، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر للأطماع والتنافس إذا غابت المؤسسات القوية والإدارة الرشيدة.

ولذلك، ينبغي أن تتقدم الزراعة والأمن الغذائي أولويات المشروع الوطني، عبر الاستثمار في الري، وتطوير البذور، وتوفير التمويل والأسمدة والوقود، وتأهيل الطرق ومرافق التخزين والتصنيع، وربط الإنتاج بالأسواق. عندها فقط يمكن تحويل شعار السودان بوصفه سلة غذاء العالم العربي إلى واقع يخدم المواطن أولاً، ويفتح آفاقاً أوسع للصادرات والتنمية.

إن معركة السودان ليست معركة سلاح فحسب، ولا معركة أسعار وموارد وحدها؛ إنها معركة على قدرة الدولة على الصمود، وعلى حق المواطن في حياة كريمة، وعلى مستقبل بلد يمتلك من الإمكانات ما يؤهله للنهوض. والانتصار الحقيقي هو أن تتحول تضحيات الحاضر إلى مشروع وطني يحقق السلام والاستقرار والإنتاج، ويجعل ثروات السودان سنداً لشعبه لا سبباً لاستنزافه.