لم تعد المواقف الدولية من التهديدات التي تواجهها السعودية من جماعة الحوثي الإرهابية مقتصرة على بيانات الإدانة والتضامن، بل بدأت تتجه نحو مسارات أكثر عملية وديناميكية لأن العالم يدرك أن أمن السعودية ليس شأناً سعودياً أو إقليمياً صرفاً، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار العالم واقتصاد العالم وأمن الطاقة والتجارة الدولية، وهذا ما شدد عليه البيان البريطاني أول من أمس، حينما أعلن عن تنفيذ مقاتلات «التايفون» البريطانية مهام دفاعية للمساعدة في حماية الأجواء السعودية من الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية. وذكر البيان أن «تصاعد أعمال العنف في منطقة الخليج يمكن أن يُخلِّف آثاراً خطيرة داخل المملكة المتحدة، من خلال زيادة تكاليف المعيشة، وتعطيل إمدادات الطاقة، ورفع التكاليف التي تتحمّلها الشركات البريطانية، كما يتسبّب هذا التصعيد في دمار ومعاناة واسعة بين السكان المدنيين في اليمن».
جاء الموقف الفرنسي أيضاً واضحاً والذي شدد على أن باريس ستتخذ ترتيبات عسكرية لدعم حماية المنشآت الحيوية في السعودية، وأيضاً الموقف الإيطالي. أما إقليمياً فكان الموقف المصري أكثر وضوحاً حينما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن بلاده مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها، مؤكداً التضامن الكامل مع السعودية، انطلاقاً من العلاقات التاريخية والوشائج المتينة التي تربط بين شعبَي البلدين الشقيقين بوصفهما قلب الأمة العربية، وإيماناً بارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي.
هذه التحركات الدولية تحمل رسالة واضحة مفادها أن استقرار السعودية يرتبط بمصالح دولية تتجاوز حدود المنطقة، وهو ما أشار إليه مجلس الوزراء السعودي في جلسته التي عُقدت أول من أمس (الثلاثاء)، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز، من أن تعزيز استقرار المنطقة والحد من تبعات النزاعات والتوترات على أمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية واستدامة سلاسل الإمداد وحركة الملاحة، هي جميعها مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً دولياً يَحول دون تعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر تمس العالم أجمع.
لهذا تدرك دول العالم أن أي تهديد تتعرض له السعودية لن يتوقف أثره عند حدودها الجغرافية، بل تمتد آثاره على العالم؛ من أسواق الطاقة العالمية إلى حركة الملاحة وسلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج والنقل، وهذه جميعها ستؤثر بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك في مختلف أنحاء العالم.
وهذه المواقف الدولية تُبرز خطورة الاعتداءات التي تقودها جماعة الحوثي الإرهابية والتي تستهدف المنشآت الحيوية في السعودية، مثل المنشآت الصناعية والنفطية في المنطقة الشرقية وينبع، وأيضاً المنشآت المدنية مثل مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومطار الملك فهد في الدمام وقبل ذلك الاعتداء على الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما تحمل الاعتداءات دلالات تتعلق بأمن الحرمين الشريفين والمعتمرين والزوار من كل أنحاء العالم، إضافةً إلى أمن المنشآت الصناعية والطاقة وسلامة البنية التحتية، كون استهداف المواقع الحيوية لا يمثل اعتداء على دولة بعينها فحسب، بل ينطوي على مخاطر استهداف المدنيين والزوار والمعتمرين وأمن الإمدادات واستقرار الأسواق العالمية، ولهذا كلما اتسعت دائرة التهديدات، ازدادت الحاجة إلى موقف دولي واضح يرفض استهداف المدنيين أو تحويل المنشآت المدنية والاقتصادية إلى أهداف للاعتداءات.
لذلك فإن مواجهة التهديدات التي تستهدف السعودية ليست تضامناً سياسياً فقط، بل جزء من مسؤولية دولية مشتركة لحماية المدنيين، وصون المنشآت الحيوية، والهجمات التي تقودها جماعة الحوثي الإرهابية ضد السعودية ولا ينبغي أن تتحول إلى أمر اعتيادي تتعامل معه الدول بوصفه واقعاً لا يمكن تغييره، لأن احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، والامتناع عن استهداف البنية التحتية المدنية، مبادئ لا تقبل الانتقائية، وتتطلب مواقف حازمة وآليات عملية تَحول دون تكرار هذه الاعتداءات، لهذا أثبتت التطورات الأخيرة أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم، وأن استقرار الرياض مصلحة مشتركة للدول والشعوب، وليس مجرد موقف سياسي عابر.
