هذه إطلالة سريعة على كتاب الدكتور عبد العزيز الجلال «تربية اليسر وتخلف التنمية»؛ أعرضه اليوم تقديراً لمكانة المؤلف وتذكيراً بقيمة عمله، قبل أن يمر الزمان فيطويه النسيان. توفي الأستاذ الجلال نهاية الأسبوع المنصرم، بعد حياة حافلة بين الإدارة الرسمية والأكاديمية، مع تركيز استثنائي على تطوير التعليم وفلسفته، وهو موضوع هذا الكتاب.
لعل أول ما يلفت النظر هو العنوان الذي يبدو غامضاً بعض الشيء. ويبدو -من خلال السياق العام للكتاب- أن المؤلف أراد القول بأن نظام التعليم القائم حينئذ بحاجة إلى تطوير جذري، وإلا فلن يُساعد في إحداث اختراق تاريخي على النحو الذي يأمله المجتمع والنخبة، من خلال خطط التنمية، منذ 1971.
يعتقد الجلال أن الاحتذاء بنظم التعليم في الدول المتقدمة ليس مفيداً جدّاً لمنطقة الخليج (التي يخاطبها هذا الكتاب)، فالمشكل هنا مختلف نوعاً ما: لدينا تقاليد وتراث ثقافي غير متسق مع حاجات التنمية، وغير قادر على التفاعل مع قيم التعليم الحديث. في الوقت نفسه، لا يشعر التلاميذ وعائلاتهم بضغط الحاجة المادية كي يقتنعوا بأن الاهتمام بتعليم أنفسهم خيار وحيد إن أرادوا ضمان العيش الكريم. هناك دائماً فرصة للاستعانة بالعلاقات العائلية والأعراف الاجتماعية في الحصول على المال أو الوظيفة المناسبة، حتى لو لم يكن الشاب قد أجهد نفسه في الدراسة. في بعض البلدان يكفي أن تسمح لعدد من الوافدين الأذكياء باستعمال اسمك كي تحصل على دخل ثابت ومريح «وما دام الحصول على الثروة ممكناً من دون مشقة، فمن الغباء أن تتعب نفسك».
يعارض الجلال أيضاً المعايير المعتمدة في نظرية التنمية الكلاسيكية، لا سيما القول إن ارتفاع مستوى الدخل بمفرده، أو زيادة عرض الوظائف وانخفاض نسب البطالة، مؤشر كافٍ للتحقق من نجاح التنمية. في المقابل، يدعو إلى رؤية أشمل، تركز خصوصاً على تنظيف البنى الاجتماعية من الثقافة التي تشجع على السكون والاستسلام للظروف، وتتجنب المغامرة والانفتاح على الجديد والمختلف.
ثمة نقاط لافتة في نقاشات هذا الكتاب، وأخرى تتطلب مراجعة نقدية. لعل أبرز ما يلفت الانتباه هو اهتمام الدكتور الجلال بفلسفة التربية والتعليم بوصفها امتداداً لاهتمامه الموازي بفلسفة التنمية. كان الرأي السائد بين شريحة واسعة من مجايليه يختصر مهمة التعليم في توفير موظفين أكفاء لملء المكاتب الشاغرة في الإدارة الرسمية والشركات، وهذا يطابق تماماً مفهوم أن السوق هي التي تقرر مسار التعليم ومضمونه، ويُعبَّر عنه عادةً بشعار فحواه أن مهمة التعليم هي تلبية احتياجات سوق العمل. أما الجلال فرأى أن التعليم يمكن أن يلعب دور صانع السوق أو صانع التنمية، إذا بُني على ضوء خطة تنمية شاملة، وليس فقط لملء المكاتب. ومن هذه الزاوية، يدعو مراراً إلى منظور جديد في التعليم، يركز على إشراك التلميذ في العملية التعليمية، من خلال التدريب على المهن وممارستها فعلياً خلال البرنامج التعليمي. كما يدعو إلى تدريب التلاميذ على التفكير الحر والتعبير عن أفكارهم، من دون خوف من العقاب أو قلق من ارتكاب الأخطاء. يجب أن يفهم التلميذ أن ارتكاب الخطأ جزء من طبيعة الحياة ووسيلة للتعلم.
لدى الدكتور الجلال إيمان عميق بأن التعليم قادر على صنع المعجزات. إنه متغير مستقل وقادر على تحرير الأجيال الجديدة من التقاليد المقيدة ومن تأثيرات الخرافة. لكن تحقق هذه القدرة مشروط بفصله عن تأثيرات المحيط الاجتماعي المملوء بهذه القيود ومبرراتها الثقافية.
ولد هذا الكتاب في إطار «منتدى التنمية الخليجي»، وهو لقاء سنوي لأكاديميين وشخصيات عامة من دول المنطقة، يناقش في العادة هموماً راهنة ومستقبلية. وكان لقائي الأول بالمرحوم عبد العزيز الجلال في الاجتماع السنوي لعام 2024. ويؤسفني أنه كان أيضاً اللقاء الأخير، وقد تبادلنا نقاشاً مفيداً جداً، ما زال يذكرني بلطفه وبُعد نظره، رحمة الله عليه.
