صادف أمس مرور عقدٍ ونصف العِقد على الخميس الموافق للعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، يوم اكتشاف العقيد معمر القذافي مختبئاً غرب سِرت، بعد قصف رتل سيارات كان يقوده هارباً من معقل قبيلته، والمدينة الأقرب إلى قلبه بين المدن الليبية كلها. الحق أن ذلك كان يوماً في مسيرة ليبيا المعاصرة مشهوداً. ولكن هذه المقالة ليست مخصصة لانعكاسات وقائع ذلك الحدث على مجمل تطورات المشهد الليبي، وهي كثيرة، وتستحق الرجوع لها في أسبوع مقبل، غير أن المناسبة ذاتها فتحت الباب أمام الموضوع الذي يشير إليه العنوان أعلاه، والذي تبلور خلال حديث هاتفي الأسبوع الماضي مع الدكتور سالم الكبتي، الباحث والمؤلف الليبي، عندما أبلغني عن مشروع كتاب جديد ينوي وضعه يتناول علاقة مدينته بعائلات فلسطينية وفَدَ أربابها إلى بنغازي قبل استقلال ليبيا، ودورهم المؤثر في مختلف مجالات نهضتها.
بشكل عفوي، تطرق الحديث مع سالم الكبتي إلى دور الليبيين في مؤازرة الفلسطينيين قبل قيام إسرائيل. وفي هذا السياق، فإن المؤرخ المجتهد -الذي تضم مكتبته أعداداً هائلة من نسخ الصحف الليبية الصادرة في مراحل مختلفة- لفت انتباهي إلى أنني أجريتُ في خريف العام 1968 حواراً نُشِر في صحيفة «الحقيقة» مع المجاهد الليبي سعيد جربوع العَبيدي (بفتح العين)، الذي شارك في ثورة فلسطين الكبرى قبل تسعين عاماً من زماننا هذا. أضاف الكبتي أن المجاهد الليبي تحدث في الحوار عن دوره -إلى جانب مجموعة من الشبان الليبيين- في ثورة 1936 الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني، وأنهم تنقلوا بين عسقلان وصَرَفَند، وسُجِنوا في سجونها، وأن لقائي معه جرى في ضيافته بمنطقة الجبل الأخضر. ختم الكبتي بالقول إن سعيد جربوع العَبيدي ولد عام 1908، وكان شاباً حين انضم إلى عمر المختار في مقاومة الاحتلال الإيطالي، وأسهم لاحقاً في تجنيد شبان قبيلته في الجيش السنوسي.
الملك محمد إدريس السنوسي نفسه زار القدس أميراً عام 1923، قبل توليه حكم ليبيا بعد استقلالها، حرصاً منه على مشاركة قيادات العالم الإسلامي آنذاك في تضامنها مع الشعب الفلسطيني. الدلالات واضحة في الأمرين؛ مشاركة مجاهدي ليبيا الشبان ضد الاحتلال الإيطالي لأرضهم، ووقوفهم إلى جانب الفلسطينيين في جهادهم منذ زمن الانتداب البريطاني، من جهة، ومن جهة ثانية، حرص قائد الجهاد الليبي على تدشين تلك المشاركة بنفسه قبل أعوام من ثورة 1936 الكبرى. أهم ما في دلالات الأمرين يقول إن قضية فلسطين كانت دائماً حاضرة في ذاكرة الليبيين، مُذ بدأت فصولها تتداعى واحداً بعد آخر.
بالتأكيد، ما تقدم لن يلغي حقيقة أن فلسطين كانت وتبقى دائماً حاضرة في ذاكرة العرب أجمعين، فالتاريخ يوثق أن ثورة 1936 ذاتها اندلعت شرارتها في جنازة الشيخ العالِم عز الدين القسام، الآتي من سوريا إلى فلسطين مجاهداً في سبيل حريتها. ولا عجبَ في ذلك إطلاقاً، ففلسطين تظل جرح العرب والمسلمين النازف أبداً، ما دام أن ظُلم احتلال الأرض قائم، والقرار الدولي عاجز عن فرض السلام العادل المرفوض من جانب قوى العدوان «الصهيوديني».
