مِن مظاهر السير نحو الاستقرار المنشود للعراق أن رئيس الحكومة علي الزيدي صبَرَ وتجلد منذ أن تم اختياره لترؤس الحكومة؛ ثابر على مدى خمسة أشهر حتى تمكن من تشكيل الحكومة. وبدت حكومته في هذا الاستكمال تُمثِّل الجميع، وعلى نحو ما هي عليه حال الحكومة التي شكَّلها بكثير من التأني والتفهم للوضع كثير التعقيد في لبنان نوَّاف سلام. ورغم اجتهادات ومعاندات، فإنَّ هذه الحكومة صمدت بفعل المساندة المعنوية والمادية عند الضرورة القصوى، وهي كثيرة مِن جانب المملكة العربية السعودية، وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، كل على نحو تقديره للموقف ولإدارة الأزمة اللبنانية. وأحدث المواقف أثمرت بداية الأمل في حل لأكثر الأزمات تعقيداً التي يعيشها لبنان، ونعني بذلك أزمة الكهرباء. وهذه التهدئة للنفوس اللبنانية من أجل معالجة الأزمات على أنواعها، خصوصاً أزمة الكهرباء، مِن شأنها تقوية عضد الحكومة.
وتلك الطمأنينة كانت حاضرة في استمرار مِن جانب المملكة للأوضاع كثيرة التشابك في العراق، والتي نتيجة مفاعيلها سجَّل العراق في مشهد تشكيل الحكومة حالةً غير مألوفة، حيث إن الزيدي الذي بدأ التشكيل الذي كانت هناك صعوبة في اكتماله، لأن الأذرع الإيرانية تُكثر من المطالب العصية للتو على الحل، تصرَّف بحنكة ملحوظة، حيث نراه يوطد العلاقة مع المملكة العربية السعودية، وعلى نحو محاولة التوطيد مِن جانب الذين سبقوه في ترؤس الحكومة. كما نراه يستحوذ بالتدرج على تفهُّم الرئيس ترمب للوضع في العراق، ويثمر بالتالي هذا التفهم عن انسحاب قوات أميركية كانت في العراق، الأمر الذي جعل ورقة الفصائل على غير فاعليتها قبْل ذلك.
ويحضرني بصفتي متابعاً للتطورات العراقية ببُعديْها الصاخب والهادئ، كلام قاله الزيدي خلال زيارة إلى الرياض يوم الأربعاء 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد يومين من استكمال حقائب عالقة في الحكومة التي يترأسها، ومضمونه أن «موقف حكومته ثابت لجهة عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية منطلَقاً لأي اعتداءات أو أعمال تمس أمن المملكة العربية السعودية ودول المنطقة، وكذلك الحرص على مبادئ حُسْن الجوار واحترام سيادة الدول الشقيقة...». وهذا الموقف كثير الوضوح قوبل بمثله من جانب ولي العهد السعودي الذي أكد دعم المملكة لجهد حكومة علي الزيدي في مساعي تعزيز الحوار لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وكما التقليد الذي يحرص عليه رؤساء الحكومات العراقية؛ مِن إياد علاوي إلى مصطفى الكاظمي إلى محمد شياع السوداني، ويتمثل بمقالة كتبها كل منهم، بهدف أن يقف الرأي العام السعودي على رؤى ومواقف كل منهم، وذلك مِن خلال قراءة ما يريدون قوله عبر مقالة يكتبها كل منهم للنشر في صحيفة «الشرق الأوسط»، فإن استباق رئيس الحكومة علي الزيدي لقاءه في الرياض، ثم في جولة خليجية، كان بمقالة اللافت فيها عدا أن «العراق بحاجة إلى اقتصاد أكثر مرونة، ويستطيع والمملكة تأسيس مرحلة جديدة مِن التقارب نحو الشراكة والتخطيط المشترك»، تأكيده على «أنَّ أمن العراق واستقرار المملكة العربية السعودية يشكِّلان معادلة أوسع لأمن الخليج واستقرار المنطقة...».
وأما الأكثر تلميحاً لمهمة ربما في حال المباشرة بها تحقيق تهدئة راسخة النوايا في المنطقة، فإنها تتمثل بالعبارة الآتية: «يمكن للعراق أن يؤدي دور الوسيط الذي يربط بين القوى الإقليمية مِن خلال الحوار، ويتطلب ذلك اعتماد سياسة تحييد العراق عن الصراعات...». وكأننا بهذه العبارة التي تعكس رغبة علي الزيدي في القيام بدور يهدف إلى خفض التصعيد، ومحاولات إيجاد مخرج من هذه الحروب التي أثقلت كواهل الجميع دون استثناء. ومِن المؤشرات إلى هذا الدور قول الرئيس الزيدي: «إن الحكومة العراقية تدين استهداف مطار الملك خالد الدولي، وكل ما يطال المدنيين والمنظمات المدنية مِن أذى خلال الصراعات...».
