أنظار أوروبا وأنظار العالم مثبتة على شوارع باريس ومرسيليا وليون وبوردو وتولوز وليل وليموج وميتز، ومائة مدينة فرنسية عريقة أخرى، شهدت موجة عارمة من أعمال العنف على يد مجموعات شابّة ملثمة أمعنت حرقاً وتدميراً ونهباً في المباني التراثية والمحال التجارية والآليات وسائر الممتلكات العامّة والخاصة، رافقتها مظاهرات مطلبية حاشدة. يأتي هذا المشهد المأساوي، المثير للقلق، وسط واقع غربي، أوروبي وأميركي، مأزوم، يطغى عليه الانقسام الحادّ بين معسكرين كبيرين؛ المعسكر القومي المحافظ المتمحور خصوصاً حول مسائل الهوية والعائلة والأمن والهجرة (ما يُعرَف باليمين المتشدّد)، والمعسكر اليساري الأممي المنفتح على المهاجرين وعلى قضايا العالم الثالث وعلى أشكال الحياة الشخصية غير التقليدية (ما يُعرَف باليسار واليسار المتشدّد). كما يأتي في ظلّ أزمة اقتصادية - اجتماعية صعبة تطال الفئات متواضعة الدخل وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى، حيث ترتفع النقمة والغضب. وهو يأتي، أخيراً، في سياق حربين خطيرتين، مفتوحتين على احتمالات كثيرة تطال أوروبا؛ الحرب الروسية - الأوكرانية والحرب الأميركية - الإيرانية.
وفرنسا المضطربة في قلب المشهد، إلى أين؟
طالما كانت فرنسا هي المكان الذي تنطلق منه شرارات التحوّل، لتنتشر بعد ذلك في أوروبا، وأحياناً في العالم؛ فمن يراهن الآن على «الثورة الفرنسية»؟
ثمة موعد بالغ الأهمية ينظر إليه الفرنسيون، ومعهم أوروبا ومجمل الغرب، وكذلك روسيا والعالم: الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد ستة أشهر على دورتين، في نيسان (أبريل) وأيار (مايو) 2027. ومن بين أكثر من ثلاثين مرشحاً محتملاً، تبرز في استقصاءات الرأي العام ثلاثة أسماء في الدورة الأولى: مارين لوبان، زعيمة التيار القومي المحافظ المتشدّد، مع نحو 34 في المائة من الأصوات، يليها من بعيد كلّ من جان-لوك ميلونشون، زعيم اليسار الأممي الراديكالي، وإدوار فيليب ممثل اليمين المعتدل والوسط، كلّ منهما بنحو 17 في المائة من الأصوات. وتدلّ الاستقصاءات الحالية أيضاً على فوز كاسح لمارين لوبان في حال واجهت ميلونشون في الدورة الثانية، وإلى فوزها أيضاً، ولو بأكثرية محدودة، في مواجهة فيليب. تبدو الأمور قبل ستة أشهر كأن التيار القومي المحافظ المتشدّد هو الذي سيتسلم زمام الحكم في فرنسا، وذلك للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قبل ثمانين عاماً. وسيشكّل ذلك، إذا حدث فعلاً، ما يشبه الزلزال الفرنسي، الذي ستطال ارتداداته مجمل أنحاء أوروبا.
لكن خلال ستة أشهر، يمكن أن يحدث من التطورات ما يؤثّر في مسار الامتحان الرئاسي الفرنسي، باتجاه أو آخر. من هنا تبرز رهانات ثلاثة كبرى على الاضطراب الفرنسي الخطير الحالي:
الأوّل، رهان اليسار الفرنسي الأممي الراديكالي، المتحالف ضمناً مع تيار الإسلام السياسي بما يمثله من فئات من أصول مهاجرة، ومع «التيار الووكي» الرافض حضارة «الرجل الأبيض»، ومع جماعات يسارية أكثر تشدّداً أيضاً. وعلى الرغم من التناقضات العقائدية العميقة ضمن هذا التحالف، فهو يلتفّ حول جان-لوك ميلونشون ويدعم وصوله إلى رئاسة البلاد. من الواضح أن هذا المعسكر ينظر بعين الرضا، الضمني أو المعلن، إلى العنف الذي رافق المظاهرات الأخيرة، ويرى فيه ردّاً على ما يعدّه «عنف الدولة». ويغلب الاعتقاد بأن هذا الاتجاه يراهن على التصعيد في الشارع لإخافة الفرنسيين المترددين خلال الأشهر الستة المقبلة، موصلاً إليهم الرسالة التالية: العنف الغاضب الذي تشاهدونه الآن ليس شيئاً أمام ما ستشاهدونه إذا وصلت مارين لوبان إلى الحكم! فضلاً عن ذلك، وأبعد منه، يعتقد غلاة هذا الاتجاه أن «الثورة الفرنسية» الحالية، يمكن أن تُطلِق الثورة الأممية الكبرى في وجه اليمين الغربي المتشدّد في العالم، الذي يجسّده الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
الرهان الثاني هو رهان معسكر الوسط، واليمين واليسار المعتدلَين، وهو رهان ضمني غير معلن يقوم على ما يأتي: إذا تصاعد العنف في الأشهر الستة المقبلة، فستتصاعد معه خشية الفرنسيين من الصراع الكبير بين التيار القومي المحافظ المتشدّد واليسار الأممي الراديكالي وحلفائه، وما يحمله من اهتزازات وعواقب، ما سيجعل المعسكر المعتدل طريق الخلاص الوحيد.
أما الرهان الثالث والأخير فهو رهان القوميين الفرنسيين المتصلّبين الملتفّين حول مارين لوبان، الذين يرون أن العنف الذي يؤيده معسكر ميلونشون، سيصبّ حتماً لصالح وصولهم إلى الحكم؛ فهو سيحمل الغضب والخوف إلى مزيد من الفرنسيين، الذين سيجدون في الدولة القوية الحاسمة التي تمثلها لوبان ملجأ خلاصهم الوحيد في بحر العواصف.
