لطفي فؤاد نعمان
عضو مجلس الشورى اليمني، كاتب صحافي وباحث سياسي يمني، عمل مستشاراً إعلامياً لرئيس مجلس الشورى اليمني. يكتب في الصحف اليمنية والعربية وله إصدارات عدة في شؤون السياسة والتاريخ اليمني المعاصر.
TT

الأوطان لا تُختَزَل في ميليشيات

استمع إلى المقالة

«سمعنا منهم كلاماً جميلاً وأجبناهم بكلام جميل، وهذا يكفي»، هكذا أجاب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش على أصدقاءٍ ذكّروه بترحيبه بدعوة إيرانية. (الشرق الأوسط: 9 أغسطس/آب 2023). أيمكن اعتبار جواب درويش رداً إضافياً على عرض إيران للوساطة بين الميليشيا الحوثية وبين قيادة التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية؟!

يا له من عرض «جميل»...!

قبل تناول عرض وساطة «وسيط نافذ ومقبول جداً!»، ننوّه بأداءٍ نسوي لافت تصدَّر المشهد السياسي اليمني مؤخراً.

ها هنا وزيرة الخارجية أفراح الزوبة بثقة تقف في بغداد على مقربة من نظيرها الإيراني عباس عراقجي، وبقوة تجيب على «كلام» الوساطة... الوزيرة الثانية إشراق المقطري بشجاعة تزور جبهات القتال بتعز، ثم مع زميلتهما الثالثة عهد جعسوس يصمدن أمام هجمات الصواريخ ومسيّرات الميليشيات التي استهدفت اجتماع رئيس وأعضاء الحكومة في قصر معاشيق يوم الخميس 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026. وغيرهن وسط الميدان يرصدن تطوراته، وأخريات يتبرعن بحليهن ويجُدن بأموالهن دعماً وإسناداً للجبهات؛ بورك فيهن.

بينما تبعث سيدات يمنيات رسائل «#الحياة_لليمن»، يمارس الحوثيون القمع داخل صنعاء، وينشرون رسائل الموت واليأس من بقاء وطنٍ يتسع للجميع.

تُرى، من الأجدر بتمثيل اليمن؟ مَن يزرع أسباب الحياة أم مَن ينزع مفاتيحها؟ مَن يهب الأمل أم مَن يقتله؟ من يغرس الوهم أم مَن يقلعه؟

الجواب عندكم.

أما الجواب عن الوساطة، فأتمنى أن يوجد له «كلامٌ جميل»...!

عجباً، أيُّ «كلامٍ جميل» والوسيط النافذ يختزل الجمهورية اليمنية في جماعة الحوثيين، المعروفة باسم «أنصار الله»، التي وصفها مجلس الأمن بـ«جماعة إرهابية» ضمن القرار 2624 أول عام 2022، بعد استهداف المدنيين والبنى التحتية في السعودية والإمارات؟!

البقاء على الأرض بالقوة أمرٌ واقع، لكنه لا يلغي أي حق شرعي غير ضائع.

نظن، أن العرض الإيراني وقع في شراك التناقض مع ما يستعرضه الوزير عباس عراقجي في كتابه «قوة التفاوض»، وتأكيده على أهميةِ: «التمييز بين ما يمكن التفاوض عليه وغير القابل للتفاوض (المناطق الرمادية والخطوط الحمراء)»، و«ضرورة الإدراك السليم للخطوط الحمراء للطرف الآخر»، و«إعادة تشكيل صورة الأطراف على نحو مناسب».

هذه البديهيات «التمييز»، و«الإدراك»، و«إعادة تشكيل الصورة» تكاد تكون غائبة عن العرض!

كذلك، غاب عنه أن نجاح الوساطات والمفاوضات لا تضمنه عناصرٌ تريد أن تتحكم غصباً في مصائرِ الذين يعلنون:

«والحكمُ بالغصبِ رجعيٌ نقاومه

حتى ولو لبس الحكام ما لبسوا»

عرضُ الوساطة تجاوز بعض «الخطوط الحمراء»؛ وأكثر الخطوط احمراراً.

إيران «معذورة»؛ إذ تتمسك بآخر أوراق وعواصم نفوذها وتعترف بالحوثيين وتقدمهم ممثلين للجمهورية اليمنية بما يُشهِرون من خناجر، ويطلقون من صرخات، وكونهم يمنحون صكوك الوطنية، وينكرون وجود يمنيين آخرين غيرهم.

في المقابل، المعنيون اليمنيون وباليمن يرون الحوثيين مجرد متمردين مسلحين انقلبوا، وتمادوا وتطاولوا؛ والتاريخ حافلٌ بعبرة ونهاية كل المتطاولين: «فعند التناهي يقصر المتطاولُ».

أجمل الكلام سيُقال بعدما نرى الوسيط الإيراني النافذ يمد، لنفسه أولاً ثم للحوثيين، جسراً للعودة عن الأوهام والتصورات الخاطئة، ليفيقوا على حقيقة بديهية:

الميليشيا لا تمثل اليمن؛ فالأوطان لا تُختَزَل في ميليشيات. نأمل أن تسعى إيران إلى السلام حتى يعم الاستقرار المنطقة وتنتهي هذه الحروب التي أرهقت المنطقة وأتعبت الناس.