حسن المصطفى
TT

السيادة والاستثمار مفتاحا الزيدي لشراكة متينة مع السعودية

استمع إلى المقالة

قدَّم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في مقالته المنشورة بصحيفة «الشرق الأوسط»، 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، عشية زيارته للعاصمة الرياض، تصوراً للعلاقات مع السعودية يتجاوز الصورة الكلاسيكية المحدودة إلى شراكة مستقبلية تقوم على المصالح البينية والتعاون في مجالي الأمن والاستثمارات، خصوصاً أن الرياض وبغداد تمتلكان العديد من المقومات التي باستطاعة البلدين استغلالها في توثيق الصلات؛ وهو أمر ممكن ومتعذر في آن معاً، كونه يواجه صعوبة تتعلق بمسألة بنية المؤسسات في العراق، ووجود فصائل مسلحة تستخدم عتادها في مهاجمة أهداف حيوية واقتصادية في المملكة، وبالتالي تشكل تهديداً أمنياً يستوجب التزاماً واضحاً من الحكومة العراقية بمنع هذه الأعمال؛ وهو ما أعرب عنه السيد الزيدي حين قال إنَّ «موقف الحكومة العراقية الثابت بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي اعتداءات أو أعمال تمسّ أمن المملكة ودول المنطقة»، مكرراً «حرص الحكومة العراقية على الالتزام بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة المملكة والدول الشقيقة»، وذلك وفق البيان الذي نشرته «واس» بُعيد لقاء جمع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالرئيس علي الزيدي، في العاصمة الرياض 14 أكتوبر الحالي.

بالعودة إلى مقالة الزيدي، سنجد أنها تعتني كثيراً بمفهوم «السيادة الوطنية»، حيث عدّ أنها «ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي مسؤولية يومية».

هذه المقاربة تنال أهمية أكبر بتقاطعها مع إدارة العلاقات الخارجية للدولة، وحماية المصالح الاقتصادية، واستخدام الدبلوماسية لتعزيز استقلالية القرار الوطني - الذي تعرض لكثير من الارتباك نتيجة سنوات من التدخلات الخارجية والأعمال الإرهابية - وهو تصور يتعامل مع السيادة بوصفها قدرة الدولة على ممارسة وظائفها من دون منازعة قوى ما دون الدولة!

عراقياً، ما يعرّض «السيادة» إلى الهشاشة في أحايين كثيرة، هو عدم تطابق الصلاحيات الدستورية للحكومة مع قدرتها الفعلية على ضبط جميع التشكيلات المسلحة التي فرضت ذاتها بقوة الأمر الواقع ودعم «فيلق القدس». وعليه، فإن المشكلة التي تواجه بغداد تتصل بتداخل الهياكل الأمنية الرسمية مع قوى تمتلك نفوذاً سياسياً وقدرات عسكرية وعلاقات إقليمية، تتعارض في أولوياتها مع القرار السيادي الحكومي. ولذلك؛ فإن «السيادة» التي يدعو إليها الزيدي، تقتضي معالجة بنية اتخاذ القرار الأمني، وضمان خضوع استخدام القوة لسلطة الدولة ومساءلتها القانونية، من دون غيرها من باقي التشكيلات!

الزيدي أكد في مقالته أن «أمن العراق واستقرار المملكة العربية السعودية ليسا مسألتين منفصلتين»، مستنداً في ذلك إلى قناعته بأن الاعتداءات العابرة للحدود ترتب تكاليف على البلدين، وتنعكس سلباً على قدرتهما على التعاون، وتخلق أجواء من الاحتقان الشعبي.

هنالك تصورٌ أيضاً قدمه الزيدي إلى الدور الخارجي لبغداد، بوصفها جسراً للحوار بين القوى الإقليمية، حيث تمتلك علاقات متنوعة تتيح لها التواصل مع أطراف يصعب جمعها في إطار واحد. غير أن فاعلية الوساطة هذه تعتمد على قدرة الحكومة على تنفيذ التفاهمات التي تساعد في الوصول إليها، ومنع الجهات غير الحكومية من تقويضها، خصوصاً أن هنالك تجارب سابقة إبان حكومة مصطفى الكاظمي، عملت فيها بغداد على استضافة وفود سعودية وإيرانية لتقريب وجهات النظر، قبل إعلان «اتفاق بكين» مارس (آذار) 2023، إلا أن ما جعل قدرة الحكومة العراقية محدودة – رغم مساعي الكاظمي الحثيثة وصدق نوايا فريقه الخاص كما يشهد مطلعون على المحادثات حينها – هو عدم وجود آليات للرقابة والتنفيذ تمنع حلفاء إيران من القيام بأعمال عدائية، وأيضاً غياب الضمانات التي من الممكن أن تقدمها بغداد وتلزم الأطراف المختلفة بتطبيق بنود أي اتفاق.

يتضمن طرح الزيدي أيضاً بعداً اقتصادياً، يرتبط باضطرابات مضيق هرمز، والحاجة إلى تنويع مسارات التجارة والطاقة، كما يدعو الزيدي إلى «ضرورة تنويع المسارات التجارية، بما يحُول دون ارتهانها لمسار واحد أو ظرف استثنائي بعينه»، عادَّاً أن «الاضطرابات الحادة التي شهدتها الأسواق وحركة التجارة وإمدادات الطاقة، نتيجة إغلاق مضيق هرمز» قد ألحقت «أضراراً باقتصادات المنطقة». وعليه، فإن «العراق في حاجة إلى اقتصاد أكثر مرونة، يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتوسيع منافذ التجارة... وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار». وهذه التطلعات المشروعة عراقياً، تحتاج إلى بيئة مستقرة جاذبة وقوانين حديثة قابلة للتطبيق بقوة القضاء المستقل، وكل ذلك يقود تلقائياً إلى ملف «السيادة وحصر السلاح»؛ كي يشعر المستثمرون بالطمأنينة وإمكانية بناء مشاريع كبيرة تكون فيها مصالح مشتركة للطرفين.

يمكن أن تبدأ المرحلة المقبلة في عملية الإصلاح التي يروم الزيدي تعزيزها، بآلية اتصال أمني منتظمة داخلياً وخارجياً مع الشركاء الإقليميين وفي مقدمتهم السعودية؛ وإجراءات واضحة للتحقيق في الاعتداءات العابرة للحدود ومحاسبة مرتكبيها، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول مصادر التهديد، ومتابعة النتائج عبر المؤسسات المختصة، وحشدِ رأي عام داخلي مؤيد لهذه الخطوات.

الترتيبات في حال نجاحها التراكمي، ستكون في صالح تحقيق أمرين هدفت لهما مقالة الزيدي: السيادة والاستثمار، وهما برأيي هدفان لا تعارضهما الرياض، بل تشاطر بغداد التطلعات، وستكون داعمة لتحقيقها في حال كانت هنالك خطوات واضحة من المؤسسات المعنية؛ كي يتجاوز البلدان مرحلة اختبار حُسن النيات، إلى الثقة والشراكة الفعلية، خصوصاً أنه، وحسب مصادرَ مطلعة تحدثت معها، أكدت أن لقاء الأمير محمد بن سلمان برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، نُظر له في الرياض بأهمية بالغة، خصوصاً في توقيته، وأنه يشيرُ بوضوح إلى وجود إرادة لدى الرياض في إنجاح مهمة الزيدي في بسط سيادة الدولة، وتحقيق شراكة مستدامة مع السعودية في المجالات المختلفة، لخلق شبكة أمانٍ إقليمية أوسع، تحدُّ من الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.