د. ناصيف حتي
TT

أوكرانيا والتحولات الدولية

استمع إلى المقالة

يبرز التغيير في السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا في ظل الحرب المستمرة، التي تشهد تصعيداً عسكرياً نوعياً بين موسكو وكييف، من خلال الأهداف القتالية الجديدة بين طرفيها. ورغم أن هذا التغيير لم يستقر بعد كلياً، فإنه يشكّل مثالاً آخر على السياسة الخارجية لترمب، التي تقوم على أحادية حادة بوصفها إحدى ركائزها الأساسية، على حساب «عقيدة» الغرب الاستراتيجي و«إرثه»، اللذين تعبّر عنهما، ولو بتراجع، منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتعاون متعدد الأطراف بين دول الحلف في القضايا الاستراتيجية التي تمس الأمن الحيوي لأطرافه.

دعوة ترمب إلى انتخاب رئيس جديد لأوكرانيا، يحل محل زيلينسكي، هي أحد مؤشرات هذا التغيير. كما أن رفع العقوبات عن الديزل الروسي، رغم أن روسيا لم تستجب لطلب واشنطن بوقف إطلاق النار، مؤشر آخر على هذا التغيير. وردّ زيلينسكي أيضاً على موقف واشنطن بالإعلان بأنه لن يوقف الهجمات على «المصافي في روسيا». ويرى البعض أن قرار ترمب بشأن الديزل الروسي يأتي عشية الانتخابات النصفية الأميركية، وأن أولوية الناخب الأميركي تتعلق بخفض أسعار الديزل أكثر مما تتعلق بدعم أوكرانيا. ويعدّ ترمب أن الاتفاقيات الاقتصادية مع موسكو تسهّل التوصل إلى سلام في أوكرانيا.

وفي إطار احتواء مفاعيل التغيير الحاصل وطمأنة الحلفاء الغربيين بشكل خاص، وكمثال على سياسة الحد من الخسائر، يؤكد مسؤولون أميركيون أن التعاون بين واشنطن وكييف ما زال مستمراً في المجال الاستخباراتي. وموضوع أوكرانيا ملف أساسي -إن لم يكن الأساسي- في الخلافات المتزايدة داخل البيت الأطلسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد بدأ الخلاف منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض حول نسبة إسهام الحلفاء الأوروبيين في موازنة «الناتو»، التي انتقدها ترمب بشدة، وهدد بإعادة النظر في الموقف والسلوك الأميركيين حيال كثير من القضايا الأمنية الأساسية التي تجمع أطراف الحلف، وتستند إليها العلاقات عبر الأطلسي تاريخياً.

الموضوع الأوكراني يأتي في طليعة التحديات الأمنية، بالمفهوم الشامل للأمن بالنسبة إلى أوروبا، ما يُعزز هذا الأمر جغرافية القارة القديمة وتاريخ العلاقات مع موسكو، رغم التغيرات التي شهدتها هذه العلاقات. ولا بد، رغم ذلك كله، من التذكير بأن أحزاب اليمين الأوروبي المتشدد تتبنى مواقف تندرج خارج إطار السياق السياسي الأوروبي التقليدي، وهي أكثر «تفهماً»، أو، كما يقول البعض، «تضامناً مرناً» مع موسكو.

الرد الأوروبي على الموقف الأميركي جاء سريعاً، من خلال تخصيص مساعدات لأوكرانيا -رغم الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تعصف، ولو بدرجات مختلفة، بدول الاتحاد الأوروبي- في حدود 90 مليار يورو للفترة الممتدة من 2026 إلى 2027، مع تجديد تأكيد الإسراع في مسار ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

أوكرانيا اليوم تقدم مثالاً صارخاً على القواعد التي هي في طريق التبلور في نظام عالمي لم يستقر بعد، ومن أهم هذه القواعد انتهاء عصر التحالفات الكلية الجامدة، رغم إرثها الطويل. ولا يعني ذلك سقوطها كلياً، كما حصل مع سقوط «الشرق» الاستراتيجي بعد نهاية نظام الحرب الباردة، وبعده سقوط نظام «لحظة الأحادية الأميركية»، بل نحن نشهد إرهاصات ولادة نظام جديد، لا تكون فيه التحالفات شاملة وجامدة، وإن بقي بعضها، ولكنه يخضع لما يُعرف بمنطق التحالف أو «التعاون بالقطعة». نظام يقوم على مزيد من عناصر تشابك وترابط وتداخل وتصادم وافتراق المصالح بين أطرافه حسب كل قضية على أرض الواقع، ولو بقيت الانتماءات أو العضوية في منظمات دولية وإقليمية قائمة، لا ينتهي دورها بالطبع بشكل مطلق. دور تبقى له وظيفته في توفير أوجه دعم مختلفة أو شرعية دولية أو إقليمية واسعة لموقف أحد أطرافه في حالات معينة، ولكن ليس بشكل تلقائي أو شبه دائم. أوكرانيا اليوم أحد أبرز الأمثلة على ما أشرنا إليه، إلى جانب أمثلة أخرى قائمة أو قادمة، كما يقول أكثر من مراقب.