في ليلة الأحد 11 أكتوبر (تشرين الأول)، وأبواب المتاجر مغلقة، اخترق مجهولون أنظمة التبريد في مئات المتاجر الفرنسية، ورفعوا حرارة الثلاجات إلى 50 درجة مئوية، ومدَّدوا دورة إذابة الثلج من ساعة إلى 8 ساعات حتى لا تنطلق أجهزة الإنذار، وفي الصباح التالي وجد العاملون اللحوم والألبان فاسدة على الرفوف، وبعض أجهزة التبريد محترقة، وقد قدَّر وزير المالية الفرنسي عدد المتاجر التي استُهدفت بنحو 700 متجر، وتحدث رئيس مجموعة «إنترمارشيه» عن خسائر بعشرات الملايين من اليوروهات في يوم واحد. ثم جاءت المفاجأة الثانية: التأمين لا يغطي ما فسد! فلم يعلن أحد مسؤوليته، ولم يطلب أحد فدية، والتحقيق ما زال في بدايته، والسؤال الذي يتجاوز هوية الفاعل هو: إذا كان كل طرف في هذه القصة يستطيع أن يقول إن الحادثة ليست مسؤوليته، فمن ينبغي أن يدفع؟
وليست هذه الحادثة استثناءً، فقد صدرت ورقة مشتركة لبنك التسويات الدولية، والرابطة الدولية لمشرفي التأمين في يونيو (حزيران) الماضي، تقدِّر أن نحو 1 في المائة فقط من الخسائر الاقتصادية للهجمات الإلكترونية في العالم مؤمَّن عليه، أي أن 99 دولاراً من كل مائة يخسرها الضحايا تخرج من جيوبهم. وفي حالة الثلاجات وأنظمة التبريد تحديداً سقط الطعام الفاسد في فراغ بين وثيقتين؛ فوثيقة التأمين الإلكتروني صُممت لتعويض سرقة البيانات وتعطُّل الأنظمة واستثنت الأضرار المادية، ووثيقة الممتلكات صُممت للحريق والسرقة والفيضان، وقد سارعت شركات التأمين في السنوات الأخيرة إلى إخراج الحوادث الإلكترونية منها، حتى لا تدفع عن خطر لم تسعِّره. وجاء الهجوم من الشبكة ووقع أثره على الأطعمة، فلم تجد الخسارة وثيقة تنتمي إليها.
ولانسحاب شركات التأمين منطق اقتصادي يصعب تجاهله، فالتأمين يقوم على أن الحوادث متفرقة: يحترق بيت هنا وآخر هناك، فتدفع أقساط الآلاف عن خسارة القلَّة، أما الخطر الإلكتروني فمترابط بطبيعته؛ ثغرة واحدة في برنامج واحد تضرب مئات المتاجر في ليلة واحدة. وقد امتد الهجوم -حسب المحللين- إلى إسبانيا وألمانيا وبلجيكا ودول أخرى. ويزيد الأمر تعقيداً أن الوثائق تستثني عادةً الحروب والهجمات التي تقف وراءها دول، في زمن يصعب فيه أن تعرف من يقف وراء الهجوم أصلاً.
وحين ضرب فيروس «نوت بيتيا» شركة الأدوية الأميركية «ميرك» عام 2017، رفضت شركة التأمين الدفع بحجة «أعمال الحرب»، ولم تنل «ميرك» حقها إلا بعد سنوات في المحاكم.
وقد قدَّم الاقتصادي غيدو كالابريسي قاعدة بسيطة لشرح ذلك، تُحمَّل الخسارة على الطرف الذي يستطيع منعها بأقل تكلفة؛ لأنه وحده من سيتحرك إن عرف أنه سيدفع. ولننظر من هو هذا الطرف في حادثة الثلاجات: أجهزة التبريد المستهدفة من صنع شركة دنماركية أوقفت دعم أحد طرازَيها عام 2016، والآخر عام 2021، بينما يعمل الجهاز الصناعي من هذا النوع 15 عاماً أو أكثر، ولذا فهي «أجهزة يتيمة»، تعمل كل يوم في قلب المتجر ولا يرعاها أحد، والثغرة فيها لا يستطيع التاجر أن يسدَّها لأنه لم يكتب البرنامج ولا يملك مفاتيحه، فالصانع وحده يعرف موضع الخلل ويملك إصلاحه، ومع ذلك لا يتحمل شيئاً حين تُستغل الثغرة، وهذا ما يسميه الاقتصاديون أثراً خارجياً، وهو قرار يتخذه طرف ويدفع ثمنه طرف آخر.
وأوروبا بدأت تصحح هذا الخطأ، فقانون المرونة السيبرانية يُلزم الصانع بدعم منتجه 5 سنوات على الأقل، وقد تبلغ غراماته 2.5 في المائة من مبيعات الشركة في العالم، والتوجيه الجديد للمسؤولية عن المنتجات يعدُّ البرنامج منتجاً، ويعد الامتناع عن تحديث لازم للسلامة عيباً فيه، ولكن الأول لن يُطبَّق كاملاً قبل ديسمبر (كانون الأول) 2027، ولن يشمل ما بيع قبله، والثاني يحمي الأفراد لا الشركات، فلا يجد «السوبرماركت» الفرنسي في أي منهما ما يعوِّضه، وأما ما يفوق طاقة أي صانع أو مؤمِّن، كهجوم تقف وراءه دولة، فسابقة الإرهاب حاضرة؛ وحين صار خطره أكبر من أن يحمله السوق، أنشأت بريطانيا بعد تفجيرات التسعينيات مجمَّعاً تضمنه الدولة، وسنَّت أميركا قانوناً مماثلاً بعد هجمات 2001، وقد سألت وزارة الخزانة الأميركية في مارس (آذار) الماضي إن كان ينبغي أن يمتد إلى الهجمات الإلكترونية.
وللإنصاف، فللصانع حجته؛ إذ لا يستطيع أحد أن يدعم جهازاً إلى الأبد، وكل سنة دعم إضافية ستظهر في سعر الجهاز الذي يدفعه التاجر ثم المستهلك. وللتاجر نصيبه من اللوم، فالحكومة الفرنسية نفسها وصفت ترك واجهات التحكم مكشوفة على الإنترنت بأنه مخالف للممارسات السليمة، ومن يعرف أن غيره سيعوِّضه قد يكفّ عن الحذر، إلا أن هاتين الحجتين لا تنقضان القاعدة؛ بل تحددانها: أن يتحمل الصانع خطر ما لا يملك غيره إصلاحه، وأن يتحمل التاجر خطر ما قصَّر فيه، وأن تبقى الدولة ضامناً أخيراً لما يتجاوزهما معاً. أما أوروبا فقد كتبت القانون الذي يمنع ولادة أيتام جدد، ولكنها لم تقرر بعد مَن يتكفَّل بالأيتام الذين يعملون الآن في متاجرها ومصانعها، وإلى أن تقرر سيبقى كل واحد منهم باباً مفتوحاً، وسيبقى ثمن ما يدخل منه يُدفَع في المكان الخطأ.
