أمير طاهري
صحافي إيراني ومؤلف لـ13 كتاباً. عمل رئيساً لتحرير صحيفة «كيهان» اليومية في إيران بين أعوام 1972-1979. كتب للعديد من الصحف والمجلات الرائدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويكتب مقالاً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» منذ عام 1987.
TT

إيران... حزمة من المشكلات

استمع إلى المقالة

«ما المشكلة الإيرانية التي تشغل بال المحللين وصناع القرار؟». كان هذا السؤال الذي طُرِح عليّ، قريباً خلال جلسة عصف ذهني جمعتني بعدد من المعلقين السياسيين في لندن.

والإجابة المختصرة أنه -وحسب زاوية رؤية المتابع- فإن إيران تكمن في مجموعة من المشكلات المركَّبة. للبعض، مثل الإدارات الأميركية المتلاحقة، يكمن جوهر المشكلة في سعي النظام الإيراني الحالي للحصول على أسلحة نووية. ودأب كل رئيس أميركي على تقديم «معالجة الملف النووي الإيراني» بوصفها أولوية قصوى. وفي عهد الرئيس باراك أوباما، استنزفت هذه «المشكلة» ما يقرب من كامل الأعوام الأربعة، التي قضاها وزير خارجيته جون كيري، في منصبه.

ولم تكن الولايات المتحدة وحدها في هذا السياق؛ فقد زار وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، طهران خمس مرات لـ«حل» ما أُطلق عليها «المشكلة النووية». كما فعل الأمر نفسه كل وزراء الخارجية الألمان وأغلب نظرائهم الفرنسيين.

في سياق آخر، جرى تعريف «المشكلة الإيرانية» بأنها «تصدير الإرهاب»، مع الاستشهاد بحالات تضمنت أكثر من ثلاثين دولة -من الكويت إلى الأرجنتين، مروراً بتركيا وسويسرا وكثير من دول الاتحاد الأوروبي. يُضاف إلى ذلك الدعم المالي والعسكري والسياسي، الذي قدمته طهران لجميع الفصائل الفلسطينية، التي تقاتل إسرائيل تقريباً، ناهيك بالتنظيمات المسلحة في أميركا اللاتينية.

كما تجري الإشارة كذلك إلى تأسيس «وكلاء» في عدد من البلدان، خصوصاً في عراق ما بعد صدام، وسوريا، ولبنان، وغرب اليمن، بوصفه وجهاً آخر من وجوه «المشكلة الإيرانية»، مع سقوط أعداد لا تُحصى من العراقيين والسوريين واللبنانيين واليمنيين قتلى، على يد «فيلق القدس» وعناصره المحلية.

المثير للدهشة أن العالم الخارجي نادراً ما يرى «المشكلة الإيرانية» من منظور ما يرتكبه النظام الإيراني بحق الشعب الإيراني على مدار أكثر من أربعة عقود؛ الأمر الذي يتضمن عشرات الآلاف من حالات الإعدام، وعديداً من المجازر بحق المحتجين والمعارضين العزل، فضلاً عن تصدر إيران دول العالم في أعداد المعتقلين السياسيين. كل هذا من دون التطرق إلى تحويل اقتصاد كان متطوراً إلى حد ما، إلى ما يشبه مأوى للفقراء تسيطر عليه أقلية فاحشة الثراء.

قد يبدو كل ما سبق سرداً طويلاً من المآسي، التي قد ينطبق بعضها على دول أخرى كذلك. والآن: ما جوهر «المشكلة الإيرانية» إذن؟

من دون الإجابة عن هذا السؤال، لن يكون أي حل للمشكلات المعروضة أعلاه أمراً ممكناً. ورغم أن مفهوم «الخطيئة الأولى» لا وجود له في الثقافة الإيرانية، فإنني أعتقد أن بإمكاننا استخدامه لوصف ما حدث عام 1979.

في ذلك العام، استولى فصيل من رجال الدين، بالتحالف مع طيف من الجماعات اليسارية ودعاة تيار «العالم الثالث»، على السلطة، وحوَّلوا إيران من دولة قومية طبيعية إلى أداة لخليط آيديولوجي هجين، مكوَّن من نسخة محوّرة من أدبيات جماعة «الإخوان المسلمين»، مع مفاهيم ماركسية ولينينية ماويّة أُسيء فهمها.

كان الخطأ الذي ارتكبه العالم الخارجي، تجاهُل ذلك التحول، والافتقار إلى الرؤية من خلال الاستمرار في افتراض أنهم يتعاملون مع دولة قومية طبيعية تمتلك مصالح وتطلعات وطموحات عادية كأي دولة أخرى.

وقد سهَّل الانقياد وراء ذلك الوهم مسألةَ أن جزءاً من بنيان الدولة الإيرانية ما قبل عام 1979 قد ظل قائماً، وجرى استخدامه واجهةً للنظام الخميني الجديد؛ إذ كانت البيروقراطية تعمل -إلى حد ما- كما كانت في السابق، بينما توفَّر عدد كافٍ من الشخصيات المؤهلة والمتعلمة في أميركا وأوروبا للاضطلاع بأدواره بوصفهم وزراء ودبلوماسيين ومفاوضين تجاريين.

وهذا ما عبّر عنه كريس باتن، الناطق باسم الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي آنذاك، بقوله: «عند التعامل مع طهران، نلتقي فاعلين موهوبين يتقنون المصطلحات الدبلوماسية والسياسية تماماً كأي شخص آخر، غير أننا نكتشف لاحقاً أنهم مجرد مأجورين، يمثلون دور الدبلوماسي أو الوزير، بينما يمسك آخرون بمقاليد السلطة الحقيقية».

ولزيادة الأمور تعقيداً، شكَّلت القوى التي تعاملت مع إيران تحالفات تدريجية، مع أجزاء من التكتل السائد في الهيكل السياسي المتشظي داخل طهران.

من جهتها، ركزت روسيا اهتمامها على «بيت القائد» وشخص المرشد الراحل علي خامنئي، إلى جانب قطاعات من «الحرس الثوري» الخاضعة لسيطرته. في المقابل، وضعت الصين رهانها على الفصيل الذي يقوده علي أكبر رفسنجاني وشركاؤه في قطاع الأعمال.

أما الولايات المتحدة، فقد أقامت روابط وثيقة مع من يُسمَّون بـ«الإصلاحيين»، أمثال رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، ولاحقاً المجموعة المعروفة بـ «فتية نيويورك»، التي عملت بمنزلة فرع محلي للحزب الديمقراطي الأميركي.

في المقابل، حدد البريطانيون - وبدرجة أقل الفرنسيون- محمد خاتمي، ولاحقاً حسن روحاني، بوصفهما: «الرجل الذي يمكن العمل والتفاوض معه».

وحجزت دول أخرى مهتمة بإيران أو متخوفة منها، مساحات نفوذ خاصة ضمن الأطر التي حددتها القوى الكبرى المذكورة أعلاه. وفي كل حالة، حرص اللاعبون الخارجيون على جني أقصى قدر من الفوائد، بأقل استثمار اقتصادي وسياسي ممكن في هيكل السلطة المفتَّت في طهران، مع التأكد في الوقت ذاته من عدم إقدام القوى المنافسة على توسيع نفوذها.

من جهتها، رفضت روسيا بيع أسلحة لـ«الحرس الثوري»، من تلك التي تبيعها لدول أخرى مثل الهند وتركيا. أما الصين، فقد اشترت النفط الإيراني بتخفيضات هائلة، من دون أن تدفع نقداً، لتفرض منتجاتها الخاصة على السوق الإيرانية، بينما قدم الاتحاد الأوروبي وعوداً برّاقة بتوقيع عقودٍ لم يوفِ بها قط. وبذلك، أصبح الحفاظ على الوضع الراهن هو الأولوية غير المعلنة لجميع الأطراف. وهذا يعني إبقاء إيران على متن القطار الخاطئ، الذي صعدت إليه عام 1979، بدلاً من مساعدتها على النزول منه في المحطة الأولى. وعليه، ولكي تُسهم إيران في حل أيٍّ من المشكلات السالف ذكرها، فمن الضروري أن تعزف موسكو وبكين وواشنطن والاتحاد الأوروبي ونصف دزينة من الفاعلين الإقليميين الأصغر على النغمة ذاتها. إلا أن عدم قيامهم بذلك طوال نحو نصف قرن قد يعني إمكانية تكيّفهم مع ما وصفها الرئيس بيل كلينتون بـ«سياسة الاحتواء» لإيران.

اليوم، تقف إيران عند نقطة تتعادل فيها الفصائل الداخلية والخارجية المتنافسة؛ فهي غير قادرة على تغيير البيئة المحيطة بها، وفي الوقت نفسه عاجزة عن تغيير نفسها لِتُناسب تلك البيئة. لا تستطيع خوض حرب بأسلوب فعال، كما أنها غير قادرة على السعي نحو السلام. والنتيجة ما يُعرف في الشطرنج باللغة الألمانية بـ«تسوغسفانغ»، (وضع الحصار المتبادل)، والذي يعني العالق في موقف لا يُحسد عليه، حيث تؤدي أي حركة إلى إلحاق ضرر به.