لم يعترض طلَّاب المدارس الثانوية في فرنسا على الرئيس إيمانويل ماكرون، لأنه وقف خطيباً مِن على منبر الدورة السنوية العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر (أيلول) 2026، ليقول بكلمات إنسان يميز بين الحق الفلسطيني والظلم الإسرائيلي في أبشع حالاته: «أي مصداقية تبقى لنا إذا ما واصلْنا الوقوف مكتوفي الأيدي أمام ما يجري في غزة؟ وهل علينا أن نظل مكتوفي الأيدي على مشهد يجلب إلينا العار جميعاً؟».
وإنما كان الاعتراض - الذي وصل إلى حدِّ أن مئات المدارس الثانوية أُغلقت في أنحاء فرنسا يوم الجمعة 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 وسيَّر الطلاب تظاهرات - احتجاجاً على طول مفْرط لساعات الدراسة، ما يعني أن هؤلاء الطلاب بدأوا الاستسلام إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي يعوِّضهم البقاء طويلاً على مقاعد مدارسهم، بينما هذا الذكاء يختصر الدروس.
كما أن ضِيق هؤلاء مِن طُول ساعات الدراسة، لأنه يحرمهم مِن استعمال هواتفهم الذكية والتي يقضي عموم مقتنيها ساعات مِن الليل والنهار وهم يدوسون على عشرات الإشارات في الجهاز، لمشاهدة بعض المحتوى مِن تثقيفي ومعلوماتي، والبعض الآخر لمتعة تحفِّز على الحبِّ والغرام والجنس بنوعيْه، وسماع أغنيات مطربين ومطربات.
وفي بريطانيا لم يعترض حزب «الخُضْر»، الذي يملك في مجلس العموم 5 مقاعد من أصل 650 مقعداً، لأن الحكومة التي يترأسها «حزب العمال» تتَّجه إلى العودة عضواً في الاتحاد الأوروبي (بريكست)، ولا لأنها، كما فرنسا وسائر دول القارة الأوروبية، ترى مساعدة إدارة الرئيس دونالد ترمب في الأزمة الاقتصادية - النفطية التي تعيشها أكثرية الناس في البلاد، وتتمثل المساعدة في قرار اتخذتْه المجموعة الأوروبية، الجمعة 2 أكتوبر 2026، في اجتماع ترأسه ماكرون وقضى بضخ 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل مِن احتياطاتهم في الأسواق لمدة 4 أشهر، الأمر الذي يخفف الوطأة على إدارة الرئيس ترمب.
وإنما لأن الحزب الأخضر أقرَّ في اجتماع عقده عقب فوزه في انتخابات محلية وفرعية رفعت مِن معنويات قيادته، بأن تُعامَل الصهيونية كأي شكل آخر مِن أشكال العنصرية، وبأن يدعم الحزب «إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل أراضي فلسطين التاريخية».
وحيث إن ما قاله وارتآه هذا الحزب سبق أن قاله بصيغة مختلفة حزب «العمال» ولا يقوله «حزب المحافظين»، صدم الذين يحكمون في إسرائيل ويمعنون استفزازاً ومطاردة واقتلاعاً لأشجار الزيتون المباركة، فإن إسحق هرتسوغ رئيس الدولة التي تُسجِّل منذ عام 1948 أبشع أنواع الاستهتار بالقرارات الأممية، عدَّ قرار حزب «الخضر» وصمة عار، قافزاً فوق الحقيقة. وزادت منظمات تمثِّل الجالية اليهودية في بريطانيا التحذير من قول حزب «الخضر». كما أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» نشرت لاحقاً حول الأزمة البريطانية - الإسرائيلية يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 ما يفيد بأن إسرائيل رداً منها على عقوبات فرضتْها بريطانيا على مستوطنات إسرائيلية، أن السفير البريطاني أبلغ مسؤولين إسرائيليين بأنه إذا لم يُلْغ قرار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، التي يعمل فيها 27 دبلوماسياً بريطانياً، فإن الرد البريطاني سيكون طرْد 27 دبلوماسياً إسرائيلياً مِن السفارة الإسرائيلية في لندن.
ويُزايد سموتريتش الحليف الثاني ﻠنتنياهو، وبتحدٍّ غير مسبوق مِن تحديات بن غفير، حيث يصرح في اليوم نفسه بالآتي: «انظروا ما هي أحوال قطاع غزة. هنالك 82 في المائة من المنازل مدمَّرة. لقد رأيتُ مؤخراً بعض التحليلات للصور الجوية. نحن نسيطر على ما بين 60 و70 في المائة مِن قطاع غزة. إنها كلها أنقاض. لن يُبنى عالَم هناك، وهذا أيضاً أكثر ما يشجع على الهجرة مِن هناك».
واللافت أن هذه الوقفة البريطانية الجريئة والعادلة تحدُث في حين أن بن غفير المقتحِم يقوم بشكل مستمر باقتحام المسجد الأقصى، والرقص تهريجاً مع جماعات تابعة لعداونيته في ساحة المسجد، فضلاً عن تباهيه بأنه تم خلال عام ونصف العام هدم 10 آلاف منزل في القدس، وتحت شعار «القدس لنا وإسرائيل لنا». كما تحدُث الوقفة البريطانية وقبْلها الوقفة العادلة للرئيس الفرنسي ماكرون مِن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تشير فيه تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أنه «على الجيش الإسرائيلي رفْع درجة الاستعداد لسلسلة مِن السيناريوهات في الأيام المقبلة».
إنها نزوة الإبادة المتأصلة في أهل الحُكم في إسرائيل، الذين لا يصغون إلى الحل الذي يحقق لهم البقاء في جغرافية العالم العربي، والمتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
