مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

الترهيب بالذاكرة... الخوف بديلاً من الاغتيال

استمع إلى المقالة

قد يكون «حزب الله» نجح في استحضار الذاكرة اللبنانية القلقة من دون الحاجة إلى القيام بالفعل، والفعل هنا هو تصفية الخصوم، أي الاغتيال السياسي الذي يترك حوله شبهات شبه مؤكدة منذ عام 2005، من رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، إلى لقمان سليم. فاستعادة الخوف إلى قلب الحياة السياسية اللبنانية، في هذه الحالة، لم تعد تحتاج إلى استدعاء المتفجرات كي تؤدي وظيفتها.

من هنا لم تعد نتائج التحقيق بشأن مصدر شحنة الـC4 (مواد شديدة الانفجار) أو وجهتها أو الجهة التي أُعدّت لها أمراً مهماً، خصوصاً أن الترهيب قد حصل، وأن شحنة الـC4 أتت أُكُلها. لذلك تبرز فرضية أخرى: ماذا لو تعمّد الحزب الكشف عن شحنته؟ فهو بذلك يعفي نفسه من استخدامها، لكنه يفرض معادلة الترهيب، ويستحضر الاغتيالات في الوعي الجمعي اللبناني، خصوصاً لدى السياسيين الذين يعارضونه.

في فلسفة الترهيب والتصفية السياسية في حالة «حزب الله» الراهنة قد يكون الاعتراف بملكية الشحنة، وتحمل مسؤوليتها - ولو بشكل غير مباشر- أقل تكلفة بكثير من تحمّل مسؤولية أي اغتيال سياسي قد يحدث. فبذريعة المقاومة، ومواجهة العدو الإسرائيلي، يمكنه تبرير امتلاك المواد المتفجرة، أما استخدامها في اغتيال سياسي، فسيضعه أمام تداعيات سياسية واجتماعية يصعب احتواؤها.

ليس «حزب الله» حزباً كلاسيكياً أو تقليدياً حتى يقتنع بسهولة بأفول نجمه، أو بتراجعه الحتمي، والقاسي. وهو، بوصفه منظومة عقائدية، قد تكمن خطورته في أثناء هبوطه، وضعفه، وذلك حين يسعى إلى استهداف المستفيدين من أزمته، وتراجعه، ومنع بروز البدائل التي قد تنازعه تمثيل بيئته. لكن في ظروفه الحالية، وحجم التحولات التي يشهدها، بات هامش الاغتيال ضيقاً جداً. فاغتيال واحد قد يوحّد الجميع ضده، ويدخله في مواجهة شاملة، ويضرب «عصمة سلاحه» التي يستمدها من تقديمه بوصفه سلاح مقاومة، خصوصاً أنه فقد قيادته التاريخية التي كانت قادرة على إجبار اللبنانيين على القبول بسرديتها، إضافة إلى خسارة عمقه الاستراتيجي في سوريا، التي أخرجت الجغرافيا السياسية الإيرانية من الحسابات اللبنانية. ومع الواقع الإيراني الحالي يصبح الاغتيال انتحاراً.

هنا تبرز فكرة «الترهيب بالذاكرة»: أن يستعيد الخوف المتراكم من الاغتيالات وظيفته السياسية من دون الحاجة إلى تكرارها. فحين يدرك السياسيون أن احتمال العنف لا يزال قائماً قد يمارسون الرقابة الذاتية، ويعيدون حساب مواقفهم، ويتجنبون الذهاب في المواجهة إلى نهايتها. عندها تصبح ذاكرة الاغتيال أداة تهديد قبل وقوع أي جريمة.

فهل يمكن أن يصبح الكشف عن المتفجرات بديلاً من استخدامها، وأن يحقق الخوف ما قد يعجز الاغتيال عن تحقيقه من دون أثمان باهظة؟ هنا لا يعود السؤال مقتصراً على الشحنة، بل يمتد إلى مجتمع يُراد له أن يحسب مواقفه تحت وطأة احتمال الموت، وإلى دولة يبقى امتحانها الحقيقي في إنهاء قدرة أي طرف على تحويل السلاح والذاكرة إلى أدوات لإخضاع الحياة السياسية.

وعليه، فإن الفارق بين الاعتراف بامتلاك أداة يمكن تبريرها سياسياً وتحمّل مسؤولية استخدامها أمنياً يظل مفتاحاً لفهم الفرضية.