عثمان ميرغني
كاتب وصحافيّ سوداني، نائب رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عمل في عدد من الصحف والمجلات العربية في لندن. متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية ومهتم بقضايا الاقتصاد العالمي والمناخ والبيئة.
TT

السودان: فرصة الحوار

استمع إلى المقالة

تتزايد الدعوات إلى الحوار السوداني - السوداني، ويحظى مبدأ الحوار، في أوساط شعبية وسياسية ومجتمعية، فضلاً عن أطراف إقليمية ودولية، بترحيب واسع، كما تتلقى جهود اللجنة المعنية بالتهيئة له تأييداً يعكس إدراكاً متنامياً لحاجة البلاد إلى مخرج من أزمتها. فالحوار، مهما تعقدت الظروف وتباينت المواقف، يظل أحد أهم السبل المتاحة لمعالجة الأزمة الراهنة، ومعالجة الاختلالات التي ظلت تعوق بناء الدولة السودانية منذ الاستقلال.

لا يعني ذلك غياب الرافضين أو المعرقلين، فالتباين في المواقف جزء من طبيعة السياسة، كما أن تشابك المصالح الداخلية والخارجية يزيد الأزمة تعقيداً. لكن الرهان الأساسي يبقى على السودانيين أنفسهم، وعلى قدرتهم على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والشخصية، والاتفاق على أسس تعالج أسباب الأزمات والحروب، بدلاً من الاكتفاء بتسويات مؤقتة تعيد إنتاجها في المستقبل.

إن فرصة سانحة للحوار متاحة اليوم، وإهدارها قد يجعل الوصول إلى الحل أكثر صعوبة وكلفة. فكلما تأخرنا في الحل، زادت الأزمة تعقيداً، خصوصاً مع استمرار الحرب وتسارع المتغيرات والتدخلات الإقليمية والدولية. فلماذا إغلاق نافذة يمكن أن تفتح طريقاً نحو السلام والاستقرار؟

لا يمكن لعاقل، أو حادب على مصلحة الوطن والمواطن أن يرفض الحوار، أو أن يضع حساباته أو طموحاته فوق مصلحة الوطن. المعارضة سهلة، لكن بدلاً من الرفض، قدموا الحلول والأفكار، كي توضع على طاولة البحث مع الجميع، فلا أحد يستطيع احتكار الحل، ومصادرة أصوات بقية مكونات المجتمع.

الحوار ضرورة لا ترف سياسي. تنبع أهميته أولاً من كونه تعبيراً عن الإرادة الوطنية، يتيح للسودانيين صياغة رؤيتهم لمستقبل بلادهم بأنفسهم، بعيداً عن الإملاءات والتجاذبات التي قد تقدم مصالح الآخرين على احتياجات السودان.

وثانياً، يوفر الحوار فرصة لمعالجة جذور الأزمة، لا مظاهرها وحدها. فمنذ الاستقلال عام 1956، تعثر السودان في بناء مشروع وطني جامع يستوعب تنوعه، ويحدد طبيعة الدولة ونظام الحكم، ويحقق التنمية المتوازنة.

وثالثاً، يمكن للحوار أن يكسر الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وينقل القوى المتنافسة من تبادل الاتهامات إلى البحث عن أرضية مشتركة. ويتطلب ذلك ألا يقتصر على النخب والأحزاب، بل أن يشمل القوى المدنية المتنوعة، والإدارات الأهلية، والمكونات الدينية، والشباب، والنساء، والنازحين واللاجئين، والمغتربين، وضحايا الحرب، وممثلي الأقاليم والمجتمعات التي عانت التهميش. فكلما اتسعت المشاركة، زادت فرص أن يعبر الاتفاق عن تطلعات السودانيين، لا عن موازين القوى بين أطراف الصراع وحدها، عسكرية أو سياسية كانت.

لماذا تعثر السودان؟

لا يمكن فهم الأزمة السودانية الراهنة بمعزل عن تاريخ طويل من إخفاقات الحكم. فقد تعاقبت الأنظمة المدنية والعسكرية، وتكررت الانقلابات والحروب، دون أن تنجح النخب في إرساء قواعد مستقرة لتداول السلطة أو بناء مؤسسات وطنية قوية ومستقلة. وغلبت في محطات كثيرة حسابات البقاء في الحكم على متطلبات بناء الدولة، كما أضعفت المحسوبية والفساد وسوء الإدارة ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

وفي الوقت نفسه، أسهمت السياسات المركزية في تعميق شعور قطاعات واسعة من الناس بالتهميش، بينما أخفقت الحكومات المتعاقبة في إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني باعتباره مصدر قوة، وفي بناء هوية وطنية تتسع للجميع على أساس المواطنة المتساوية.

وزادت الأزمات الاقتصادية، وضعف الاستثمار في التعليم والبنية التحتية، والاعتماد على موارد محدودة، من هشاشة الدولة. كما تداخلت المصالح الإقليمية والدولية مع الصراعات الداخلية، الأمر الذي جعل تسوية الأزمة أكثر تعقيداً. ومع ذلك، فإن إرجاع تعثر السودان إلى التدخلات الخارجية وحدها يتجاهل مسؤولية الداخل، مثلما أن تحميل النخب وحدها المسؤولية لا يفسر جميع العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في الأزمة.

إن الاعتراف بأخطاء الماضي ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة مفتوحة تعطل المستقبل، بل إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي. ويقتضي ذلك أن يفضي الحوار إلى خريطة طريق واضحة تهيئ الظروف لانتقال يقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، وتساهم في تحقيق وقف الحرب، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة والمساءلة، وإطلاق عملية وطنية لمعالجة المظالم وجبر الضرر.

ولن يكتمل هذا المسار من دون رؤية اقتصادية واجتماعية تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتوفر فرص العمل، وتستثمر في التعليم والتنمية المتوازنة، وتضمن توزيعاً عادلاً للموارد والفرص. فالسلام ليس مجرد توقف للقتال، بل هو أيضاً شعور المواطنين بالإنصاف والأمان، وثقتهم في أن الدولة ملك لهم جميعاً.

إن الحوار ليس ضمانة تلقائية للنجاح، فنجاحه مرهون بجدية المشاركين، وشمول العملية، والالتزام بتنفيذ مخرجاتها.

أمام السودان فرصة ينبغي ألا تضيع. فهل تستطيع قواه السياسية والمجتمعية أن تتجاوز أي حسابات، باستثناء مصلحة الوطن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، ما إذا كان الحوار مدخلاً إلى تأسيس دولة جديدة على المواطنة والعدالة والسلام، أم حلقة أخرى في سلسلة الفرص المهدرة.