تطرح عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في الأسبوع الماضي، بإسناد جوي من التحالف بقيادة السعودية، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء، سؤالاً يتجاوز المواجهة العسكرية إلى مدى قدرة دولية وعربية على بناء موقف مشترك من التهديد الذي تمثله الجماعة ومن خلفها إيران؛ فالاعتداءات الحوثية على السعودية والملاحة في «باب المندب» تكشف مأزقاً يطول العالم كله: جماعة مسلحة انقلابية، مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، تستطيع الضغط على أمن جوارها ومصالح تجارية واسعة، فيما تتباين المقاربات لمواجهتها. وبين من يعطي الأولوية للردع المباشر، ومن يراهن على الوساطة، ومن يسعى إلى تحييد مصالحه، يبرز سؤال كيفية منع تحوّل هذه التباينات إلى مدخل لتوسيع النفوذ الإيراني؛ فالمشكلة تتَّصل بالتشتت في تحديد مصدر التهديد وشروط التعامل معه، بقدر اتصالها بأدوات الحماية.
ولا يعني التشتت غيابَ التحرك، كما لا يفترض العمل المشترك تطابق مصالح الدول؛ فالجغرافيا والقدرات والعلاقات الخارجية تجعل تكلفة المواجهة مختلفة، وتفسر تنوع الخيارات. لكن خصوصية كل دولة لا ينبغي أن تمنع الاتفاق على قاعدة سياسية مبدئية: لا يحق لجماعة مسلحة استخدام الساحل اليمني لتهديد جيرانها، أو فرض شروط على الملاحة. ويمكن الاختلاف على وسائل تطبيق هذه القاعدة، من دون التساهل في أصلها، أو التعامل مع قدرة الحوثيين على الإضرار باعتبارها مصدراً لسلطة مشروعة.
وتستفيد الجماعة من تباين المقاربات حين تتعامل مع الدول؛ كل على حدة، أو تمنح بعضها تهدئة وتبقي الضغط على أخرى. وليس كل تفاهم منفرد ضاراً؛ فقد يخفف التصعيد ويفتح طريقاً لتسوية أوسع، لكن قيمته تُختبر بأثره على الأمن المشترك وبمدى منعه نقل التهديد إلى الجيران؛ فإذا أصبحت حماية المصالح الوطنية الغاية الوحيدة، فقد تتراجع دوافع التعاون، وتبقى قدرة الحوثيين على التحكم في إيقاع التصعيد قائمة، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها واستثمار الخلافات.
وتحتل السعودية موقعاً محورياً في تجاوز هذا المأزق، وهي تواجه هجمات حوثية مباشرة على أمنها ومنشآتها؛ فثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها العربية والدولية يتيحان لها الدفعَ نحو توافق يربط حماية الملاحة بأمن الدول والسيادة اليمنية. لكن نجاح هذا الدور يحتاج إلى تحويل مواجهة التهديد من عبء تتحمله المملكة إلى مسؤولية مشتركة؛ فاستهداف السعودية يمس أيضاً استقرار الطاقة والاستثمار والتجارة، ولا يمكن اختزاله في مواجهة تخصُّها وحدها.
ويقتضي ذلك مبادرة سعودية للتشاور حول أهداف محددة لعلها بدأت، تقابلها استجابة عربية تشارك في صياغة الأولويات وتقاسم المسؤوليات. ولا يتطلب العمل المشترك انخراط الجميع في عمليات عسكرية، بل يتطلب توزيعاً للأدوار يربط الوساطة بالضغط الدبلوماسي والحماية ودعم المؤسسات اليمنية. ويمكن للدول التي تحتفظ بقنوات اتصال مع الحوثيين أو إيران، توظيفها لخدمة أهداف متفق عليها. أما إذا تحولت هذه القنوات إلى ترتيبات منفصلة عن مصالح الشركاء، فإن تعدد الأدوار يصبح عاملاً لإضعاف الموقف العربي بدل تقويته.
وهنا تبرز أهمية تحديد العلاقة بإيران؛ فالانفتاح الدبلوماسي وخفض التوتر لا يمنعان مطالبتها بوقف الدعم العسكري والمالي المستخدم في الهجمات التي تنفذها جماعات مرتبطة بها، ولا يبرران فصل العلاقات الثنائية مع طهران عن أثر سياساتها الإقليمية. المطلوب موقف يجعل احترام أمن الدول عنصراً في تقييم العلاقة بطهران، لأنَّ التعاون العربي لا يستقيم إذا تحملت دولة تبعات التهديد وحدها.
ويجعل اضطراب الملاحة موارد التنمية واقتصادات المنطقة رهينة قرارات جماعة مسلحة، بما يستدعي تعاوناً لحماية الممرات البحرية يتجاوز المنافسة التجارية والاستثمارية؛ إذ لا تكفي الموانئ البديلة والممرات البرية لإزالة التهديد أو ضمان أمنها. ولا ينفصل أمن الممرات عن مستقبل اليمن؛ فدعم الدولة اليمنية والتوصل إلى تسوية سياسية تحفظ حقوق مواطنيها يعززان سيادتها، ويحدان من توظيف أراضيها لخدمة صراعات ومصالح خارجية. ولا يعني ذلك تحميل اليمنيين مسؤولية خيارات الحوثيين، أو اختزال تسوية بلدهم في أمن الجوار؛ بل يعني رفض منح الجماعة حق احتكار القرار العسكري، وربط الاستقرار بسلطة شرعية ومؤسسات قادرة على حماية السكان والساحل والموانئ.
ليس المطلوب هو إلغاء الخصوصيات أو طمسها؛ بل بمنع تحولها إلى تعارض يقوّض أمن الجميع. والسعودية قادرة على قيادة هذا المسار، لكن فاعليته تتوقف على استعداد شركائها لتحويل المصالح المترابطة إلى التزامات متبادلة، وعلى شراكات دولية وبخاصة أميركية، تدعم الأولويات العربية وتعزز القدرة على حماية الملاحة؛ فحين تتكامل أدوات الحماية والوساطة والضغط ضمن رؤية استراتيجية وموقف سياسي واضح، تتراجع قدرة الجماعات المسلحة على استثمار الاختلافات. أما بقاء المواجهة موزعة بين ردود منفردة، فيتيح لهذه الجماعات استثمار غياب البوصلة لفرض شروطها على أمن المنطقة ومصالح دولها؛ بل على دول العالم بأسره.
