د. ناصيف حتي
TT

إصلاح مجلس الأمن أكثر من ضروري

استمع إلى المقالة

موضوع إصلاح مجلس الأمن، السلطة الرئيسية في واقع الأمر في منظمة الأمم المتحدة، عاد بقوة هذا العام إلى الخطاب الدولي، ولو أنه كان موجوداً دائماً من قبل، ولكن ليس بالقوة ذاتها. عدد من قادة الدول الأفريقية أكدوا في مداخلاتهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام على أهمية وضرورة تمثيل القارة السمراء، وفق الحجم الذي تشكله على الصعيد العالمي (54 دولة). مجموعة البريكس، في قمتها في الهند في 12 و13 من الشهر الماضي، دعت في بيانها الختامي إلى القيام بإصلاح هيكلي لمجلس الأمن، خصوصاً لجهة زيادة تمثيل الدول النامية.

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، كان واضحاً وصارماً في كلمته الوداعية (تنتهي مهامه في نهاية هذا العام) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في التأكيد على ضرورة الإصلاح الشامل والمتكامل لمجلس الأمن. وللتذكير، كان غوتيريش قد أشار في كلمته العام الماضي، في الذكرى الثمانين لإنشاء الأمم المتحدة، إلى أن المنظمة قد «أنشأها المنتصرون» في الحرب العالمية الثانية، وقد صارت شرعيتها هشة مع تراجع دورها مع المتغيرات الدولية. وأهمها صعود قوى جديدة.

ودعا غوتيريش، لمعالجة ذلك الأمر، إلى إحداث تمثيل فعلي للديموغرافيا العالمية التي تغيرت، وإعطاء عضوية دائمة لأفريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي. الكلام عن ضرورة الأخذ في الاعتبار التغيرات الدولية المختلفة التي حصلت منذ عقود ثمانية من الزمن في السياسة والديموغرافيا والاقتصاد والجغرافيا، والتي صارت على لسان كل من يطالب بالتغيير الفعلي، وبالتالي المؤثر، وليس الشكلي.

ومن نافل القول إن مشروعية «وديمقراطية» التمثيل العادل والواقعي للمتغيرات التي أشرنا إليها شرط أكثر من ضروري، ولو أنه غير كافٍ لإعادة إحياء دور فعال لمجلس الأمن ومعه الأمم المتحدة في مختلف أجهزتها ووكالاتها، ولو بدرجات مختلفة.

أمور ثلاثة تطرح في هذا الصدد بشكلٍ دائم، ولو بصيغ متعددة، على طاولات الحوار مختلفة الشكل، بين الرسمي وغير الرسمي أو شبه الرسمي. هذه الأمور الثلاثة هي:

أولاً، موضوع العضوية الدائمة، أي زيادة العدد لجعله أكثر تمثيلاً لواقع منظومة القوى الدولية حالياً، مقارنة، كما أشرنا سابقاً، بلحظة الإنشاء عام 1945.

ثانياً، تنظيم استعمال حق النقض أو تقييده في أمور معينة.

ثالثاً، كما أشرنا سابقاً، جعل التمثيل الدولي أكثر «ديمقراطية»، من حيث تمثيل الأقاليم، وبالتالي أكثر شرعية ليعكس بنية النظام العالمي الجديد، والذي لم يستقر بعد، ولو أنه شهد تغييراً كبيراً من حيث هيكل القوى وعناصر القوة المختلفة وقيام أنماط جديدة من العلاقات الدولية. علاقات تتسم بالسيولة والمرونة حسب القضايا المطروحة، مقارنة مع نظام الحرب الباردة، وكذلك مع نظام «اللحظة الأميركية» التي جاءت على أنقاض سقوط النظام السابق ثم انتهت بسرعة.

ما نشهده اليوم هو مخاض ولادة نظام عالمي جديد. ولا بد من التذكير بأن استمرار تراجع أو تآكل دور المنظمة الدولية في مجالات مهامها ومسؤولياتها كافة، ولو تم ذلك بسرعات مختلفة، فإنه سيؤدي إلى مزيد من الفوضى والتوترات والنزاعات في العالم. الأمر الذي سيدفع ثمنه الجميع، ولو بأشكال وأوقات مختلفة.

خلاصة الأمر أن الإصلاح الشامل، ولو تدريجياً، لمجلس الأمن، وهذا ليس بالسهل، أمر أكثر من ضروري. لأن ذلك يعزز، كما أشرنا، الشرعية الدولية لمجلس الأمن وقدرته على الفعل، آخذين في الاعتبار دروس وعبر الأمس القريب والبعيد والحاجة إلى هذا الدور. دور يقوم على أسس واضحة ومعايير موحدة وغير انتقائية في نظام عالمي ما زال في دور التشكل. نظام قد ينزلق إلى الفوضى التي يدفع ثمنها الجميع، ولو اختلفت التكلفة بين طرف وآخر، إذا لم تتم بلورة قواعد واضحة ومستقرة تنظم وتدير أنماط العلاقات بين مختلف أطرافه، ويكون ذلك أساساً عبر إصلاح المنظومة الدولية، وبشكل خاص مجلس الأمن الدولي.