لم يكن يوم 29 سبتمبر (أيلول) 2026 يوماً سياسياً عادياً في المغرب؛ ففيه عيّن الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وكلفها تشكيلَ الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذه المسؤولية في تاريخ المملكة؛ وجاء التعيين بمقتضى الفصل 47 من الدستور، عقب تصدر حزب «الأصالة والمعاصرة» انتخابات مجلس النواب.
إنها محطة غير مسبوقة في التاريخ السياسي المغربي المعاصر؛ فإلى جانب احترام المنطق الدستوري الناتج عن صناديق الاقتراع، يحمل وصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة دلالات مؤسساتية ومجتمعية عميقة، في بلد عرف خلال ربع القرن الأخير تحولات متسارعة في مكانة المرأة وفي بنيته الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
من الناحية الدستورية، لا يميز دستور المملكة بين رجل وامرأة في تولي رئاسة الحكومة. فالفصل 47 ينص بوضوح على أن الملك «يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها». كما يعين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ومن ثم، فإن جوهر المسألة ليس جنس الشخص الذي يتولى المسؤولية، وإنما احترام الإرادة الانتخابية والقاعدة الدستورية التي تربط رئاسة الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات التشريعية. وقد جاء دستور 2011 ليعزز هذا المنحى، من خلال تقوية مكانة رئيس الحكومة وربط السلطة التنفيذية بشكل أوضح بنتائج الاقتراع العام.
غير أن التعيين، مع كونه دستوريا في المقام الأول، فإنه يحمل بعداً رمزياً لا يمكن إغفاله. فوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يكرس مساراً طويلاً من الحضور المتزايد للمرأة المغربية في ساحة المسؤولية؛ فمنذ عقود، كانت المرأة المغربية حاضرة في المدرسة والجامعة والطب والقضاء والإدارة والدبلوماسية والمقاولة، ثم أصبحت وزيرة وبرلمانية وعمدة ورئيسة لمجالس منتخبة. واليوم تصل إلى قيادة الجهاز الحكومي، وهذا طبعاً يعكس تحولاً تدريجياً في تصور المجتمع للقيادة السياسية: فالمسؤولية العامة لم تعد مرتبطة باعتبارات النوع، وإنما بالكفاءة والشرعية الانتخابية والقدرة على التدبير وتحمل المسؤولية والمحاسبة.
ويأتي هذا التحول في سياق مغرب تغير كثيراً خلال العقدين الأخيرين. فقد استثمرت المملكة بشكل واسع في البنيات التحتية الكبرى، وفي الموانئ وشبكات الطرق والقطارات والصناعة والطاقة المتجددة. وأصبح المغرب فاعلاً بارزاً في صناعات السيارات والطيران والفوسفات والأسمدة، وفي السياحة والخدمات واللوجستيك. كما تعزز موقع ميناء طنجة المتوسط، وتطورت مشاريع الطاقات النظيفة وسلاسل صناعة السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر. وتشير معطيات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد المغربي سجل سنة 2025 نمواً حقيقياً يناهز 4.9 في المائة، وهو من أعلى المعدلات المسجلة خلال عقد، مدفوعاً بالاستثمار والبنيات التحتية وتحسن النشاط الزراعي.
وبالتوازي مع ذلك، شهد المغرب إصلاحات اجتماعية هيكلية، لا سيما تعميم الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، والدعم الاجتماعي المباشر. وقد بلغ برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، بحسب البنك الدولي، أكثر من 3.9 مليون أسرة في مارس (آذار) 2025، في إطار ورش أوسع تروم تقليص الهشاشة وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
لكن الاعتراف بهذه الإنجازات لا ينبغي أن يحجب حجم التحديات التي ما زالت قائمة. فالتنمية لا تقاس فقط بالطرق والمطارات والموانئ والمؤشرات الماكرو-اقتصادية، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على حياة المواطن اليومية. وهنا تبرز الحاجة إلى تسريع معالجة البطالة، خصوصاً بطالة الشباب، وتحسين جودة المدرسة العمومية والتكوين، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية، وتحسين الخدمات الصحية، ومواجهة ندرة المياه وآثار الجفاف والتغير المناخي. كما تبقى مشاركة النساء في سوق الشغل ضعيفة نسبياً، رغم تقدمهن في التعليم وفي عدد من المهن. ويشير البنك الدولي إلى أن خلق فرص الشغل، خصوصاً للشباب والنساء، وتقليص التفاوتات المجالية، وتحسين الرأسمال البشري، ينبغي أن تكون في صلب المرحلة المقبلة.
إن رئاسة امرأة للحكومة لا ينبغي إذن اختزالها في بُعدها الرمزي، مهما كانت قوة هذا الرمز. فالاختبار الحقيقي سيكون في القدرة على تشكيل حكومة منسجمة، وتقديم برنامج قابل للتنفيذ، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل، وربط الاستثمار العمومي بتحسين مستوى العيش، وترسيخ الثقة في المؤسسات والعمل السياسي.
يدخل المغرب بذلك مرحلة سياسية جديدة تجمع بين استمرارية مؤسساته وتحول مجتمعه. وقد تكون الدلالة الأعمق لهذه اللحظة هي أن تطور الدول لا يقاس فقط بمَن يتولى المسؤولية، رجلاً كان أو امرأة، وإنما بقدرة المؤسسات على جعل الكفاءة والاستحقاق والمحاسبة وخدمة المواطن أساساً للممارسة السياسية. وفي ذلك يكمن أحد أهم رهانات المغرب المقبل: أن تتحول الإنجازات الكبرى إلى تنمية يشعر بها المواطن في المدرسة والمستشفى وفرصة العمل والقرية والمدينة، وأن يظل تحديث المؤسسات مواكباً لتحديث المجتمع والاقتصاد.
