جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

... ولكن للتاريخ أحكامه

استمع إلى المقالة

التاريخ مخادع، وأحياناً ماكر، وأحياناً ساحر، وفي بعض الليالي يبدو كأنه كاتب ساخر يجلس وحده إلى مكتبه، يفتح دفاتر قديمة، ثم يبدأ في العبث بأقدار الدول.

قبل أكثر من قرن، كانت بريطانيا تكتب فصلاً من فصول الحكاية التي ستقود إلى قيام إسرائيل. وعد بلفور عام 1917، ثم الانتداب على فلسطين، ثم سنوات من الإدارة البريطانية للأرض التي لم تكن بريطانيا تملكها أصلاً، وبعد كل هذا الزمن، قرر التاريخ أن يعيد الشخصيات إلى المسرح، لكن بعد أن يبدل مواقعها.

بريطانيا التي أسهمت في فتح الطريق أمام قيام إسرائيل، وكانت بمثابة الأب، تجد نفسها في مواجهة الابن بسبب مستوطنات الضفة الغربية.

تبدأ الحكاية بقرار من حكومة العمال البريطانية بمنع استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ثم تفرض عقوبات على شركات وأفراد مرتبطين بها، احتجاجاً على عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وتتمسك بحل الدولتين، وتنضم فرنسا وكندا إلى القرار البريطاني.

كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، ببيان غاضب من هنا، واحتجاج دبلوماسي من هناك، لكن إسرائيل قررت أن تناطح الكبار، وترد بالطريقة التي تليق بقصة من هذا النوع.

أغلقت الباب في وجه بريطانيا: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال 30 يوماً، وسحب اعتماد دبلوماسيين بريطانيين، وإبعاد دبلوماسيين وعسكريين يعملون في الضفة الغربية، وإنهاء مهمة الفريق البريطاني الموجود في رام الله، الذي كان يساعد في تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

القنصلية ليست مبنى يرفع العلم البريطاني، والفريق العسكري ليس مجموعة مدربين، فقد كانا نافذة تطل منها لندن على الأرض الفلسطينية، وكان الفريق، الذي يضم نحو 10 عسكريين، قد أصبح مصدراً مهماً للمعلومات عن عنف المستوطنين، ويرسل تقاريره إلى لندن وواشنطن عبر قنوات التنسيق الأمني. وكان يستعد لتوسيع مهمته، لكن التاريخ كان يستعد لشيء آخر، فرمان إسرائيلي يأمره بالمغادرة، ولا أدري على ماذا تستند إسرائيل في مواجهة الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، لكنّ للتاريخ أحكاماً.

بحسب مصادر بريطانية، كانت الاتصالات التي يجريها الفريق تعارضها أجهزة الأمن الإسرائيلي، وكانت تل أبيب تبحث عن سبب لطرده، وهكذا أغلقت إسرائيل نافذة أخرى كانت تطل منها بريطانيا على الضفة الغربية.

هنا خرجت الحكاية من دفاتر التجارة إلى قلب القدس، بريطانيا تقول: نعاقب المستوطنات، وإسرائيل تقول: إذن نعاقب بريطانيا. لكن إيتمار بن غفير، وكأنه قرر أن يجعل القصة أكثر عبثاً، اقترح أن يكون الرد الإسرائيلي هو الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند، التي تديرها لندن منذ بداية القرن التاسع عشر، وتطالب الأرجنتين بالسيادة عليها. وهنا، فجأة، تنتقل الحكاية من الضفة الغربية إلى جنوب الأطلسي، كأن بريطانيا دخلت إلى الغرفة لتتحدث عن المستوطنات، فأخرجت إسرائيل من درجها القديم ملفاً مكتوباً عليه: «جزر الفوكلاند».

قالت إسرائيل، عملياً: لديكم أيضاً أرض تطالب بها دولة أخرى، وهنا تظهر السخرية السوداء في أوضح صورها.

الدولة التي تخوض معاركها منذ عقود حول الأرض والحدود والسيادة والاحتلال، تفتح لبريطانيا دفتر الأراضي المتنازع عليها، فإذا كان احتفاظ بريطانيا بالفوكلاند يثير السؤال، فلماذا يتوقف السؤال عندها؟ وإذا كان من حق الأرجنتين أن تطالب بجزر تديرها بريطانيا، فلماذا لا يكون للفلسطينيين حق السؤال عن الأرض التي أقيمت عليها المستوطنات؟

لقد تحولت الحجة إلى مرآة، والمشكلة في المرايا أنها لا تجامل أحداً، وهنا تعود بريطانيا إلى بداية الحكاية. هي صاحبة وعد بلفور، وهي التي أدارت فلسطين في عهد الانتداب، وأسهمت في توفير الظروف التي مهدت لقيام إسرائيل عام 1948. وبعد أكثر من 7 عقود، تقف الدولة التي خرجت من ذلك الرحم أمام بريطانيا وتقول لها: أغلقي قنصليتك في القدس، وأبعدي رجالك عن الضفة.

ثم يأتي الوزير اليميني إيتمار بن غفير ليكمل النكتة الثقيلة: لا تكتفوا بالقدس، اذهبوا إلى لندن نفسها، وأشعلوا لها النار في ملف الفوكلاند.

وهكذا تتدحرج الحكاية، من السلع القادمة من المستوطنات، إلى العقوبات، إلى القنصلية، إلى طرد الدبلوماسيين والعسكريين، ثم إلى جزر بعيدة في جنوب الأطلسي.

لا أحد يعرف أين يمكن أن تتوقف القصة، ربما تفتح بريطانيا غداً ملفاً عن مستوطنة في الضفة، فتفتح إسرائيل ملفاً عن جزيرة بريطانية.

وربما يكتشف الطرفان، بعد قليل، أن العالم كله مملوء بملفات الأراضي المتنازع عليها، وأن أفضل طريقة لإسكات السؤال عن أرضك هي أن تسأل خصمك عن أرضه، وهكذا يتحول التاريخ من سجل للأحداث إلى دفتر إيصالات.

بريطانيا التي أسهمت في صناعة البداية تعاقب المستوطنات الآن، وإسرائيل التي خرجت من تلك البداية تغلق الباب في وجه بريطانيا، ثم تلوح لها بالفوكلاند.

التاريخ لا ينتقم، لكنه أحياناً يملك حس الدعابة، ومن أصدر وعداً قبل أكثر من قرن، يتلقى اليوم الوعيد.

أما السحر، فقد احتاج إلى قرن كامل حتى ينقلب على الساحر.