مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

استمع إلى المقالة

يوم الأربعاء الماضي، في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، اختلف العراقيون في تسمية اليوم؛ بعضهم أطلق عليه «يوم الجلاء»، وآخرون «يوم السيادة». وفي التسميتين قدر من المغالطة، حتى في التاريخ. فخروج القوات الأميركية في 2026 لا ينهي الوجود الذي بدأ عام 2003، إذ إن الولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري الأول في العراق في ديسمبر (كانون الأول) 2011، قبل أن تعود عام 2014 بطلب من بغداد لمواجهة «داعش».

لذلك، فإن 30 سبتمبر الماضي هو نهاية وجود عسكري استدعاه العراق في لحظة انهيار الدولة أمام «داعش»، وليس نهاية الوجود الذي بدأ مع إسقاط نظام صدام. والمقارنة بين التاريخين تكشف مسارين متناقضين: الأول كان نهاية مرحلة من عمر نظام نشأ في ظل التفاهم الأميركي - الإيراني، قبل أن يميل، بعد الانسحاب الأميركي، بصورة متزايدة إلى المجال الإيراني؛ أما الثاني فيفتح مرحلة مختلفة، عنوانها مواجهة أميركية - إيرانية أكثر مباشرة، تضع الحكومة العراقية أمام القوى الموازية التي باتت تصادر جزءاً كبيراً من قرارها.

في المرحلة التأسيسية لنظام 2003، كان الصراع داخل البيت السياسي الشيعي يدور حول الدولة والسلطة والسلاح. وكانت مواجهة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لجيش المهدي عام 2008 التعبير الأوضح عن ذلك: حكومة شيعية تريد تثبيت حق الدولة في احتكار القوة، وميليشيات شيعية تنازعها هذا الحق، فيما كان الجيش الأميركي جزءاً من معادلة حماية الدولة في مواجهة قوة مسلحة من داخل بيئتها السياسية.

لكن بعد 2011، انقلبت وظيفة السلاح. ومع اندلاع الحرب السورية، واتساع الاستقطاب الطائفي، لم تعد الفصائل المسلحة تُقدَّم بوصفها تحدياً للدولة، بل خط دفاع عن النظام السياسي الذي نشأ عام 2003، أي السلطة. وهنا برزت أزمة ثقة لدى دعاة «الحاكمية المذهبية» ونخب السلطة بقدرة القوات المسلحة وأجهزة الدولة على حماية نظام 2003، فأسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إنتاج البيئة المسلحة التي احتاجت إليها لاحقاً.

وهنا يفسر الباحث في المعهد الوطني الفرنسي، الدكتور هشام داود، الانتقال من مفهوم «الدولة المخترقة» أو حتى «الدولة الهجينة» إلى مفهوم «الدولة المنتجة للفصائل». والمقصود، كما يوضح، ليس أن الحكومة قررت في لحظة إنشاء الميليشيات، ولا أن جميع الفصائل من صنع الدولة، وإنما أن بنية الدولة الريعية والمحاصصاتية وطريقة توزيع الموارد والوظائف والمواقع جعلت التنظيم المسلح قابلاً للتحول إلى فاعل سياسي واقتصادي.

لاحقاً، جاء سقوط الموصل عام 2014 ليحوّل الضرورة الأمنية إلى شرعية سياسية، وليؤدي إلى إدخال الفصائل المسلحة في بنية الدولة القانونية والأمنية، قبل أن تنتقل من الجبهة إلى البرلمان والحكومة والاقتصاد، وهنا اكتمل التحول: الميليشيات التي كانت تنازع الدولة على شرعية السلاح أصبحت جزءاً أساسياً من النظام الذي يمنح الدولة شرعيتها.

الصدمة الأولى جاءت من «انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 2019» لتكشف عمق الأزمة؛ فالاعتراض خرج هذه المرة من داخل الجماعة الشيعية نفسها، ليقول إن تمثيل الأغلبية لم يعد كافياً لإنتاج شرعية الدولة. لم يعد السؤال: مَن يحكم العراق فقط، بل مَن يملك القدرة على التأثير فيمن يحكمه؟

اليوم، تواجه بغداد مفارقة لم تعرفها عام 2008: المالكي كان يواجه ميليشيات تنازع الدولة سلطتها، أما الحكومة الحالية فتواجه فصائل أصبحت تسيطر على النظام الذي أنتجها. لذلك، فإن حصر السلاح ليس إجراءً أمنياً، بل إعادة تعريف للسلطة.

أما «البلقنة» التي حذّر منها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو فتكتسب معناها من تجربة البلقان نفسها؛ حيث تحوّلت التراكمات القومية والطائفية إلى حروب انتهت بتفكيك يوغوسلافيا. والعراق لا يُكرر تلك التجربة بالضرورة، لكنه يحمل عناصر تستحق القلق: سلاح متعدد الولاءات، وتوترات طائفية لم تُحسم، وتراكمات سلبية بين بغداد وأربيل وبعض الفصائل الموجودة في السلطة والإقليم. وقد يصبح الخلاف السياسي، إذا اقترن بالسلاح، اصطفافاً أمنياً يصعب على الدولة احتواؤه.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي بعد 30 سبتمبر الماضي ليس خروج الأميركيين، بل قدرة العراق على استعادة الدولة من القوى التي أصبحت جزءاً من نظامها.

وعليه، السيادة لا تبدأ عندما يغادر الأميركي، بل عندما يصبح قرار الحرب والسلم والسلاح والاقتصاد عراقياً واحداً.