عبد الله ولد محمدي
كاتب متخصص في الشؤون الافريقية
TT

الانتخابات المغربية واختبار التحالف المقبل

استمع إلى المقالة

بالنظر إلى السيناريوهات المحتملة لما بعد يوم الاقتراع، أرجّح أن تدفع نتائج الانتخابات التشريعية المغربية نحو تجديد التحالف بين «الأصالة والمعاصرة» و«التجمع الوطني للأحرار» و«الاستقلال»، مع تغيير جوهري في توزيع النفوذ داخله. فالأحزاب الثلاثة تحتفظ بالقدرة العددية على تشكيل الحكومة، فيما ينتقل موقع الصدارة إلى «الأصالة والمعاصرة» ذي الأغلبية. غير أن هذا الترجيح يظل قراءة سياسية للنتائج المؤقتة، التي منحته 97 مقعداً، مقابل 66 للأحرار و65 للاستقلال، وأعادت «العدالة والتنمية» إلى موقع مؤثر بـ54 مقعداً.

يفرض الدستور المغربي نقطة انطلاق واضحة للمشاورات، إذ يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب. أما بناء الأغلبية فيتطلب التفاوض والحصول على ثقة المجلس، بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضائه لصالح البرنامج الحكومي. وهنا تبدأ صعوبة «الأصالة والمعاصرة»؛ فرصيده الانتخابي يؤهله لقيادة المرحلة، لكنه يجعل نجاحها مرتبطاً بقدرته على التفاهم مع شركاء يمتلكون بدائلهم ومطالبهم.

يمنح تجديد التحالف الثلاثي الحكومة المحتملة 228 مقعداً، بفارق ثلاثين مقعداً عن عتبة التنصيب البالغة 198 صوتاً. وتساعد التجربة المشتركة على تقليص زمن التفاوض، وتتيح مواصلة البرامج القائمة دون انقطاع طويل. غير أن الاستمرارية تحتاج إلى مراجعة صريحة للحصيلة، وإلى اتفاق يحدد المسؤوليات داخل الائتلاف، حتى لا تتحول الحكومة إلى فضاء تتقاسم فيه الأحزاب المكاسب وتتنصل، عند التعثر، من المسؤولية الجماعية.

ولا يمكن تجاهل الخلاف العلني الذي ظهر بين «الأصالة والمعاصرة» والأحرار خلال غشت (أغسطس/ آب) الماضي حول انتقال المنتخبين بين الحزبين. فقد كشف ذلك حدود التضامن داخل الأغلبية عندما اقترب موعد المنافسة على المقاعد. وإذا اختار الطرفان تجديد الشراكة، فسيحتاجان إلى معالجة آثار تلك المواجهة ووضع قواعد أوضح لإدارة الخلاف. إن تأجيل النزاع إلى ما بعد توزيع الحقائب قد يمنح الحكومة بداية سريعة، لكنه يترك أسباب التوتر قائمة.

بالنسبة إلى «التجمع الوطني للأحرار»، تعني النتيجة الانتقال من قيادة الأغلبية إلى التفاوض على موقع داخلها. فتراجعه من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعداً يفرض مراجعة سياسية، مع احتفاظه بوزن يجعل مشاركته مهمة. وقد يفضل البقاء في الحكومة للحفاظ على تأثيره في السياسات العمومية، فيما يتيح له اختيار المعارضة إعادة بناء خطابه وتنظيمه. وفي الحالتين، سيحتاج إلى تفسير مقنع لناخبيه يتجاوز الحديث عن ترتيب الأحزاب.

أما «الاستقلال»، فإن الفارق المحدود بينه وبين الأحرار، وهو مقعد واحد، يمنحه حجة قوية للمطالبة بشراكة متوازنة. وتزداد قدرته التفاوضية لأنه حاضر في أكثر من تركيبة ممكنة للأغلبية. ومع ذلك، فإن تحويل هذا الموقع إلى مكسب سياسي دائم يتطلب ربط المشاركة بأولويات واضحة يستطيع الحزب الدفاع عنها ومحاسبة وزرائه عليها. فالوزن الانتخابي يفقد معناه إذا انحصر أثره في عدد المقاعد حول طاولة مجلس الحكومة.

وتبقى صيغة بديلة تجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية»، ويوفر 210 مقاعد لتشكيل ائتلاف. وهو مثال على إمكان بناء أغلبية خارج مشاركة الأحرار و«العدالة والتنمية». إلا أن تعدد مكونات الائتلاف يزيد الحاجة إلى التنسيق، ويجعل الخلاف على إصلاح حساس وفعال أكثر تعقيداً. وهذه البدائل تمنح الحزب المتصدر مجالاً للمناورة، لكنها تفرض عليه مقارنة كلفة كل صيغة وقدرتها على الاستمرار طوال الولاية.

أما «العدالة والتنمية»، فتمنحه العودة من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً فرصة لتعزيز أثره البرلماني من موقع المعارضة. ويمكنه استثمار هذا الحضور في استكمال مراجعاته وبناء بدائل مفصلة. وستقاس قيمة هذه العودة بقدرته على مراقبة الإنفاق ومناقشة التشريعات واقتراح حلول، وبمدى تحويل حضوره السياسي إلى عمل مؤسسي منتظم.

كما تواجه أحزاب المعارضة الأخرى مثل «التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الاشتراكي» امتحاناً يتعلق بمعنى المشاركة. فالانضمام إلى أغلبية متاحة حسابياً ينبغي أن يستند إلى اتفاق معلن حول السياسات، وإلى قدرة فعلية على التأثير فيها. أما البقاء في المعارضة فيحتاج إلى تنسيق يرفع جودة الرقابة ويمنح الناخبين خيارات أوضح. ويمكن لأحزاب تختلف في مرجعياتها أن تتعاون في ملفات محددة دون إلغاء استقلالها أو ادعاء وحدة سياسية غير قائمة على أرض الواقع.

وأرى أن المعيار الأجدى للحكم على التحالف المقبل مهما كانت صيغته هو مضمون الاتفاق الذي سيجمع مكوناته. ينبغي أن يعرف المواطن ما الذي تلتزم به الحكومة بشأن القدرة الشرائية وفرص الشغل والخدمات الصحية والتعليمية، وكيف ستمول وعودها، ومتى يمكن تقييم نتائجها. كما يحتاج الائتلاف إلى آلية معلنة لها خاصية «ميثاق عمل» لحل خلافاته، حتى لا يصبح كل إصلاح مناسبة لإعادة التفاوض على توازنه الداخلي.

ولا شك أن اختبار «الأصالة والمعاصرة» الحقيقي سيبدأ عندما ينتقل من الاحتفاء بالصدارة إلى تحمل مسؤولية قيادة فريق حكومي متعدد المصالح تحت قيادة رئيس حكومة قوي. وأفضل ما يمكن أن يقدمه للحياة السياسية هو اتفاق واضح يحترم أوزان شركائه وتطلعاتهم، ويتيح مساءلة الجميع عن حصيلة مشتركة. عندها تصبح نتائج الاقتراع أساساً لتحسين الحكم، ويجد المواطن سبباً عملياً للاهتمام بمن تحالف مع من، وبما التزموا بتحقيقه في العهدة القادمة.