جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

الحياد أمام مأساة إنسانية!

استمع إلى المقالة

لا أحد هذه الأيام يتحدث عن «حركة عدم الانحياز»؛ تلك الحركة التي بُذرت جذورها الأولى في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا عام 1955، وتأسست رسمياً في بلغراد (عاصمة يوغسلافيا سابقاً) عام 1961. قد يرى البعض أن الغاية من وجود الحركة انتهت بنهاية نظام القطبين، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واختفائه من الخريطة، وما تلاه من سيادة النظام الدولي الأحادي، مما ألغى هامش الاختيار التاريخي بين قطبين نوويين يتنازعان النفوذ العالمي.

الحركة وُلدت ونشأت كفكرة استقلالية بهدف الفكاك من جاذبية الدوران في فلك معسكرين متنافسين يتقاسمان النفوذ في العالم. وكأن الاسم «عدم الانحياز» لا يكفي، فأُضيفت إليه فيما بعد صفة الإيجابي، بمعنى إيجابية الحياد؛ أي يأخذ في اعتباره نصرة ودعم قضايا التحرر ومناهضة الاستعمار.

الحركة تلك، حتى قبل نهاية الحرب الباردة واختفاء نظام القطبين، اصطدمت بأسوار الواقع، وتبيَّن لقادتها أنَّ الفكاك من جاذبية القوتين العظميين غير ممكن واقعياً، وبذلك تاهت الحركة في غابات السياسة وأحراش المصالح، ممَّا أفضى إلى فقدانها الزخم الشعبي والسياسي، لتتحول في كثير من محطاتها إلى مجرد «يافطة» بروتوكولية تُعلق في قاعات المؤتمرات، ويُدبّج بها ختام البيانات.

في عالم السياسة المتقلب، نادراً ما يوجد ما يُسمى «الحياد المطلق»؛ فالسياسة تحكمها البراغماتية والمصالح المتغيّرة، ومعها تتبدل التحالفات والاصطفافات والمواقف، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. ولنا في بلجيكا مثال؛ فقد أعلنت بلجيكا موقف الحياد في الحرب العالمية الثانية، لكن هتلر استغل ذلك الحياد المعلن ليبعث بقواته عبر أراضيها، ملتفاً على خطوط الدفاع الفرنسية ليدخل باريس.

لو وسّعنا الدائرة لتشمل الفنانين والموسيقيين ورجال الفكر والثقافة، لاكتشفنا أنَّ لجوء بعضهم إلى اتخاذ موقف «محايد» في القضايا الإنسانية والأخلاقية الكبرى، اعتُبر محاولة يائسة للهروب إلى الأمام، تقودها حسابات شخصية ضيقة تهدف إلى تحقيق ربح آني، أو تفادي خسارة مستقبلية.

من الممكن رصد هذه الإشكالية في الضجة المثارة مؤخراً حول المطرب البريطاني المشهور إد شيران، إثر قيامه مؤخراً بطرد فنان مشارك في عروضه الغنائية الجماهيرية لمجرد أنَّ الأخير أعلن للجمهور على المسرح موقفه السياسي والإنساني، وانحيازه الصريح لحرية الشعب الفلسطيني، وموقفه من المأساة في غزّة. واستتبع ذلك إعلان ثلاثة مطربين آخرين عن توقّفهم عن مشاركة المطرب شيران العروض الغنائية، تضامناً مع زميلهم، ومناصرةً لشعب غزة، واحتجاجاً على حظر حرية الرأي.

اللجوء إلى إعلان موقف محايد أمام مأساة إنسانية، كما فعل المطرب شيران، موقفٌ غير محايد على الإطلاق، بل هو، شاء أم أبى، انحيازٌ مضمرٌ لطرف دون آخر، وفي هذه الحالة إسرائيل. وكما يقال في المثل الشعبي: أراد أن يكحّل موقفه فعماه. فما يحدث في غزة يعد مأساة إنسانية بمعنى الكلمة، وموقفه أثار غضب الكثير من جمهوره في مختلف البلدان، ودفع بالعديد من المعلقين الإعلاميين إلى وصف تصرفه بالجُبن الأخلاقي، في حين سارع آخرون للدفاع عنه، ووصفوا موقفه بالشجاع والجريء. منتقدوه سعوا إلى تذكيره بمواقفه السياسية السابقة، ومنها توقيعه على رسالة مفتوحة مناوئة لـ«بريكست»، وكذلك المشاركة في جمع تبرعات للإغاثة الإنسانية في أوكرانيا.

في حفل غنائي لاحق، وقف شيران أمام جمهوره متباكياً ومعترفاً بأنَّ ما يحدث في غزة والضفة الغربية كارثة لا يمكن تبريرها. وأقر بأنَّ المالكين لأمكنة عروض الحفلات كانوا وراء ما حدث، وهدَّدوه بمنع إقامة الحفلات في حالة استمرار نفس المشاركين في العروض. ويبدو أنَّ شيران ارتبك، واختار حلاً سريعاً يضمن استمرار الحفلات، فنفّذ ما طُلب منه، وبذلك وقّع على صحيفة إدانته.

تفاصيل ما حدث، ومن كانوا السبب فيما حدث، والاعتراف بالخطأ... قد لا يكون ذلك كافياً لتبرئة شيران أمام جمهوره الكبير؛ كونه أيقونة غنائية عالمية. لكن الحادثة ترفع الستار عن قوى خفية وواسعة النفوذ في أميركا، يمكنها بجرّة قلم أن تفتح الأبواب أمام من يمتثل لها، أو تقفلها أمام من يرفض شروطها.