آنطوان الدویهی
TT

كأنَّ شيئاً لم يكن

استمع إلى المقالة

حدَثان متلازمان شهدتهما بيروت، لا أهميّة لهما تُذكَر على أرض الواقع: جلسة المناقشة البرلمانية العاصفة التي لجأ فيها نواب «حزب الله» للعنف الكلامي الحادّ، كذلك ما عُرِفَ بـ«مؤتمر الجبهة الوطنية لإنقاذ لبنان» لدعم المحور الإيراني، الذي ضمّ رموز «الممانعة» بكافّة أطرافها، البعثي الأسدي، والشيوعي أو والماركسي الملتزم بـ«الخطِّ»، والسوري القومي، والتغييري الحليف، ونصير «سرايا المقاومة»، وسواهم.

حين تسمع ما حمله هذان الحدثان من خُطَب ومواقف، بتصميم وحماسة، مكرِّرَة نفسها بلا أدنى تغيير، ومن دون أي نقد ذاتي وأي إعادة نظر في أي شيء، تتراءى أمامك سبع وسبعون سنة كاملة من الخراب المشرقي العميم. من انقلاب حسني الزعيم عام 1949 إلى تدمير جنوب لبنان وسقوط تلة علي الطاهر عام 2026، كانت لهذه القوى العالية الصوت، في البرلمان وفي «المؤتمر»، الواثقة من فكرها ونهجها، المسؤولية الكبرى فيها، وهي غير دارية وغير متسائلة وغير عابئة بما جرى، كأنَّ شيئاً لم يكن.

كثير من الحزن والأسى أمام هذه المشهدية التي عنوانها «عَودٌ على بدء». سبع وسبعون سنة من الخراب، من عام 1949 الذي شهد 3 انقلابات متوالية في سوريا (انقلاب حسني الزعيم، وانقلاب سامي الحناوي، وانقلاب أديب الشيشكلي) تلت هزيمة الجيوش العربية وقيام إسرائيل عام 1948، كانت فاتحة الانقلابات العسكرية في مصر والعراق وليبيا وسواها، إلى مأساة الجنوب اللبناني الكبرى المستمرّة اليوم، تمّت كلها تحت شعار «تحرير فلسطين» بالطرق التي جرى اتباعها. ألا يستدعي ذلك كلّه وقفة تأمّل فيما حدث، وتحليل كيفية استعمال هذا الشعار، ونقد وسائل العمل المتَّبَعة، وإدراك النتائج الكارثية التي أدّت إليها؟ أمرٌ عجب.

وهذه السبع والسبعون سنة من الخراب، كم تتطلّب من الأجيال القادمة لمحاولة إصلاحها؟ مَن يدري! وقد ذهب خرابها في اتجاهات ثلاثة كبرى:

الأول، وتحت شعار «تحرير فلسطين»، تمت إقامة نظامَي حكم بعثيين، يعادي كل منهما الآخر، في سوريا والعراق، سمتهما المشتركة الديكتاتورية العسكرية، والقمع الأقصى، وخنق كل أشكال الحرية، وتأجيج المشاعر المذهبية والعرقية، الظاهرة منها أو الكامنة تحت الرماد في انتظار حلول ساعة الانفجار، وتشريع ثروات البلاد أمام شبكات الفساد وسرقة المال العام، فضلاً عن تجارة الممنوعات وأعمال التهريب. وقد أسّس ذلك كله لإثارة الحروب الأهلية الطويلة المدمِّرة، والطموحات الإقليمية، والتدخلات العسكرية الأجنبية، التي سقط خلالها مئات آلاف القتلى، وصولاً إلى اختراق البلدين واستباحتهما، وتسليح جماعات مذهبية فيهما من قبل نظام ولاية الفقيه؛ بحيث تراكم فيهما بفضل تلك السياسات المتوالية قدرٌ هائل من المشكلات، عطّلت قواهما الحيّة، وشلّت قدراتهما إلى أجل غير معلوم.

اتجاه الخراب الكبير الثاني، كانت وجهته البلد الصغير لبنان، الذي دخلت إليه هذه القوى من نافذة حرياته، وفرضت عليه طوال ستين سنة، من 1965 إلى 2026، مهمة «تحرير فلسطين» انطلاقاً من أرضه، من دون سواه من البلدان العربية الشاسعة ومئات الملايين التي تسكنها. وقد أدّى هذا الرهان الغرائبي، الذي لا يستوعبه عقل، إلى إدخال «بلاد الأرز» في سلسلة لا نهاية لها من الحروب الأهلية والفتن والاحتلالات والانهيارات الاقتصادية، سقطت فيها هنا أيضاً مئات آلاف القتلى، وإلى تعميم الفساد ونهب المال العام على نحو مذهل، وصولاً إلى الاختراق الكبير الذي حققه فيه «المحور الإيراني» مقيماً داخل أرضه دولة مسلحة تابعة له، ما قاد إلى الكارثة الراهنة في جنوب لبنان، وما دفع هذا البلد من قمة الازدهار إلى قعر الانهيار والضياع.

كيف انعكست، ثالثاً، هذه السبع والسبعون سنة على إسرائيل، تحت شعار «تحرير فلسطين»؟ إذا كانت هذه الحقبة أدّت إلى انهيار سوريا والعراق ولبنان، إضافة إلى الكارثة التي حلّت بغزة والتراجع الفلسطيني في الضفة الغربية، فالمستفيدة الوحيدة من ذلك كله كانت إسرائيل. في موازاة الخراب المشرقي العميم، استطاعت الدولة العبرية تطوير قوتها البشرية، وتوسيع مداها الأرضي باحتلال هضبة الجولان، وإنشاء حزامها «الأمني» في غزة، وداخل أراضي لبنان وسوريا. إضافة إلى ذلك، ارتفعت خلال هذه الحقبة الطويلة، على نحو بالغ، قوتها العسكرية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وفي المجالات المستقبلية الأكثر حداثة وتعقيداً.

ألا تستحق هذه النتائج التاريخية المأساوية وقفة تأمل من نواب «المحور الإيراني» ومؤيديه في البرلمان اللبناني، ومن مناصريهم في «مؤتمر الجبهة الوطنية لإنقاذ لبنان»؟

ترى أي لبنان؟ وأي مشرق عربي؟ مرّة أخرى: عودٌ على بدء. كأنَّ شيئاً لم يكن...