يقترب الثلاثون من أيلول، الموعد المفترض لتسليم الميليشيات العراقيّة سلاحها، دون أن ينتظره أحد. فقد بات واضحاً أنّ التسليم لن يحصل، وأنّ ما من فارق بين ما قبل الموعد وما بعده. حتّى الحكومة لم تعد مصرّةً عليه: فبشكل ملطّف أعلن رئيسها علي الزيدي أنّ «الفصائل المسلّحة لن يكون لها مبرّر للاستمرار بعد 30 أيلول»، مثيراً علامات استفهام حول «مبرّرها» قبل ذاك. لكنْ بعد الزيدي، أعلن مستشاره للأمن القوميّ قاسم الأعرجي أنّ التاريخ المذكور «ليس موعداً لتسليم السلاح، بل موعد انتهاء مهمّة التحالف الدوليّ وانسحاب قوّاته»، فيما «المفاوضات مع الفصائل ستبدأ أو تستمرّ بعد ذلك التاريخ».
هذا التدحرج سبقه ترهيب مثّلته زيارتان إلى بغداد أدّاهما إسماعيل قاآني ومحمّد باقر قاليباف، حيث قيل إنّ طهران تَعتبر تسليم السلاح «ضربة كبرى لإيران». أمّا الشروط، وهي كثيرة، فيتصدّرها عدم تحديد سقف زمنيّ للعمليّة، وربط التنفيذ بانسحاب القوات الأجنبيّة.
والحال أنّ «بقاء» هذه الأخيرة في العراق إنّما يعادل «مزارع شبعا» اللبنانيّة التي «برّرت» بقاء سلاح «حزب الله» 26 سنة. وهذا علماً بأنّ الولايات المتّحدة لم تقل إنّها تراجعت عن التزامها جدولَ الانسحاب المتّفق عليه مع بغداد، وعن موعد 30 أيلول لتزامُن الانسحاب وتسليم السلاح. فقد حصلت انسحابات أميركيّة، وسُلّمت للقوّات العراقيّة قواعد كعين الأسد وبلد، وانسحبت من أربيل قوّات ألمانيّة، عملت في إطار التحالف الدوليّ ضدّ داعش. بيد أنّ دعاة الميليشيا باتوا يصرّون، في سياق التنصّل، على اكتمال الانسحاب قبل الشروع بـ«الحوار» حول تسليم السلاح، وهو ما بات يوافقهم عليه بعض الرسميّين.
فالسلاح، إذاً، لا يستغني أصحابه عنه، منتصراً كان أم مهزوماً، لا في العراق ولا في لبنان. ويخطئ الذين يساجلون ضدّ ذاك السلاح من زاوية فعّاليّته العسكريّة، لأنّ تلك الفعّاليّة هي آخر ما يهمّ المدافعين عنه. فالسلاح، في نظرهم، يجب أن يبقى، وألَّا يتأثّر التمسّك به بحدث معيّن يحصل، كهزيمة علي الطاهر قبل يومين في جنوب لبنان، ولا بكلام يُفتضح كذبه وينبغي أن يُحاسَب قائلوه، وهو كثير في العراق كما في لبنان. ذاك أنّ أمر السلاح وبقائه يكاد يقارب القداسة التي لا تُمَسّ، ولا تُطرح الأسئلة عن جدواه وفعّاليّته. فهو لا يقبل القياس على شيء، ولا يكتسب معنى، أو يفقد معنى، من جرّاء أشياء تحصل خارجه.
بلغة أخرى، هو منظومة شاملة لقوّة ونفوذ عسكريّين وسياسيّين واقتصاديّين وإيمانيّين وعصبيّين، يتيحان لأصحابه تعطيل كلّ محاولة لتحكيم اعتبارات وطنيّة، سياسيّة ودستوريّة، في الحياة العامّة. ولأنّه شامل، في لبنان وفي العراق، فإنّ كلّ مناقشة له تثير التساؤل حول كلّ شيء، يصحّ ذلك في الجيش الوطنيّ وقيادته ومدى قدرتهما على إنجاز نزع السلاح، ومدى رغبتهما فيه، ويصحّ في الوقائع والمعطيات التي تنبّهنا إلى أنّ المتمسّكين به يحتلّون مواقع مؤثّرة في السلطة، ويمسكون بمفاصل أساسيّة في أجهزة الأمن، ويحظون بوزن تمثيليّ معتبر في المؤسّسات الدستوريّة المنتخبة. وفي العراق كما في لبنان، تتكاثر تجارب الفشل التي يحصدها سياسيّون أرادوا أن يتصدّوا لـ«الدولة الموازية» ولامتيازاتها.
وهذا ما يخلق في البلدين مشاعر واسعة من الغضب الذي يقيّده إحساس محبَط بقصور معادلة «الدولة بدل الميليشيا»، رغم صحّتها، عن علاج المشكلة، وقناعة بأنّ هذه المعادلة غدت تتراوح بين كونها موقفاً نظريّاً صرفاً وكونها تعويذة لا تقدّم ولا تؤخّر.
هكذا بتنا نسمع أصواتاً عراقيّة ولبنانيّة كثيرة تميّز، كما فعل الكاتب العراقيّ صادق الطائيّ، بين نزع سلاح الميليشيات وإنهاء الميليشيات بوصفها «ظاهرة تمدّدت، خلال أكثر من عقدين، من المجال العسكريّ إلى السياسة والاقتصاد والإدارة، حتّى أنّ منطقها تسرّب إلى الثقافة الاجتماعيّة نفسها». ولهذا فـ«اختزال المشكلة في عدد البنادق والصواريخ والمخازن الواقعة خارج السيطرة الحكوميّة، قد يحجب جانباً أكثر عمقاً من الأزمة: فالتحدي لا يكمن في وجود جماعات مسلحة فحسب، بل في تفكيك البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت من السلاح مصدرا للقوة والنفوذ».
فإذا كانت عمليّة مكتملة العناصر قد لازمت التحوّل إلى مَيْلشة الدولة والمجتمع، بات اقتران نزع الميلشة بعمليّة مضادّة أمراً لا بدّ منه. وفي عمليّة كهذه تندرج تحوّلات سياسيّة، إقليميّة ودوليّة، وإجراءات خنق اقتصاديّ، وقبل كلّ شيء آخر، مساءلة الاجتماع الوطنيّ نفسه عمّا إذا كان يريد فعلاً مبارحة المَيلشة، ودفع أثمانها، ثمّ استئناف الحياة بدونها، بعد العيش عقوداً في ظلّها. وقد يقال، وهو صحيح، إنّ سقوط النظام الإيرانيّ، في حال حصوله، يحلّ جزءاً معتبراً من المشكلة. وقد يقال، وهو أيضاً صحيح، إنّ حالة طارئة، أو ظرفاً يصعب التحكّم به، قد يمنحان الحلّ الأمنيّ أسبقيّة على سواه. لكنّ المؤكّد أنّ أولويّة الاجتماع الوطنيّ بقراراته واستعداداته، هي ما يضمن، أو لا يضمن، بناء مستقبل لا يضمنه الحلّ الأمنيّ وسقوط النظام الإيرانيّ وحدهما.
