في المقال السابق تناولنا كيف تحوّل جزء كبير من التحليل السياسي في الفضاء الإعلامي العربي ممارسةً رغائبية تغذي الأوهام بدلاً من أن تكشف الواقع. واليوم، ننتقل من توصيف الظاهرة إلى تحليل آليات انتشارها، وكيف نجحت بعض الأصوات في كسب مساحات واسعة من الجمهور لا بقوة الحجة، بل بمهارة الإيهام بالموضوعية.
من الظواهر اللافتة منذ اندلاع الحرب الحالية في المنطقة، ارتفاع شعبية بعض المحللين الذين يتبنون وجهات نظر لا تتوافق بالضرورة مع توجهات بلد القناة أو مع المزاج السائد لدى جمهورها. والسبب في ذلك لا يعود بالضرورة إلى قوة حججهم أو دقة معلوماتهم، بقدر ما يعود إلى إدراكهم العميق لطبيعة الجمهور الذي يخاطبونه. فهم يدركون أن شريحة واسعة من المتابعين باتت تملّ من أسلوب الديوانية الذي يسيطر على كثير من البرامج الحوارية، حيث يتحول النقاش منافسةً على رفع الصوت وإفحام الخصم أكثر مما هو بحث عن الحقيقة. ولذلك؛ يعمد هؤلاء المحللون إلى تقديم أنفسهم بمظهر الموضوعية الهادئة والتحليل المتزن، فيخاطبون وعي المتلقي بمهارة عالية، ويستخدمون لغة تبدو عقلانية ومنضبطة، حتى لو كانت المضامين في جوهرها منحازة أو رغائبية. وبهذا الأسلوب ينجحون في كسب ثقة جزء من الجمهور الذي يبحث عن بديل عن الصخب التقليدي، من دون أن يدرك أن المهارة في الأداء قد تكون غطاءً لخطاب لا يقل وهماً عن الخطابات الحماسية التي يدعي تجاوزها.
إن أخطر ما في هذا النمط من التحليل ليس الانحياز بحد ذاته؛ فالانحياز موجود في كل خطاب بشري، بل الخطورة تكمن في القدرة على إخفاء الانحياز خلف قناع الموضوعية. فالمحلل الذي يجيد هذه اللعبة لا يصرخ ولا يهاجم بشكل مباشر، بل يعيد ترتيب الأولويات، ويختار المعطيات التي تناسب روايته، ويقدمها بلغة هادئة توحي بالاستقلال الفكري. وهكذا يتحول المتلقي تدريجياً من متابع يبحث عن الحقيقة إلى مستهلك لرواية مُعدَّة مسبقاً، يعتقد أنه وصل إليها بنفسه لأنه لم يشعر بأنه يُدفع إليها بقوة الصوت أو العاطفة الصريحة.
تتضاعف خطورة هذا الأسلوب حين ينتقل من الشاشات إلى منصات التواصل الاجتماعي. فمواقع التواصل الاجتماعي للقنوات الفضائية تكافئ المحتوى الذي يبدو هادئاً وعقلانياً؛ لأنه يحقق تفاعلاً أطول ومشاركة أوسع بين الشرائح التي ترفض الصخب التقليدي. وبذلك تتشكل دائرة مغلقة، فالشاشة تقدم النموذج، والمنصات تضخّمه وتعيد تدويره، والجمهور يعيد إنتاجه على أنه الحقيقة الناقصة التي لطالما بحث عنها. وفي هذه الدائرة يتحول النقد الواقعي صوتاً نشازاً، ويُتهم صاحبه بالجمود أو بالانحياز للسلطة أو بالتخاذل.
إن انتشار هذا النوع من التحليل لا يبقى محصوراً في مستوى الوعي الفردي، بل يمتد ليؤثر على القدرة الجماعية على قراءة الواقع واتخاذ القرارات. فحين يسود وهم الموضوعية الزائفة، يصبح من الصعب على المجتمعات تقبل الحقائق المُرّة أو الاستعداد للسيناريوهات الصعبة. والمعنويات التي تُبنى على إيهام منظم أخطر من تلك التي تُبنى على حماسة عابرة؛ لأنها تخلق شعوراً زائفاً بالفهم العميق، ما يجعل انكشاف الحقيقة لاحقاً أكثر إيلاماً وأشد تأثيراً على الثقة العامة.
المطلوب اليوم ليس إسكات الأصوات أو فرض رواية واحدة، بل استعادة معايير التحليل الرصين، كالاعتماد على موازين القوى الفعلية، والاعتراف بمعطيات الميدان حتى لو كانت قاسية، والتمييز الواضح بين ما هو تقييم استراتيجي وما هو أُمنية سياسية. فالمسؤولية الإعلامية تقتضي أن نقدم للمتلقي أدوات الفهم لا أدوات التخدير، وأن نرفع من سقف النقاش بدلاً من أن نتقن فنون الإيهام به.
ختاماً، لا يمكن الخروج من مأزق الوعي الزائف إلا بإدراك أن الحقيقة لا تقاس بمدى هدوء المتحدث وبراعته في تنميق الكلمات، ولا بمدى صراخه وافتعاله الغيرة لإثبات أنه الطرف المحق، بل بمدى صمود أطروحاته أمام قسوة الواقع. إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل المباشر، بل وهم المعرفة المصنوع بمهارة فائقة. وإذا لم نستعِد يقظتنا النقدية لفرز الحقائق من بين ركام الإيهام، فإننا نغامر بتحويل الرأي العام من حصن منيع يحمي الدولة، إلى خاصرة رخوة تتقاذفها الأهواء والأمنيات.
