أحمد محمود عجاج
TT

حدثان أيقظا أوروبا

استمع إلى المقالة

في تأييده لاستقلال أميركا عن بريطانيا، قالَ الفيلسوف الاسكوتلندي ديفيد هيوم إنَّه «أميركي في المبدأ»، وتمنَّى لو يُترك الأميركيون «يديرون شؤونهم بأنفسهم كما يرونه مناسباً»، ومن غريب الصدف أن الأميركان نسوا هذا المبدأ بينما تمسك به الأوروبيون. في أوكرانيا اليوم، يصر الأوروبيون على تعزيز استقلال أوكرانيا، ويساندونها بقوة، بينما الأميركيون يرون أنه لا ضير أن يكون استقلال أوكرانيا مقيداً إذا كان الثمن السلام مع روسيا. وبمناسبة الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا عن روسيا، كان لافتاً حضور قادة أوروبا وغياب كبار المسؤولين الأميركيين، ومع ذلك أجمع الأوروبيون على أن حرب أوكرانيا هي حربهم، وأن الأوكرانيين، على لسان رئيس وزراء بريطانيا، هم خط الدفاع الأول عن أوروبا. والأهم موافقة بريطانيا علانية، وقبلها فرنسا، على نقل المعرفة التكنولوجية لصناعة الصواريخ بعيدة المدى لأوكرانيا؛ وأعقب ذلك تسليم أوكرانيا كنزاً من المعلومات المخابراتية والصور، والمواقع عن تحركات القوات الروسية، ومعداتها، لكي تستخدمه شركات الذكاء الاصطناعي البريطانية في مجالات الدفاع المبكر، والاستعداد لإحباط أعمال تخريبية، وكشف أعمال تجسس، وحماية المنشآت التحتية في بريطانيا. لم تعد أوروبا خائفة من الدب الروسي، ولم تعد تتهيَّب مواجهته، ولم تعد تنصت كثيراً لمواقف واشنطن من هذه الحرب، لأنَّها توصلت إلى قناعة هي أنَّ هذه الحرب على أرض أوكرانيا هي حربها، وخسارتها تعني عودة أوروبا إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.

هذه الحرب التي أعلن بوتين أنها عملية خاصة، واعتقد إتمامها في أسابيع أو شهور، مضى عليها أربعة أعوام، ولم تتغير خطوط النار؛ بل المتغير الأهم أن أوكرانيا أصبحت أكثر قوة، وأوسع خبرة، وقدرة على الإنتاج الصناعي العسكري، لدرجة أن ترمب نفسه غير رأيه وأبدى إعجابه بتحدي الأوكرانيين للروس؛ أوكرانيا اليوم تبدو كأنها أقوى جيش في أوروبا، والأكثر خبرة في القتال، ووراءها قادة أوروبيون يمدونها بالخبرة التكنولوجية والمال والدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي. بهذا التشكل الواقعي يدرك بوتين أنه يدخل بعد أربعة أعوام حرباً مختلفة تماماً عن تلك التي بدأها لثلاثة أسباب: أولاً أن أوكرانيا صمدت، ورفضت التنازل، وثانياً أن أوروبا أصبحت فعلياً في مواجهته، واستطاعت أن تناور ترمب، وتجره إلى موقع حيادي بوصفه أهون الضررين، وثالثاً إدراكه تكلفة الحرب لدرجة أن نائب وزير التنمية الاقتصادية الروسي كليباك تخوف من ثورة اجتماعية مشابهة لثورة 1917 التي أطاحت بالقيصر. لا عجب أن نرى بوتين ووزراءه يهددون فقط أوروبا، ويحذرون قادتها، ويتجنَّبون مهاجمة أميركا، لإدراكهم أن الوزن العسكري الحقيقي في أوكرانيا انتقل إلى أوروبا ولم يعد في واشنطن. هذا التحول النوعي رافقه خسارة موسكو ثقلها في الشرق الأوسط بعد انهيار نظام الأسد، وفي فنزويلا، وأفريقيا، وكذلك سردية مقاومتها للهيمنة الأميركية والنظام القطبي الواحد. فأوروبا، رغم تناقضاتها، سارعت إلى ملء الفراغ في كل مكان تواجه موسكو فيه ضائقة استراتيجية، فانفتحت بسرعة على حكومة الشرع، وهلَّلت لاتفاقيتها مع موسكو بإنهاء الوجود الروسي في البحر المتوسط الحيوي للأمن الأوروبي.

ثمة حدثان أيقظا أوروبا: حرب أوكرانيا، وتهديدات ترمب؛ فالحرب الأوكرانية تمنت أوروبا في بدايتها أن تنتهي بسرعة، ولو على حساب أوكرانيا، ولكن صمود الأوكرانيين، وموقف بريطانيا الحازم من روسيا، ومسارعة الرئيس بايدن لمناصرة زيلينسكي، كل ذلك دفعها إلى مساندة شعب أوكرانيا بتدرج، إلا أنها أصبحت طرفاً مباشراً بكل المقاييس. كما أن ترمب بعدائه لأوروبا، وتهزئته لقادتها، وفرضه ضرائب عليها، وتهديده بالانسحاب من «الناتو»، ومطالبته بضم أراضٍ أوروبية (غرينلاند) نبَّه أوروبا إلى أنها وحيدة في عالم متغير، وأن أمنها في خطر، ولا بد من التماسك، ومواجهة التحديات بوصفها كتلة بشرية واقتصادية وعسكرية توازن أميركا والصين، وقادرة على وقف تحركات بوتين العسكرية بتحركات مشابهة وتحذيرية كما فعل البريطانيون والنرويجيون عندما وجدوا غواصات نووية فوق كابلات اتصالات حساسة في بحر الشمال، وكما فعلوا عندما اعترضوا ناقلات ظل تنقل النفط الروسي، ولم يأبهوا لنشر روسيا فرقاطات روسية لحمايتها، بل فتشوا ناقلات ظل روسية في بحر الشمال. والأكثر أن طائرات «درون» بريطانية متطورة تملًّكتها أوكرانيا بدأت تضرب العمق الروسي، دونما اعتبار للرد أو التهديدات الروسية.

أمضى الرئيس بوتين عقوداً يستعد لجعل روسيا دولة عظمى، وفي طريقه إلى هذا أشعل حرب أوكرانيا التي أنهكت اقتصاده وجيشه وتوقف الخط المتصاعد لروسيا العظمى.

الرئيس بوتين في مأزق الآن؛ فلا هو بقادر عن إيقاف الحرب، ولا هو في وضع جيد يسمح له بالاستمرار فيها.