في الثاني عشر من أغسطس (آب)، غادرت سفينة حاويات ميناء «نينغبو» الصيني متجهة إلى أوروبا، لكنها لم تسلك الطريق الذي تسلكه آلاف السفن كل عام نزولاً إلى مضيق ملقا، ثم المحيط الهندي، فالبحر الأحمر وقناة السويس، بل اتجهت شمالاً لتلتف فوق سواحل سيبيريا وتصل إلى روتردام في نحو عشرين يوماً بدل أربعين.
والجديد هنا ليس العبور في حد ذاته، فسفن صينية عبرت هذا الممر من قبل رحلات متفرقة كلما سمح الجليد، بل الجديد أن شركة «سي ليجند» الصينية أعلنت أول خط منتظم بجدول أسبوعي عبر القطب الشمالي؛ ثماني رحلات حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) تنقلها سبع سفن إلى موانئ بريطانيا وهولندا وألمانيا وبولندا.
ومنذ ذلك اليوم صار على من يقرأ خريطة التجارة العالمية أن يقلبها رأساً على عقب، فالطريق الذي اعتدنا أن نقرأه من أسفل الخريطة بات له نظير يمر من أعلاها.
ولم يأتِ هذا الخط من فراغ، بل تلاقت فيه ثلاثة عوامل؛ أولها الجليد الذي يذوب صيفاً فيفتح نافذة ملاحية تمتد نحو أربعة أشهر. وثانيها الاضطراب الذي أصاب البحر الأحمر ومضيق هرمز في السنوات الأخيرة، فأعاد شركات الشحن إلى حساب المخاطر من جديد. وثالثها حاجة روسيا بعد العقوبات الغربية إلى زبون كبير للممر البحري الشمالي الذي تديره شركة «روساتوم»، فهي التي تصدر تصاريح العبور وتتقاضى رسومه وترافق السفن بكاسحات الجليد.
ويصف معهد «بروجل» الأوروبي في تحليل نشره قبل أيام هذا الخط بأنه تكامل بين حاجتين، فروسيا تملك الممر ولا تملك السفن ولا الأسواق، والصين تملك السفن والبضائع ولا تملك ساحلاً قطبياً، وما تدفعه بكين مقابل العبور ليس رسوماً فحسب، بل شراكة في بناء السفن وتدريب الأطقم وتنسيق سياسي يمنح موسكو ما تفتقده في زمن العزلة.
غير أن هذا التكامل يُقرأ في واشنطن قراءة مختلفة تماماً، فالولايات المتحدة ترى منذ عقود أن الممر الشمالي مضيق دولي مفتوح للجميع لا مياه روسية تخضع لتصاريح موسكو، وحين تعبره سفن الصين وتدفع رسومه فإنها تمنح الموقف الروسي شرعية عملية لا تمنحها المواثيق.
والمفارقة أن أميركا التي تنازع روسيا في القانون لا تنازعها في القدرة، فروسيا تملك أكثر من أربعين سفينة قطبية، والصين ثلاثاً وتبني رابعة تعمل بالطاقة النووية، أما الولايات المتحدة فلا تملك سوى كاسحة جليد ثقيلة واحدة صالحة للعمل، ولذلك لجأت إلى فنلندا لتشتري منها إحدى عشرة كاسحة متوسطة بتكلفة تزيد على ستة مليارات دولار، وتبحث في الوقت نفسه عن طريق بديل عبر الممر الشمالي الغربي في كندا، وهو طريق ضحل متقلب الطقس ومحل خلاف سيادي مع كندا يشبه خلافها مع روسيا.
والدرس الذي يخرج به المراقب أن التنافس في القطب ليس تنافساً على الجغرافيا بقدر ما هو تنافس على من يستطيع أن يصنع ما يصلح للجليد. لكن الحماسة لهذا الطريق تحتاج إلى شيء من التهدئة، فالمتشككون في صناعة الشحن يذكّرون بأن الأرقام ما زالت متواضعة إلى حد بعيد، فالسفن السبع تحمل ما بين 1500 و5000 حاوية؛ أي نحو خُمس ما تحمله السفن العملاقة التي تعبر قناة السويس، وموسم عام 2025 بأكمله لم يشهد سوى 103 رحلات عابرة للممر بحمولة تزيد قليلاً على 3 ملايين طن، وهو ما تنقله قناة السويس في أيام معدودة، ثم إن النافذة الملاحية لا تتعدى أربعة أشهر، وكانت المياه المفتوحة كلياً من الجليد في الموسم الماضي لا تزيد على أسبوعين في أواخر سبتمبر (أيلول)، وعاصفة واحدة أخّرت إحدى السفن يومين كاملين، يضاف إلى ذلك تحفظ شركات التأمين وقلق الشركات الغربية من الاقتراب من أي نشاط تديره شركة روسية خاضعة للعقوبات، ولذلك يصف هؤلاء الممر بأنه طريق موسمي له لحظات زخم لا بديل شاملاً لطريق الجنوب.
وهنا يبرز السؤال عن قناة السويس التي تتعافى من صدمة البحر الأحمر، فقد عادت إيراداتها في السنة المالية الأخيرة إلى نحو 4.5 مليار دولار بعد أن كانت تجاوزت 10 مليارات في ذروة عام 2023؛ أي إنها لم تسترد بعدُ نصف ما فقدته، وأي طريق بديل مهما كان صغيراً يُضعف موقعها حين تفاوض شركات الشحن على رسوم العبور، وقد بدأت هيئة القناة فعلاً تعديل رسومها على الحاويات والغاز المسال لتستعيد الخطوط دون أن تنفّرها، وفي المقابل تحتفظ القناة بما لا يملكه القطب، فهي تعمل على مدار العام لا أربعة أشهر، وتقع على طريق تتناثر عليه أسواق جنوب آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، في حين لا يخدم الممر الشمالي سوى خط واحد بين شرق آسيا وشمال أوروبا، وهو ما يجعله منافساً على شريحة محددة من التجارة لا على التجارة كلها.
إن الطرق التجارية الكبرى في التاريخ لم تُهزم يوماً بطريق أفضل ظهر بين ليلة وضحاها، بل بتراكم البدائل الصغيرة التي تتحول مع الوقت من نافذة موسمية إلى عادة تجارية، فطريق رأس الرجاء الصالح لم يُنهِ تجارة البحر المتوسط في عام واحد، لكنه أعاد رسم مراكز الثقل خلال قرن. والسؤال الذي يطرحه الخط الجديد ليس هل يحل الجليد محل الرمال؟ فالجواب اليوم: لا، بل من يملك السفن والكاسحات والموانئ حين تتسع النافذة عاماً بعد عام، ومن يكتفي بالاعتراض القانوني في حين يمضي غيره في الإبحار.
