متابعةُ تطورات الشأن الدولي والعربي والمحلي في مختلف وسائل الإعلام تتطلب مواظبة وانضباطاً دائمين؛ وبهما يظل المرء على صلة بما يحدث حوله في مختلف بقاع العالم، وقادراً على التكهن بالمسارات التي من الممكن أن تتجه إليها الأحداث. تلك المتابعة لا تقتصر على التقارير الإخبارية فحسب، بل لا بدَّ لها من الامتداد واللحاق بما يصدر من مقالات وتحليلات في صفحات الرأي بالعديد من الصحف، حتى يتحول الأمر إلى عادةٍ مكتسبة.
كُتّاب صفحات الرأي في مختلف الصحف يتفاوتون في خلفياتهم وتوجهاتهم السياسية. بعضهم كُتّاب محترفون معروفون، وآخرون جاءوا من خلفيات مهنية وأكاديمية متنوعة. ومنهم ممن عملوا في الأروقة السياسية وخبروا كواليسها وتولوا فيها مهامَّ ومناصبَ رفيعة؛ مما يمنح ما ينشرونه من مقالات عمقاً لا تبلغه الكتابة النظرية البحتة كونها تستند إلى تجربة مباشرة وخبرات اكتسبوها.
في هذا السياق يمكن الإشارة إلى ما ينشره وزيرا خارجية سابقان لم يعد أيٌّ منهما يشغل منصباً سياسياً؛ الأول عربي من ليبيا وهو عبد الرحمن شلقم، الذي كان وزيراً للإعلام وتسنَّم مناصب سياسية مرموقة أخرى وترأس لجاناً متعددة داخل البلاد وخارجها. ثم شغل حقيبة الخارجية لقرابة عقد من الزمن، وكان قبل هذا سفيرَ ليبيا لدى إيطاليا لمدة طويلة، ثم مندوب ليبيا في الأمم المتحدة.
الوزير شلقم يحرص منذ سنوات على كتابة مقالة أسبوعية في صحيفة «الشرق الأوسط».
أما الثاني فبريطاني وهو وليام هيغ، الذي كان يوماً زعيماً لحزب المحافظين البريطاني، وتولى مناصب وزارية عدة في حكومات المحافظين، أبرزها وزارة الخارجية في حكومة ديفيد كاميرون، ورئاسته الحالية لجامعة أكسفورد، ويكتب مقالاً أسبوعياً في صفحات الرأي بصحيفة «التايمز» اللندنية.
الأول يعيش خارج ليبيا منذ سنوات لأسباب ليست خافية، والثاني مقيم في بريطانيا ويمارس حياته وفق هواه.
المتابع لما ينشره الاثنان من مقالات في الصحيفتين المذكورتين لا تفوته ملاحظة أن عبد الرحمن شلقم رغم وجوده خارج البلاد، مما يمنحه ملجأ مريحاً، يعمد إلى الابتعاد في مقالاته عن الخوض في الشأن المحلي الليبي، علماً بأنه ساهم بدور كبير في التغيير الذي حدث في عام 2011، ويظل من بين قلة من الساسة الليبيين القادرين على تحليل الأزمة بعمق، وربما الأقدر من بين الموجودين على تصميم منافذ للخروج منها إلى بر الأمان، لو أتيحت له الفرصة.
في الجهة الأخرى يلاحظ أن وليام هيغ غارق لأذنيه في مقالاته في متابعة ورصد وتحليل الشأن السياسي البريطاني ومساراته وعلى نحو مثير للإعجاب. فلماذا ينحو عبد الرحمن شلقم إلى تفادي التعرض للشأن الليبي وهو الأعلم بأروقته ومساراته وينحو إلى الكتابة في أمور وشؤون تاريخية تتعلق بالوضع العربي أو الدولي، في حين يغوص نظيره في لجة العمق السياسي البريطاني؟
جزءٌ من الإجابة، في الحقيقة، ليس مستعصياً على كل من اقترب بالمتابعة والدراسة من الساحتين السياسيتين في ليبيا وبريطانيا. فعبد الرحمن شلقم يعيش منذ سنوات في خارج البلاد، بعد أن تبيَّن أن لا مكان له في ساحة يستند الحوار فيها إلى لغة السلاح.
على العكس من ذلك، نجد أن وليام هيغ موجود في ساحة ليبرالية متعددة الأحزاب لا تستهجن اختلاف الآراء ولا تحظره. وبالتالي، فإنَّ خروجه من العمل السياسي المباشر لا يحول دون مساهماته في الحوارات السائدة وطرح ما يراه مناسباً من حلول لما يعترضه من مشاكل وأزمات.
وقد فاتني أن أقول إن عبد الرحمن شلقم، رغم كونه ذا خبرة سياسية واسعة جال فيها من كونه وزيراً ثم سفيراً ثم وزير خارجية فمندوباً، فإن تكوينه العلمي يشير إلى أنَّه صحافيٌّ متمرسٌ وكاتبٌ كبيرٌ تخرج في جامعة القاهرة قسم الصحافة في أوائل السبعينات. وإثر تخرجه من جامعة القاهرة عاد إلى ليبيا ليعمل صحافياً ثم أسندت إليه فيما بعد رئاسة تحرير صحيفة «الفجر الجديد» ثم «الأسبوع الثقافي» ثم تولَّى مدير وكالة الأنباء الليبية، وهكذا بدأ في الترقّي.
وأرى أنَّ انصراف الأستاذ شلقم عن الخوض بمقالاته في الشأن السياسي الليبي المأزوم يترك فراغاً كبيراً واضحاً، وأيضاً علامة استفهام بارزة تفتح الأبواب أمام تفسيرات عديدة، أغلبها مجانب للصواب. وبالتالي، يكون من الأفضل ترك الخوض في التكهنات، واحترام خصوصيته. لكن يظل مهماً الإقرار والاعتراف بأنَّ الساحة السياسية الليبية خسرت بغيابه وخروجه منها واحداً من أقدر اللاعبين. لكن يبدو أنَّ عبد الرحمن شلقم ترك الخوضَ في السياسة في بلاده لأنَّها لم تعد بها سياسة.
