حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين

استمع إلى المقالة

تزداد مساحة «الاشتراكية» في ساحة السلطة التشريعية بالولايات المتحدة، مع زيادة عدد المنتخَبين الممثلين لهذا التيار في الكونغرس، وكذلك استمرار اتباع الإدارة الأميركية سياسات حمائية متشددة، وأيضاً استمرار توسع الحزب الشيوعي الحاكم بالصين في سياسات رأسمالية جريئة. كيف سيتعامل العالم مع كل هذا التحول؟

العالم سيتعامل مع هذا التحول بطريقة براغماتية وانتقائية، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية والأمنية أكثر من الآيديولوجيا. أميركا تتحرك تدريجياً نحو بصمة اشتراكية أكبر في السلطة التشريعية، مع سياسات حمائية تبتعد عن السوق الحرة المفتوحة، بينما الصين توسع المساحة الرأسمالية وتبتعد عن الشيوعية الاقتصادية الصرفة. وهذا يعكس اتجاهات جزئية ملحوظة، ولكنه ليس تحولاً كاملاً ولا نهائياً في أي من الجانبين.

أميركا ما زال اقتصادها رأسمالياً مهيمناً، مع قطاع خاص ضخم وابتكار سوقي، والصين تبقى تحت سيطرة حزب شيوعي مركزي، مع تدخل الدولة القوي رغم الإصلاحات السوقية. الاتجاهات الواقعية في أميركا تظهر لنا أن هناك زيادة في الإنفاق الاجتماعي، والتنظيمات، والسياسات الصناعية (مثل قانون خفض التضخم وقيود التصدير على التكنولوجيا)، بالإضافة إلى حمائية في التجارة (رسوم جمركية على الصين وغيرها). هذه ليست «اشتراكية» بالمعنى الكلاسيكي (ملكية عامة لوسائل الإنتاج)؛ بل رأسمالية منظمة أو «رأسمالية أصحاب المصلحة» مع تدخل حكومي أكبر. الحمائية موجودة في الحزبين كليهما لأسباب أمنية واقتصادية. ولكن لها الروح نفسها.

في الصين، هناك الإصلاحات الكبرى منذ دنغ شياو بينغ التي فتحت بها أسواقاً ضخمة، وخلقت طبقة رأسمالية كبيرة، وجذبت استثمارات هائلة، ولكن الدولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية، وتوجِّه الائتمان، وتقيد الحريات الاقتصادية عندما تتعارض مع أهداف الحزب. إنها «رأسمالية الدولة» أو اشتراكية السوق، وليست رأسمالية ليبرالية حرة.

الدول والشركات لن تتعامل مع «اشتراكية أميركا» ولا «رأسمالية الصين» كآيديولوجيات نقية؛ بل كواقع جيوسياسي واقتصادي، وبالتالي ستكون البراغماتية الاقتصادية أولاً، فمعظم الدول (أوروبا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، ودول الخليج، وجنوب شرقي آسيا) ستستمر في التعامل مع البلدين كليهما وفق المصلحة. وستشتري التكنولوجيا الأميركية المتقدمة والابتكارات، وستستفيد من التصنيع الصيني الرخيص وسلاسل التوريد. الحمائية الأميركية قد تدفع بعض الشركات إلى تنويع المصادر؛ لكن الصين تبقى مركزاً صناعياً لا يمكن تجاهله بسهولة.

التنافس الاستراتيجي والاحتواء سيكونان نقطة مثيرة للاهتمام، فالدول المتحالفة مع أميركا (الناتو، والرباعية... إلخ) ستزيد من التنسيق لمواجهة النفوذ الصيني؛ خصوصاً في التكنولوجيا والأمن البحري والطاقة. في المقابل، دول الجنوب العالمي (كثير من دول أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا) قد ترى في الصين شريكاً تنموياً أقل تدخلاً سياسياً، وفي أميركا مصدراً للتمويل والتكنولوجيا، فتلعب على التوازن بينهما.

التكيف مع الحمائية والتحولات الداخلية إذا استمرت أميركا في السياسات الصناعية والحمائية، قد يؤدي إلى إعادة توطين بعض الصناعات، ولكنه هذا يرفع التكاليف عالمياً، ويشجع دولاً أخرى على ردود فعل مماثلة (حروب تجارية محدودة).

توسع الرأسمالية الصينية -مع بقاء السيطرة السياسية- يعني استمرار جذب الاستثمارات، ولكن مع مخاطر أكبر مرتبطة بالديون، والعقارات، والتوترات الجيوسياسية. العالم سيطالب بمزيد من الشفافية والمعاملة بالمثل في الأسواق.

الاتجاه الحالي ليس انفصالاً كاملاً؛ بل هو فصل في القطاعات الحساسة (مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والدفاع) مع استمرار الترابط في السلع الاستهلاكية والطاقة. والشركات متعددة الجنسيات ستبني سلاسل توريد مزدوجة لضمان استمرارية أعمالها.

أما عن التأثير على النظام الدولي، فسيكون على المؤسسات، مثل منظمة التجارة العالمية، التي قد تضعف أكثر إذا استمرت الحمائية من الجانبين. الدول المتوسطة ستسعى إلى ترتيبات إقليمية بديلة. في النهاية، القوة الاقتصادية والعسكرية والابتكارية تحدد المعاملة أكثر من التسميات الآيديولوجية.

هذا التحول -إن استمر- لن يجعل العالم يختار «اشتراكية أميركا» ولا «رأسمالية الصين» كنظامين مثاليين؛ بل سيتعامل معهما كقوتين عظميين تتنافسان وتتداخلان. التاريخ يُظهر أن الدول تتكيف مع الواقع: الاتحاد السوفياتي السابق لم يمنع التجارة مع الغرب عندما كانت مفيدة، والصين اليوم ليست مغلقة. النجاح أو الفشل سيعتمد على الإنتاجية، والاستقرار، والقدرة على توليد النمو والابتكار، لا على درجة «الاشتراكية» ولا «الرأسمالية» المعلنة. الوضع ديناميكي، وأي تحليل يجب أن يأخذ في الاعتبار أن السياسات الداخلية في البلدين كليهما قد تتغير مع الدورات الانتخابية أو الضغوط الاقتصادية.