جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

رحلةُ الألف ميل تبدأ بخطوة

استمع إلى المقالة

تُعدّ هذه المقولة من أشهر المبادئ في الفلسفة الصينية القديمة، وترد في كتاب لاو تزو ذي العنوان «تاو تي تشينغ» المبجل لدى أتباع الطائفة الطاوية. وهي مقولة تحث على العزيمة والتصميم وإنجاز الأعمال.

الخطوة الأولى في أي رحلة تتمثل في قرار العزم على القيام بها. ومن دونه لا يمكن لرحلة أو مسيرة أو خطة أن ترى النور وتتحقق، سواء أكان ذلك في حياة فرد أم أمة أم شعب. في بعض الحالات يتدخل القدرُ فجأة، ويتخذ نيابة عنّا ذلك القرار. حدث أن وجدتني مصادفة ضمن أصحاب الفئة الأخيرة. اللافت للاهتمام أن القرار القدري المتعلق برحلتي لم يأتِ في أول العمر، بل فُرضَ عليَّ في رُبعه الأخير.

تضعنا هذه المفارقة، وجهاً لوجه، أمام سؤال الإرادة والزمن. هناك فرق بين خطوة نخطوها بملء إرادتنا في بداية الشباب، يكون دافعها الرغبة في تأكيد الذات، والرغبة في التغيير واكتشاف المجهول، وخطوة يفرضها قدر في أواخر العمر فنصاب بالحيرة، وقد لا نعرف كيف نتصرف حيالها. أحياناً، نظنّ أنها ستكون بمثابة إعادة صياغة لرحلة الشباب الأولى بشكل آخر يتناسب والمتغيرات الحياتية. وما أستطيع التكهن به أنّه لدى حدوثها يتغير معها مفهوم «الوصول». بمعنى أن المشهد الأخير لم يعد هو الغاية، بل تصفية الحساب بهدوء مع المسافة، والتأكد من توفر ما يكفي في البدن من استطاعة، وما تبقّى في الروح من زاد، للتمكّن من إكمال قطع المسافة، وتذليل ما يُقابل من صعوبات الطريق. ولأن البوصلة اختُرعتْ قبل اختراع الساعة، فإن الأهم حقيقة معرفة الاتجاه الصحيح، وليس الوقت الذي نحتاج إليه للوصول.

الرحلات الحياتية متنوعة بتنوع البشر والطموحات والأهداف؛ قد تتشابه وقد تختلف، فهي، حسب الهدف والطموح، سهلة وصعبة، ممكنة ومستحيلة، مربحة وخاسرة، ممتعة ومحزنة، أو بين بين. هناك رحلات حياتية نقررها ونخطوها فتأخذنا إلى آخر العمر من دون أن نستطيع إكمالها، وقد تترك فينا حسرة. وهناك أخرى ما إن تبدأ حتى تنتهي. القلة منا ربما يفضّلون الأولى، ليس لما فيها من صعوبات، بل ربما لما تقدّمه الاستمرارية من ألفة الروتين، وما تتضمنه من مشاعر وأحاسيس بالامتنان الشخصي بما يترك من علامات في الطريق قد يهتدي بها البعض ممن يأتون بعدنا. والأكثرية منّا قد يفضلون الثانية، ربما لسهولتها، وربما لعدم امتلاكهم النفَس الطويل اللازم. وفي الحالتين (الرحلتين) هناك دائماً مساحة كبيرة مفتوحة لدخول القدر إلى الملعب فجأة، في أي لحظة، بنيّة تغيير المسارات والمصائر.

قد لا يهمّ كثيراً، لدى البعض، كيف بدأنا الرحلة أو من اتخذ قرار الخطوة الأولى؛ أكنّا نحن أم كان القدر؟ وما يهمّ حقاً في رحلة الربع الأخير من العمر حين تبدأ ليس التركيز على الوصول بأي وسيلة إلى النقطة المرجوة والخاتمة، بل الاستمتاع بما قد يصادف في الطريق من متع صغيرة تقابلنا، وتكون بمثابة استراحات -تطول أو تقصر- تتيح لنا فرصة إعادة النظر في أسئلتنا، خصوصاً منها الأسئلة المتعلقة بالغاية أصلاً من الرحلة، وهل تستحق فعلاً عناء ما نبذله في سبيلها من جهد وتضحيات، وتحمّل ما يصيبنا فيها من آلام ومواجع وأحزان؟