عبد الله الغذامي
كاتب سعودي
TT

الأخطاء من حيث هي قانونٌ ثقافي

استمع إلى المقالة

ليست الأخطاء حتميةً فحسب، بل هي ضروريةٌ لكي تظل العقول البشرية يقظةً ومعطاءةً. والعطاء العقلي لا يأتي إلا بسبب أخطاء السلوك البشري، ومن شأن السلوك أن يكون على صيغة تجاربَ نقترفها بحماسٍ واندفاع. وعادةً نحن نقدم على الأفعال مشروطين بالتخلي عن التعقل، وإن ظل العقل نفسه على درجات من الحذر لكن الفعل أمضى من العقل، إذ لو تعقلنا قبل الإقدام ما أقدمنا. ومن ثمّ فطلب السلامة يتبدى وكأنه نقيضُ الإنجاز.

من هنا جاءت النجاحات الكبرى وهي تلك التي لم نتردد قبل اقتحامها. وكما يقول المثل الشعبي «في كل دقة تعليمة»، وهو مثلٌ يحيل لقانون سلوكي مجرب، وإن كانت «التعليمة» ليست أكيدة كما تشهد الوقائع، إذ يظل البشر يرتكبون الأخطاء، كأنهم لا يتعظون ولا يتعلمون. علامة ذلك ما نراه اليوم في أجواء الحرب الإيرانية، وهي الحرب التي نشهد وقائعها كل لحظة، ونسمع دوي الصواريخ، كما نشاهد «عواجل» الأخبار، وكل واحد منا في رأسه حلولٌ يراها، ولكن الفاعلين وممسكي الزناد لا يسمعون حلولنا ولو سمعوها ما انصاعوا لها. ولذلك نرى الأخطاء أمامنا ونعجب كيف لا يرونها. وكما يقولون عن أن «غلطة الشاطر بعشرة»، وهو مثل شعبي يصف الحال بدقة مجربة ويشهد أن أخطاء الشاطر الماهر أعمق من أخطاء البسيط التلقائي.

كما هو مشهود، فأخطاء ترمب في الأقوال، وفي الأفعال، هي أخطاء الشاطر العارف، لكنه رغم شطارته لم يلتزم بمقولته في حملته الانتخابية بأن «القوة الحقيقية هي أن تجعل غيرك يخاف منك»، وهي جملة عاقلة لو وظفها بمعناها الحق لما لجأ لحل القوة المادية. وفي المقابل تأتي أخطاء إيران في الأقوال والأفعال كذلك. والأفدح يقع من إيران، فعلى مدى نصف قرن تمعن إيران في ارتكاب الأخطاء بمثل ما تمعن في إيذاء نفسها، ومع وضوح ذلك وتكراره لم تتعلم ولم تتعظ.

كل واحد منا له موقفٌ ورأي ولديه ملحوظات وتأويلات حول منظومة الأخطاء هذه. لكن الحدث لا يسمع ولن يسمع.

ولذا تستمر الحرب بشرطها وليس بشروط الأطراف. وكلما اتفق الطرفان حدث أمرٌ ما يقلب المعادلة ويعيد الكرة بأفدح من كراتها السابقة. الأكيد أن كل مخطط استراتيجي وكل خبير عسكري سيجعلان الحدث مادةً للدرس والتنظير. لكن الخبير لن يغير مسار الأحداث مهما قال أو نصح أو احتج واعترض. السبب ليس في عناد البشر، ولا في أطماعهم، وإن وجدت، وإنما هو لقانونٍ ثقافي يشبه القوانين الفيزيائية في حتميته، وذلك أن الأخطاء هي الأصل في العمل البشري، ولا بد من حدوث الأخطاء، ولا بد من تعصيها على الحلول لكي يتحقق شرطها الوجودي، ومن ثم فاعليتها في إنتاج النظريات فلسفيّاً، وفي صناعة الأسلحة عسكرياً. ولا بد من ضحايا، وهذه حتمية أخرى، فلولا الخسائر الكبرى لما تحققت المكاسب الكبرى.

وهذا ليس تهويناً لمغبات الحرب، ولكنه أمرٌ لا خيار فيه، ولو لم تك إيران ضحيةً لعداواتها فهي لن تسلم من أن تكون ضحيةً لنفسها لأسباب تخصها وتعيها. وخطاب إيران يشير لذلك كما هو خطاب ترمب الذي قال إنه سيفرض السلام بالقوة.

وهذه صيغة حربية وليست خطاباً سلمياً. وإيران تقول بالمقولة نفسها، وإن بصيغ مختلفة، فهي ترى أن الحرب أحد معانيها الجوهرية، وترى أن وجودها لن يتحقق إلا بالقوة. فالحرب هنا مشروعٌ فكري، ومن ثم فهي سلوك سياسي للطرفين معاً. وقبلهم كان هتلر وذاكرته ليست بعيدةً عنا، وتشابهات حال اليوم مع عقلية هتلر قوية جداً، ففكرة الهيمنة هي قانون الأحداث، وهي أيضاً ما سيكتب نهاية الأحداث، وكذلك نموذج هتلر في الاستهانة بإكثار الخصوم وتعديد الجبهات، وكأننا نشهد استعادة للحكاية الهتلرية ليس أكثر.

وهذه ليست فحسب سياسات متهورة، لكنها أيضاً حتميات ثقافية لا بد أن تعاود الحدوث وبصيغ تتنوع، وهو تنويع مخاتل وخداع. ومخاتلته هي سر تكراره الذي تعمى عنه عيون الآخرين لكي يقعوا فيه، ولا يسمح القانون الثقافي للعيون أن ترى، ولا للأذهان أن تتذكر أو تتعظ، بما أن الاتعاظ يخالف شرط سريان القانون الثقافي. مما يعني عموماً أن نماذجَ بشريةً لا بد واقعون في الأخطاء وممنوع عليهم أن يتعلموا من أخطاء سابقيهم. الخطير أننا لن نعرف صناع الأخطاء القاتلة إلا بعد أن يقترفوها وكأنها دورات كونيةٌ كما الكوارث الطبيعية.

وللأخطاء وظيفةٌ أخلاقيةٌ رفيعةٌ يترجمها الحديث النبوي «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم». وهذا يعزز نظرية المعاني في الازدواج السلوكي ما بين خيرٍ مرغوب، وشر محتوم في انتظامٍ يفرض شرطه وسلوكه.