سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

الآنسة مي والسيدة فاطمة

استمع إلى المقالة

حملت المؤلفات الكثيرة التي وضعت عن مي زيادة عنواناً واحداً هو «الآنسة مي». لم تتزوج الآنسة مي، لكن أحبها كبار أدباء أوائل القرن العشرين. وإذا أردت مثالاً على نوعية العاشقين، تفضل سجل: لطفي السيد. أحمد شوقي. طه حسين. عباس محمود العقاد. وثمة عاشق آخر بالمراسلة يدعى جبران خليل جبران.

لبنانية من أصل فلسطيني هاجرت مع أهلها إلى مصر، وفي القاهرة أقامت أشهر صالون أدبي في تاريخ مصر. كل يوم ثلاثاء كان يجتمع في هذا الصالون أشهر وأهم أعلام مصر. وتدور في ذلك الصالون الحوارات والنقاشات، وأبرز ما فيها مداخلات الآنسة مي. المرأة المثقفة والأديبة الجريئة التي سوف يتهمها أهلها بمرض نفسي، فيبتعد عنها الأصدقاء، وعبثاً تطلب منهم النجدة، خصوصاً من أمين الريحاني. لكن أحداً لم يصغِ للمرأة التي ملأ حضورها ذات يوم مصر.

الآن مؤلف جديد تحت عنوان «الآنسة مي». صاحب الكتاب أحد أبرز النقاد والمؤرخين في لبنان، الأستاذ جهاد فاضل. طبعاً لديه ما يضيف إلى تلال الأبحاث والدراسات التي وضعت عن الساحرة الحزينة. لكن الأهم ليس «الجديد» الذي يأتي به وإنما الصدقية التي يعطيها للقديم. وهو يذهب «بالآنسة مي» أبعدَ من سواه. إنها امرأة من لحم ودم ومشاعر، وليست صورة ملائكية يتساقط أمامها عمالقة الأدب والسياسة. «الآنسة مي» عنده أكثر واقعية وبساطة، بالتالي أكثر جمالاً. ويتميز فاضل بدقته في رسم المناخ الأدبي الذي عرفته القاهرة وبيروت تلك المرحلة (دار سائر المشرق). ففي ذلك الجو المحافظ اشتهرت سيدتان من لبنان: مي زيادة وفاطمة اليوسف. اسمان للتاريخ. حتى اليوم.