د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي... ضرورة ولكن!

استمع إلى المقالة

لم يعدِ الذكاءُ الاصطناعي التوليدي مدخلاً موثوقاً لتحقيق طفرات تنموية. الدعاية الهائلة التي تقوم بها الشركات المنتجة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي -وغالبيتها أميركية- تحمل في طياتها كثيراً من التناقضات العملية. الاتجاه الغالب دعائياً أنَّ أوامر عدة في تطبيق ذكي تمكِّن صاحبه من تحقيق ثروات هائلة من دون أي مجهود. لم تقل الدعاية أي منتج أو خدمة سيتم تسويقها أو إنتاجها، أو ما هو الإبداع الأصيل الذي سيُقدم لآخرين للاستفادة أو للاستمتاع، بينما الثابت أن الشركات المنتجة لتلك التطبيقات بدأت تُسرِّح كثيراً من المبرمجين والعاملين، بحجة أن الذكاء الاصطناعي يقوم بالمطلوب من دون أن يحصل على راتب ولا منحة ودون أن يطلب إجازة مرضية.

هنا الإشكالية الكبرى. ما نراه ونستجيب له بوجه عام، ويفيد جزئياً كثيراً من المحترفين، ويحقق لهم منافع وإن بدرجات مختلفة، يحمل في ذاته بذور فنائه. فحين تطرد الشركات بعضاً من الذين شاركوا في تطوير تلك البرمجيات، مستفيدة من إلغاء الرواتب والمنح، تصبح الشركة كلياً تابعة لتلك التطبيقات وليست مسيطرة عليها. ومع مرور بعض الوقت تكتفي تلك التطبيقات بما تفعله ذاتياً والقائم على منتج لغوي وفكري بشري في الأصل، تم تعديله وإضافة منتج لغوي ذاتي، من دون أي لمسة بشرية، فقد ذهب البشر بعيداً.

سوف تحقق الشركات أرباحاً في المرحلة الأولى، ولكنها ستفتقد العقل البشري القادر على مزيد من الإبداع والخيال والابتكار. ومن ثم تتهاوى تدريجياً. هذا المصير لم يعد مُستبعداً، وكثير من المحللين بدأوا يثيرون كثيراً من المعضلات الفكرية والفلسفية والعملية المتعلقة بالمعرفة البشرية والمعرفة الآلية، ومن يسود على الآخر. معضلات تَطرح ضمناً أهمية أن يكون هناك عقل إنساني يضع حدوداً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، المعتمدة على النماذج اللغوية الكبيرة، ويُرشِّد أداءها. عقل بشري إنساني يصوغ معايير شفافة تلزم الشركات والحكومات وعلماء الذكاء الاصطناعي، بدايةً من طبقته الأولى المتمثلة في المعادن النادرة وتنقيتها، ونهاية بالطبقة الأعلى المتمثلة في التطبيقات وحزم البرامج الذكية، وما بينهما من صنع الرقائق، وتوفير الطاقة الهائلة، وبناء مراكز البيانات العملاقة ومصادر المياه لزوم تبريدها، وخطوط نقل البيانات عبر شبكة الإنترنت.

معروف أنَّ كل طبقة من تلك الصناعة تجسِّد قانون التعقيد الصناعي والتشابك العضوي بين الحلقات المختلفة. يوجد هناك طرف أو أكثر يتمتع بميزات نسبية كبرى مقارنة بباقي العالم في حلقة أو حلقتين، ما يجعل مبدأ الهيمنة المطلقة على صناعة الذكاء الاصطناعي مُستبعدة تماماً، تقابلها حاجة الكل للكل، أياً كانت الميزات النسبية لهذا الطرف أو ذاك.

حين تُطرح الحوكمة لضبط حركة الذكاء الاصطناعي كصناعة عولمية، تختلف المواقف والفلسفات، ويصبح الأمر معقداً كتعقيد الصناعة نفسها. ثمة تياران يسودان النقاش فكرياً وواقعياً، المنتجون في الغرب لمراكز البيانات والرقائق فائقة القدرة والتطبيقات اللغوية الجامحة، يرون الحوكمة مسألة نسبية تطوعية، تعود إلى الشركة نفسها، وفقاً لما تراه يحقق تفوقها ويضمن منافستها للآخرين. وثمة شركات تتمسك بمبدأ الاحتكار ومنع الوصول إلى تقنيات تلك التطبيقات من قبل آخرين.

صحيح أن هناك بعض تباينات بين كبريات تلك الشركات إزاء ضبط حركة تطوير التطبيقات الذكية، كالموقف الذي دعت إليه شركة «أنثروبك» المنتجة لتطبيقات «كلود» الذكية، بأن تبطئ الشركات عمليات التطوير، والتأني في استكشاف الآثار القريبة والبعيدة للتطبيقات الذكية على المجتمعات المختلفة، يقابله الموقف الذي تتمسك به «إنفيديا» المنتجة للرقائق الفائقة القدرة، والتي تحتاج إليها مراكز البيانات العملاقة؛ إذ تدعو إلى الاستمرار في التطوير بلا توقف، حتى لا تُمنح الشركات الصينية فرصة للحاق بمستوى التفوق الأميركي.

رغم مثل هذه التباينات في الولايات المتحدة وأوروبا إجمالاً، فإنَّ مبادئ الحوكمة مطروحة نظرياً، ولكن في سياق ما يوصف بقيم الحرية والانفتاح المعلوماتي واستبعاد دور الدولة في ضبط حركة الشركات، فضلاً عن كونها تفتقد دعم مجتمع العلماء، وتفتقد أيضاً الإرادة السياسية العليا، ومن ثم تخضع للتجربة والخطأ.

يختلف الأمر كلياً في الصين وروسيا وعدد كبير من دول الجنوب؛ حيث تطرح قضية الحوكمة كمتغير مصيري يخص البشرية كلها. الإعلان قبل أسبوع عن إنشاء «منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي» في شنغهاي بمشاركة 29 دولة مُؤسِّسة، يُمثل خطوة استراتيجية كبرى، قوامها تقديم نموذج بديل ومنافس للحوكمة الغربية، تعنى بوضع ضوابط ملزمة لصناعة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحد من السياقات الاستهلاكية الغالبة على التطبيقات الذكية الراهنة، وإعادة توجيه الصناعة كلها نحو الزراعة والطب ومتطلبات التنمية، واعتماد أسلوب النماذج المفتوحة المصدر، ومراعاة واقع دول الجنوب، ومبدأ سيادة الدولة على بنيتها الرقمية وبياناتها، وتعاون الدول المتقدمة مع الدول الأقل تقدماً، كأسلوب لتوزيع عوائد التطبيقات الذكية بما يفيد البشرية، ويقيد الاحتكار والاستعلاء الرقمي.

المسعى الصيني مجرد خطوة تجذب دعم دول الجنوب، يُقيد فوائدها رفض الغرب الالتزام بحوكمة منشؤها الصين.

البشرية أمام تيارين: أحدهما يدعو إلى حوكمة تطوعية من دون إلزام، وآخر يدعو إلى ضوابط أخلاقية وتنموية مصحوبة بنظم قانونية تأخذ شكل معاهدة دولية مُلزِمة للجميع، أقرب إلى صيغة معاهدات ضبط القدرات النووية لكل من روسيا وأميركا، بما يقيد التورط عمداً أو عشوائياً في مواجهة نووية تفرض الخسارة على الجميع.

ورغم أنَّ التعقيد الصناعي الحاكم للذكاء الاصطناعي يفرض قدراً من المرونة والتعاون المتبادل، تظل معاهدة حوكمة لتلك الصناعة أملاً بعيداً، على الأقل في المدى المنظور.