هل المخالفات في أسواق الأسهم العربية والعالمية أمر طبيعي؟ بالتأكيد هو أمر غير طبيعي، ولكنه مع الأسف أمر متوقع ويحدث، لماذا؟ لأن بعض الناس يضعفون أمام المكاسب المادية الشخصية، ما يدفعهم لارتكاب المخالفات بغية الحصول على مكاسب غير مشروعة؛ لذلك فإن للإدارة النزيهة في الشركات المساهمة وزناً في قرار الاستثمار في أسهم شركة معينة.
والمخالفات نوعان؛ مخالفات اجتهادية من قبل إدارة الشركة، مثل الخطأ في إعلان رقم غير دقيق في بند من بنود الميزانية، قد يؤثر سلباً أو إيجاباً في قرار الاستثمار في السهم، سواء في البيع أو الشراء، وهذا أمر مقبول لأنه يتم تصحيحه على الفور. وهناك مخالفات غير مقبولة، يجب أن تكون لها عقوبة رادعة، وهي المخالفات المتعمدة بغية الثراء، مثل التداول خلال فترة الحظر على مجلس إدارة الشركة، أو إعلان خبر غير صحيح يؤثر في سعر سهم الشركة سلباً أو إيجاباً، أو التلاعب بأرقام الميزانية بحيث تُظهر أمراً خلاف الواقع، أو التلاعب بأسعار شركة معينة من قبل بعض المتعاملين، مثل خلق طلب أو عرض بهدف رفع سعر سهم شركة معينة أو خفضه بما لا يتناسب مع أداء الشركة، ثم البيع أو الشراء لسهم الشركة، وهو ما يُعرف بخلق سعر وهمي، لأنه لا يدوم طويلاً، بخلاف أسهم الشركات القوية، لأن أسهم الشركات القوية ذات الأداء المتميز غالباً ما تكون ذبذبتها السعرية في نطاق ضيق، وإن تراجعت في السوق لأي سبب، مثل سوء حالة السوق أو تخلص مستثمر من كمية كبيرة من أسهمه، فإنها سرعان ما تعود إلى وضعها الطبيعي، لأن المستثمرين يُعيدون تقييمها، فإذا اعتقدوا أنها دون قيمتها العادلة بدأوا بالشراء، بمعنى أن التأثر السعري يكون مؤقتاً. أما أسهم الشركات التي يتم التأثير عليها بموجب هذه المخالفات، وهي لا تستحق ذلك، فتتراجع وتُكبِّد المتعاملين المضلَّلين خسائر فادحة؛ لذلك يجب على أسواق المال العربية وضع عقوبات رادعة لمثل هذه المخالفات، أسوة بالأسواق العالمية، لخلق سوق كفؤة يثق بها المتعاملون، سواء أكانوا محليين أم أجانب، وكلما كانت السوق كفؤة جذبت رؤوس الأموال الأجنبية.
سوق الأسهم السعودية هي أكبر سوق عربية من حيث الرسملة، ومن أقدم الأسواق العربية؛ لذلك يُنظر إلى تجربتها بعين الاعتبار، ثم تأتي سوق الأسهم المصرية والخليجية بوصفها أسواقاً ذات أهمية بالغة. وبوصف السوق السعودية الأقدم، ولكثرة تجاربها، أرجو من الأسواق العربية النظر إلى تجربتها والاستفادة منها، خصوصاً فيما أُعلن عنه الأسبوع الماضي؛ حيث أحالت هيئة السوق المالية السعودية المتلاعبين بأسهم شركتي «الكثيري» و«أنعام القابضة» إلى النيابة العامة، وتم تغريمهم 292.8 مليون ريال (87.08 مليون دولار)، وهي عقوبة كبيرة ورادعة، والأهم من ذلك أن هذه الغرامة ستُعاد إلى المتضررين، وهذا هو المطلوب، عبر صندوق تعويضات أُنشئ لهذا الغرض. والأهم من ذلك أن هيئة السوق المالية السعودية لم تُعلن اختراع العجلة، بل ذكرت أنها تبنت أفضل الممارسات العالمية لتعزيز الثقة والعدالة في السوق السعودية، بما يتناسب مع طبيعة السوق السعودية.
أرجو أن تتنافس أسواق الأسهم العربية، وبالذات المصرية والخليجية، بصفتها الأسواق الفاعلة في تطبيق المعايير العالمية على المخالفين، والاستفادة من تجاربها العربية المحضة لخلق أسواق عربية يثق بها المستثمر. ودمتم.
