فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

عن ملف شتات السوريين

استمع إلى المقالة

عصفت سنوات الصراع السوري2011- 2024 بالسوريين، فدفعت أكثر من نصفهم إلى شتات حول العالم موزعين على أكثر من مائة بلد في كل القارات، لكن غالبية الشتات تمركزت في ثلاث مناطق رئيسية؛ أولاها بلدان الجوار القريب وأبرزها تركيا ولبنان والأردن، وفيها العدد الأكبر من شتات السوريين، ويقدر عددهم بنحو خمسة ملايين نسمة، والمنطقة الثانية تمثلها البلدان العربية في الدائرة الكبرى، ولا سيما مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ووفق التقديرات، فإنَّ عدد السوريين المقيمين في هذه البلدان يقارب ثلاثة ملايين نسمة، والمنطقة الثالثة غرب أوروبا، ويقارب عدد اللاجئين والمقيمين السوريين فيها نحو مليونيْ نسمة.

ولا يُحتاج إلى تأكيد قول إن الشتات لم يكن خيار السوريين، بل هو خيار إكراه وإجبار وعنف ضد أكثريتهم، الذين طُردوا من بيوتهم ومُدنهم وقُراهم وأُجبروا على مغادرتها تحت احتمالات الموت أو الاعتقال المرشح ليكون موتاً تحت التعذيب أو اختفاء قسرياً على نحو ما صار مصير مئات ألوف السوريين في سنوات الصراع الطويلة، لكن ذلك لا يتجاوز حقيقة أنَّ قليلاً من السوريين اختاروا الخروج استباقاً لما يمكن أن يحصل وسط ظروف معقدة أحاطت بالصراع السوري وحول سوريا.

مسارات الشتات السوري كانت متعددة، الأبرز فيها كان الخروج إلى بلدان الجوار تركيا ولبنان والأردن، ومنها بدأ أول وأهم مسارات شتاتهم بتسرب محدود نحو بلدان أخرى، وقد تحولت في أوقات لاحقة إلى منصات عبَر فيها السوريون إلى مناطق شتاتهم الحالي، فكانت تركيا البلد الذي عبَر منه أغلب المهاجرين، ممن استقروا في بلدان غرب وشمال أوروبا، وفيهما أهم تجمعين في ألمانيا والسويد، وهذا ما حصل جزئياً عبر لبنان وليبيا ومصر، وكان المسار الثاني في الشتات انتقال سوريين وفق ظروف معينة للعيش في بلدان المحيط العربي، حيث حصل السوريون على إقامات في بلدان عربية؛ من بينها السعودية والإمارات في الخليج، ومصر وليبيا والجزائر في شمال أفريقيا. أما المسار الثالث في شتات السوريين فكان ضِمن خطة إعادة التوطين، التي أدارتها «الأمم المتحدة» لتوطين لاجئين، وفي خلالها جرى توطين دفعات عشرات آلاف السوريين في بلدان كان أهمها بريطانيا في غرب أوروبا، وكندا في شمال أميركا.

لقد مضت مسارات الشتات بطريقة معقدة وصعبة وأحاطت بها المآسي، بعضها كان سهلاً، ولا سيما في الفترة الأولى، حيث كانت الحدود شِبه مفتوحة، وثمة «قبول» باستقبال لاجئين، ومع الوقت صار الأمر شبه مستحيل بعد أن تزايدت أعداد اللاجئين مع عسكرة الصراع وتدويله، وسط مرور المزيد من الوقت، وسط غياب أفق للحل السوري، وكانت المساعدات توفر حدوداً دنيا، قبل أن تتوقف، وخفت حالة التعاطف الرسمي والشعبي في أغلب البلدان، ثم جرى توظيف قضية اللاجئين السوريين في السياسات والصراعات الداخلية والإقليمية، وأخذت تتردى أوضاع اللاجئين والمقيمين في مختلف البلدان في جوانب مختلفة؛ ومنها على سبيل المثال حالة بلدان غرب أوروبا التي لعبت الأزمة الاقتصادية، وصعود تيارات اليمين دورها في تدهور مكانة اللاجئين، وتصعيب شروط حياتهم في تلك البلدان.

وسط تلك اللوحة من ظروف الشتات السوري جاءت عملية التغيير السوري عام 2024 في إسقاط نظام بشار الأسد وقيام السلطة الجديدة التي لا شكَّ أن بين أولوياتها عودة السوريين من شتاتهم أو وضعها على برنامج العهد الجديد على الأقل، خاصة أن أغلب دول الشتات أثارت الملف رغبةً في علاجه أو معالجة بعض من جوانبه، كما أن كثيراً من سوريي الشتات كانوا راغبين في العودة إلى بلدهم وبيوتهم، غير أن الرغبات والإرادات اصطدمت بظروف ومعطيات واقعية وموضوعية جعلت التصدي للملف صعباً، بل يحتاج إلى إمكانات ووقت، إضافة إلى تعاون معقد وكثيف بين أطراف كثيرة؛ في مقدمتها الحكومة السورية وحكومات دول الشتات وتجمعات السوريين في تلك الدول.

ولأنَّ ثمة صعوبات كبيرة في ملف شتات السوريين وعلاجه، فإنَّ الضرورات تفرض أنه ومع الحفاظ على حق السوريين بالعودة إلى بلدهم وبيوتهم، واعتباره هدفاً مركزياً من جملة الأهداف الكبرى، فإنَّ ثمة حاجة إلى سياسات وإجراءات تخدم، في المدى القريب، هذا الهدف. ولعلَّ في مقدمة ما هو مطلوب على المستوى العام توليد وإطلاق مؤسسات وهياكل تربط بين سوريا وتجمعات الشتات؛ بينها تنظيم الجاليات، وأن يكون لهذه المؤسسات والهياكل دور في تعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية مع بلدهم، كما أنَّ بين المطلوب إعطاء الفعاليات السورية ومؤسساتهم في الشتات أفضلية المشاركة في تعزيز روابط سوريا مع بلدان الشتات، وفي إعادة إعمار سوريا، ودعم مكانة ودور سوريا على المستويين الإقليمي والدولي، وينبغي ترافق ما تقدم مع متابعة رسمية لصيقة لشؤون السوريين في الشتات، والعمل على معالجة القضايا والموضوعات، التي تستحق تدخُّل الدولة السورية على نحو ما حدث في موضوع السجناء والمعتقلين السوريين في لبنان، حيث أثمر تعاون البلدين إنهاء معاناة شديدة ومستمرة على مدار سنوات.

أما أهم المطلوب على الصعيد الخاص فهو وضع سياسات واتخاذ إجراءات تُشجع على عودة، ولو جزئية، لسوريين من الشتات، وخاصة أصحاب الخبرات والقدرات المميزة، وخلق فرص لوجودهم العملي والرمزي بالبلد ومشاركتهم في إنهاضه، وتحسين صورته في العالم، وأمام مواطنيه أيضاً، ودفع أعداد من سوريي الشتات، ليكونوا في الهيئات الاستشارية السورية، وبين ممثلي سوريا في المؤتمرات والندوات المنعقدة عبر العالم.

إنَّ نجاح السلطة في سوريا لا يقتصر على معالجة شؤون السوريين من المقيمين فحسب، بل معالجة شؤون سوريي الشتات وإنجاحهم؛ لأنَّ أغلب السوريين صاروا في شتاتهم، لأنَّ قلوبهم كانت على بلدهم وأهلهم، وقد عانوا كثيراً، وجزء منهم يمكن أن يساعد في تطور بلده وتقدمه.