أنطوان الدويهي
أستاذ جامعي لبناني
TT

في الشرخ اللبناني الكبير

استمع إلى المقالة

لا بدّ من الاعتراف، ويا للأسف، بأنّ «بلاد الأرز» ليست بألف خير. لا فائدة من تمويه هذه الحقيقة، والأجدى النظر إليها بهدوء وواقعية. ولا بدّ من الاعتراف بأن الانحسار شبه العجائبي للهيمنة السورية الأسدية عن لبنان عام 2005، ثم التراجع اللافت في نفوذ «حزب المحور» الإيراني في العامين الأخيرين، وسقوط النظام السوري السابق بالضربة القاضية، لم تكفِِ حتى الآن لحسم الصراع بين المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي الذي غرسته الثورة الخمينية في لبنان قبل أكثر من أربعين عاماً. كان الأمل أن ينتصر المشروع اللبناني مثلما حدث من قبل في وجه المشاريع الإقليمية العديدة المتوالية على هذه البلاد منذ قيام كيانها الأول عام 1861، كتكملة لحركة التاريخ نفسها. لكن الصراع ما زال مستمرّاً.

«بلاد الأرز» ليست بألف خير لأسباب عديدة.

الأوّل، أنّ الصيغة اللبنانية، مثلها مثل جميع الأنظمة السياسية في المشرق، لم تحقّق الانتقال من مجتمع الجماعات إلى مجتمع الأفراد المواطنين، بعد أكثر من قرن على انهيار السلطنة العثمانية. صحيح أنّ هذه الصيغة كانت الأفضل في محيطها، من حيث تكريس الحريات والانفتاح على الحداثة، ومن حيث الإنجازات الثقافية والمعرفية والحياتية المهمّة ونمط العيش الفريد التي حققتها. لكن الجماعات لم تنحلّ، بل زادت قوّةً وحدّةً، في لبنان كما في سائر أنحاء المشرق.

السبب الثاني، أنّ الرهان اللبناني على نظام الحريات ونوعية الحياة يقع ضمن منطقة أمنية وتسلّطيّة مطبقة. حقّق هذا الرهان للّبنانيين مكاسب جمّة، لكنه جعل بلادهم سهلة الاختراق من المحيط الأمني. وقد زادت نكبة فلسطين وقيام إسرائيل هذا الوضع تعقيداً، بما ترَكاه من انعكاسات على «بلاد الأرز». هكذا، كانت نافذة الحريات اللبنانية الثغرة التي ولج منها المشروع العرفاتي، المدعوم من الحركة الناصرية لتحقيق «اتفاق القاهرة» عام 1969، الذي أتاح لحركة «فتح» العمل العسكري من جنوب لبنان. وقد ولج من تلك الثغرة مجمل عوامل حرب 1975 اللبنانية، مع ما تلاها حتى اليوم من اضطرابات وانهيارت وهجرات واحتلالات وأعمال تحرير ووصايات وحروب مستعرة لم تضع أوزارها بعد.

السبب الثالث، هو ما حمّله مخطّط الثورة الخمينية الإقليمي، المستند إلى ولاية الفقيه، من أثقال وأوزار إلى الواقع اللبناني. فمثلما فعل في أنحاء أخرى من المنطقة العربية، تحت شعار تحرير فلسطين والقدس، دخل المشروع الخميّني من باب مجتمع الجماعات إلى الكيان اللبناني، جاعلاً من الجماعة المتعاطفة معه قاعدة دولة موازية لدولة «لبنان الكبير» وتائقة إلى السيطرة بكل الوسائل عليها، مقسّمة الناس إلى مواطنين مسلّحين درجة أولى، وعاديّين درجة ثانية، مّما أدّى إلى تأجيج التناقضات والأحقاد بين الجماعات اللبنانية إلى أبعد حدّ. ومع أن الأحداث الأخيرة أكّدت أولوية ولاء «حزب المحور» المطلقة لإيران، وهو أمر طبيعي ومعروف منذ أربعين عاماً، فقد نجح الحزب في التعامل بكافة الأشكال مع معظم الطبقة السياسية والإدارية والمالية اللبنانية، البالغة الفساد. كان يحصل منها على المواقف السياسية مقابل ما يتيحه لها من مناصب ومن استيلاء منهجي على ثروات الدولة والبلاد. كان لبنان طوال عقود بمثابة باخرة تغرق، بينما يسرع أولياء أمرها إلى نهب محتوياتها بلا رحمة ولا رادع من ضمير. وما «التحالف الرباعي»، و«اتفاق مار مخايل»، و«توافق 2016 الرئاسي»، وغيرها إلا حلقات من التذاكي والتلاعب لتبرير هذه المقايضة، التي دفعت لبنان إلى الهاوية.

السبب الرابع، ما قادت إليه الحربان الأخيرتان بين «حزب المحور» وإسرائيل من كوارث واحتلال جديد لأراضي الجنوب وخسائر بشرية مأساوية وتهجير جماعي ودمار عميم. ثم جاء أخيراً الاتفاق بين أميركا ترمب وإيران ليزيد المسألة اللبنانية غموضاً وتعقيداً، إذ تأمل منه إسرائيل تكريس احتلالها، ويأمل منه «حزب المحور» إعادة تعويم نفسه عسكريّاً وسياسيّاً، وإن في منأى عن الحدود الجنوبية، وعكس إرادة الدولة والأكثرية العظمى من اللبنانيين. ولم يكن تنقص هذه الصورة الممزّقة إلا دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المكررة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى التدخّل العسكري في لبنان، فتكتمل المتاهة.

يبقى السبب الخامس والأخير للشرخ اللبناني الكبير، حيث ترتفع الآن في وسائل التواصل الاجتماعي أصوات بالغة التعصّب والجهالة والعنف والتضليل، تحرّض الجماعات اللبنانية بعضها على بعض بصورة وحشيّة، وتذكي نار التفرقة والفتنة على نحو لم يسبق له مثيل، كأن البلاد على حافّة حرب أهلية وشيكة الحدوث. الخطير في الأمر أن هذه الأصوات الهائجة، الدافعة إلى التقاتل، لا تجد من يحاسبها ويقي الناس شرّها.